الأحد  17 تشرين الثاني 2019
LOGO

سياسات الولايات المتحدة ساهمت عن غير قصد بتعزيز الاقتصاد الروسي

2019-10-15 02:51:24 PM
سياسات الولايات المتحدة ساهمت عن غير قصد بتعزيز الاقتصاد الروسي
العلم الروسي والأمريكي

 

 الحدث- جهاد الدين البدوي 

نشرت مجلة "ناشيونال إنترست" مقالاً للكاتب ديميتري ألكساندر سيمز وتحدث فيه: أنه على الرغم من أن واشنطن دفعت منذ فترة طويلة حلفائها الأوروبيين إلى الابتعاد عن الغاز الروسي، إلا أن بعض سياساتها الخاصة ساهمت بدعم قطاع الطاقة الروسي.

 ويضيف الكاتب سيمز أن آفاق الطاقة في روسيا كان قاتماً قبل سنوات مضت، وكان الاتحاد الأوروبي، أكبر عملاء الطاقة الروسية، قبل أن ينتقل بعيداً عن موسكو بسبب ضم شبه جزيرة القرم ودعم الانفصاليين شرق أوكرانيا، ومن جانب آخر تحاول روسيا اقتحام سوق الطاقة الصيني ومواجهة صعوبات كبيرة على طول الطريق.

ويرى الكاتب أن طفرة النفط الصخري في الولايات المتحدة هددت بتقويض مكانة روسيا في أسواق النفط العالمية.

