الأحد  20 تشرين الأول 2019
LOGO

معارضة التسوية ودعم حماس من أجل مناكفة محور السعودية ومنظمة التحرير بقلم: ناجح شاهين

تفسير الظاهرة الكويتية:

2019-06-29 12:33:30 PM
معارضة التسوية ودعم حماس من أجل مناكفة محور السعودية ومنظمة التحرير 
بقلم: ناجح شاهين

نود في هذا النص أن نلتمس الأسباب التي تجعل موقف الكويت فيما يخص القضية الفلسطينية مختلفاً عن مواقف دول مجلس التعاون الخليجي بمقدار يجعله يتفوق حتى على قطر التي تتبنى سياسة معارضة للسعودية انطلاقاً من حسابات مختلفة على رأسها تبني الإمارة لاتجاهات إخوانية حليفة لتركيا مع الالتزام التام بالدوران في فلك الولايات المتحدة.

من هذه الناحية لا تختلف الكويت عن قطر في أي شيء ذي دلالة. فهي تتمتع باتفاقية للدفاع والتعاون العسكري مع الولايات المتحدة. وتستضيف 13 الف جندي أمريكي، علماً أنه لا يوجد أكثر من هذا العدد من الجنود الأمريكيين إلا في بلدان ثلاثة، هي ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية. وتشارك الكويت في التحالف الذي تقوده السعودية في حرب اليمن، كما دعمت الإجماع الخليجي المتصل بالعمل من أجل إسقاط الحكم في سوريا، لكنها في المقابل امتنتعت عن التدخل في الشأن السوري مباشرة، ربما بسبب ميلها عموما إلى القيام بدور الوسيط الذي تفضله على دور المحارب.

تعاني حكومة الأمير في الكويت من وجود معارضة قوية إسلامية وليبرالية وقومية، كما أنها تعاني من العجز عن القيام بالرشوة الضرورية للسكان التي تنجح فيها الإمارات وقطر بسهولة بسبب ثرواتهما الطائلة. والحقيقة أن الكويت تتلقى مساعدة مالية ( وإن تكن محدودة ) من الولايات المتحدة بسبب تدهور أسعار النفط. وذلك يجعل العائلة المالكة مضطرة إلى البحث عن مشروعية سياسية تعوض المشروعية التي تنقص بسبب التراجع الاقتصادي. لذلك تتصدى الإمارة أحيانا للقضايا القومية بطريقة تذكر بنهج الرئيس التركي أردوغان الذي قام في دافوس قبل سنوات باستعراض مسرحي تاريخي هاجم فيه الرئيس الاسرائيلي المتوفى شمعون بيرس. وقد كرر المشهد مرزوق الغانم الذي هاجم رئيس الكنيست مستعملا الخطاب نفسه تقريبا من قبيل وصف الإسرائيليين بأنهم "قتلة الأطفال" وما أشبه من جمل استخدمها من قبل أردوغان. غني عن البيان إن تركيا لا تفعل شيئا ضد إسرائيل أكثر من الكلام، بينما يستمر التعاون الاقتصادي والسياسي وحتى العسكري بين الفريقين. وبالشكل ذاته يمكن أن ننظر إلى الصراخ الكويتي، مع ملاحظة أن وزير الخارجية الكويتي قام بزياة للقدس القديمة سنة 2014 ، كما أشيعت أخبار عن وفود من رجال الأعمال أو السياح الكويتيين الذين زاروا إسرائيل.

كانت الكويت دائماً جزءاً من الأفلاك الأمريكية في المنطقة. وفي أثناء الحرب العراقية- الإيرانية عندما كانت تساند العراق وتدعمه بالسبل المختلفة، قصفت إيران المصافي الكويتية أكثر من مرة، مما استدعى إنشاء الولايات المتحدة تجهيزات عسكرية كثيرة لحماية الكويت. دفعت الكويت 16 مليار دولار مساهمة في حرب "تحريرها" من "احتلال" العراق سنة 1991، ثم دفعت ما يصل إلى 200 مليون دولار سنويا بعد "التحرير" ثمن استضافة 4000 جندي أمريكي لمواصلة احتواء العراق. ثم استضافت الكويت ربع مليون جندي أمريكي في سياق احتلال العراق سنة 2003 ، وبعد الحرب وافقت على استضافة 13500 جندي أمريكي بتكلفة 210 مليون دولار سنوياً (احتلال مدفوع الثمن).

من ناحية المواقف السياسية "الإقليمية" تتبنى الكويت موقف السعودية والإمارات من مصر والإخوان وسوريا وإيران، ويظل الموقف من فلسطين مختلفا بشكل أو بأخر ليأتي منسجماً مع تعقيدات وضع الدولة الكويتية الذي يلقى تفهما أمريكيا واضحا يجعل الانتقادات الموجهة إلى دور الكويت في القضية الفلسطيينية خافتة تماما مثلما هو الحال مع انتقاد أمريكا للأردن وقطر. الكويت بلد صغير محاط بدول كبيرة تهدد وجوده جدياً، وذلك ما يجعله في وضع من لا يستطيع أن يواجه علنا أو يأخذ موقفا "جريئا" على طريقة الإمارات "القوية" أو البحرين الخاضعة للحماية المباشرة .... الوضع في الكويت يعتمد على توازنات داخلية وخارجية حساسة ودقيقة منذ نشأته الصعبة على الرغم من معارضة العراق.

ربما أن جزءاً من المشروعية السياسية في الداخل يتحقق عن طريق وقوف الكويت إلى جانب الحق العربي في فلسطين. وقد أدت دولة الكويت، من خلال عضويتها في مجلس الأمن، في السنوات الأخيرة، دوراً جلياً في إبراز آخر تطورات القضية الفلسطينية داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، خصوصاً ما يتصل بالقمع الإسرائيلي للمتظاهرين الفلسطينيين على السياج الحدودي في قطاع غزة. كذلك قامت الكويت، بتحركات عدة على الصعيد الدولي لتأييد القضية الفلسطينية، في مسار مغاير لتوجهات محور الرياض – أبو ظبي الذي يضغط على القيادة الفلسطينية من أجل تمرير "صفقة القرن" وطي ملف القضية الفلسطينية.

وتقدم المندوب الكويتي في مجلس الأمن، قبل أكثر من سنة بمشروع لحماية المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية. وحظي المشروع بموافقة دول مجلس الأمن، لكنه سقط بفعل "الفيتو" الأميركي. كذلك ساهمت الكويت في إسقاط مشروع أميركي مضاد لتأييد إسرائيل. كما دعمت الكويت عدداً من المشاريع الإسكانية والاقتصادية في قطاع غزة والضفة الغربية، في مقابل وقف الدعم السعودي، بأمر من ولي العهد، محمد بن سلمان، لزيادة الضغط على القيادة الفلسطينية.

البحث عن المشروعية السياسية تفسر بدون شك مقداراً مما يحصل لكن هناك أسباب أخرى.

يمكن اقتراح ثلاثة أسباب رئيسة لاختلاف الموقف الكويتي، يتمثل أولها في كسر محاولة مصر والسعودية تكوين إجماع عربي حول القضية الفلسطينية، وما يرافقها من ضغوط على بقية الدول لتمرير "صفقة القرن" والاعتراف بأبو ديس عاصمة لدولة فلسطين المستقبلية بدلاً من القدس المحتلة. ويمثل الموقف الكويتي في مجلس الأمن معارضة صريحة للموقف السعودي المصري عالمياً وإحراجاً لهما. ولا بد أن هذا الأمر يأتي في سياق إعطاء دور للكويت بمنأى عن هيمنة السعودية المطلقة على مجريات السياسة العربية. ويدور السبب الثاني حول الصراع في منطقة الخليج العربي، إذ إن الموقف الكويتي يمثل رسالة واضحة للدولتين اللتين تحاولان السيطرة على منظومة مجلس التعاون الخليجي، الإمارات والسعودية، والرسالة هي أنكما لن تستطيعا جرّ المنطقة بأكملها للتطبيع، أو لاتخاذ أي قرار باسم الخليج حول القضية الفلسطينية من دون أي اعتبار لبقية الدول، وهي بالإضافة إلى الكويت، قطر وسلطنة عمان، أخذاً بعين الاعتبار أن قرارات البحرين الخارجية ليست بيدها. ويجدر بنا أن نلاحظ هنا أن الكويت أخذت موقفاً مختلفاً فيما يخص الصراع السعودي الإماراتي ضد قطر.

وانسجاماً مع هذه التوجهات، نجد أنه على الرغم من موقف السعودية والإمارات الذي يعد حركة "حماس" إرهابية، وملاحقة المتعاطفين معها والداعمين لها في بلديهما، واتهام قطر بدعم الإرهاب نتيجة موقفها من "حماس"، فإن الكويت تواصل دعم الحركة ودعم قطاع غزة، كما سمحت بشكل كبير، خلال السنوات الأخيرة، للجمعيات الخيرية فيها بإقامة المشاريع داخل القطاع. لكننا يجب أن نقرأ موقف الكويت الداعم لغزة من زاوية أخرى هي "الانتقام" من منظمة التحرير أو معاقبتها على موقفها من دخول العراق إلى الكويت.

يأتي السبب الثالث مشابهاً فيما نتوهم لرغبة قطر وغيرها من الدول الصغيرة في القيام بأدوار كبيرة دبلوماسياً كونها عاجزة عن غير ذلك . وذلك مهم للكويت بعد نحو عقدين من العزلة السياسية والانكفاء على الذت الذي يمثل مرحلة لعق الجراح إن جاز القول التي تلت دخول العراق سنة 1990.

وهذه السياسات آتت أكلها سريعاً، إذ سرعان ما شوهدت أعلام الكويت ترفع في قطاع غزة أثناء التظاهرات على السياج الحدودي مع إسرائيل، وقد استقبل رفض الكويت للمشاركة في ورشة البحرين بترحاب شديد في غزة والضفة وعلى نطاق واسع، وهو ما أدى إلى انتشار علم الكويت ليشمل الضفة الغربية بعد أن كان مقتصراً على غزة. بل وصل الأمر إلى أن تقوم بلدية سلفيت إحدى مدن الضفة المعروفة بإطلاق اسم مرزوق الغانم على أحد الشوارع الرئيسة في المدينة قبل بضعة أيام.

يقول الأكاديمي الكويتي عبد الرحمن المطيري: "يجب أن نعترف بأننا لسنا بملائكة. هل حققنا مكاسب سياسية من خلال مواقفنا في مجلس الأمن؟ بالطبع نعم. صورة الكويت التي كانت موجودة، في السبعينيات والثمانينيات، بمواقفها الداعمة للقضايا العربية، عادت من خلال المواقف في عضوية مجلس الأمن، إذ يمكن لنا أن نسميها حملة علاقات عامة ناجحة من دون دفع دولار واحد."

في هذا السياق من حملة العلاقات العامة هاجم رئيس مجلس الأمة الكويتي، مرزوق الغانم، مثلما أشرنا آنفاً، وفد إسرائيل، خلال المؤتمر 137 للاتحاد البرلماني الدولي، الذي انعقد في تشرين الأول 2017 ، بمدينة سانت بطرسبورغ الروسية.

الغانم قال مخاطباً رئيس الوفد الإسرائيلي: "اخرج من القاعة إن كان لديك ذرة من الكرامة (..) يا محتل يا قاتل الأطفال"، مضيفاً: إن "ما تمارسه إسرائيل هو إرهاب الدولة، وينطبق على هذا الغاصب المثل القائل إن لم تستح فاصنع ما شئت". وعاد الغانم إلى مهاجمة إسرائيل في العام 2018 واصفاً إياها بالدولة الأكثر انتهاكاً لحقوق الإنسان في العالم. بطبيعة الحال ومثلما أسلفنا القول تظل "حقوق الطبع" لهذه الاستعراضات مسجلة باسم الرئيس التركي أردوغان.

جريا على هذا النهج، الذي لا يفسد للود قضية سواء مع الولايات المتحدة أو أي من حلفائها، سجلت الكويت مجددا موقفا واضحا يعلن رفضه كل ما يمس الحق الفلسطيني، وأعلنت مقاطعتها ورشة البحرين الاقتصادية. لكن الكويتيين يؤكدون بالطبع أن ذلك لن يؤثر على العلاقات الكويتية- البحرينية.

رفضت القوى السياسية والجمعيات الأهلية ورشة البحرين، استنكرت إقامة الورشة في دولة عربية. كما أكدت رفضها لخطة السلام الأميركية، مؤكدة في الوقت ذاته على ضرورة مقاطعة تلك الفعالية.

المواقف الشعبية سرعان ما تلقفها نواب مجلس الأمة الذين دعوا الحكومة في بيان تلاه رئيسه مرزوق الغانم خلال جلسة الاثنين التي سبقت الورشة، إلى مقاطعة أعمال ورشة المنامة، ورفض كل ما تسفر عنه من نتائج من شأنها أن تسهم في تضييع الحقوق العربية والإسلامية التاريخية في فلسطين.

حكوميا وخلال الجلسة نفسها، أكد وزير الخارجية الشيخ صباح خالد الصباح تمسك الكويت بالثوابت الأساسية في سياستها الخارجية القائمة على دعم القضية الفلسطينية والقبول بما يقبله الفلسطينيون. وهذا الموقف الأخير هو التعبير الدقيق البالغ الدلالة على حدود الموقف الكويتي الذي لن يذهب بأي حال إلى حد المطالبة برفع سقف العمل العربي أو الفلسطيني من أجل فلسطين.

ولا بد أن الكويت لن تذهب أبداً إلى حد التحالف مع قوة مثل حزب الله حتى لو أعلنت الحرب الفورية على إسرائيل. وبهذا المعنى فلن تكون الكويت أبداً في مركب إيران وحزب الله المعادي للولايات المتحدة. إنها بمعنى من المعاني لاعب خليجي آخر يمارس الدفاع عن خصوصيته في نطاق الملعب الأمريكي. ولا  بد أن مناكفة المشاريع التي ترعاها السعودية والإمارات إضافة إلى مناكفة مشاريع السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير هي جزء أساس من حسابات السياسة الكويتية. لقد وقفت منظمة التحرير مع العراق عندما حاول ضم الكويت، ولا بد أن دعم حماس في غزة يلبي حاجتين لدى صانع القرار السياسي في الكويت: أولهما مواصلة معاقبة منظمة التحرير وسلطتها الفلسطينية، أما ثانيهما فهو مغازلة التيار الإسلامي والقومي في مجلس الأمة الذي يعارض التسوية السياسية التي نفذتها منظمة التحرير. ولا بد أن معارضة ورشة البحرين الأخيرة تأتي في هذا السياق الذي يعزز الرضا الشعبي داخلياً وعربياً عن الحكم دون أن يكلفه ذلك دولاراً واحداً على حد تعبير الأكاديمي الكويتي. فيما عدا ذلك سوف نجد الكويت "مجاهداً" مخلصاً في المشاريع الأمريكية لضرب إيران أو حزب الله أو سوريا أو اليمن أو فلسطين ذاتها إذا كان سياق الأحداث لا يسمح لأمريكا بمنح أحد من الأفلاك تصريحاً لممارسة مقدار ضئيل من الاستقلالية في حملة العلاقات العامة التي ينفذها.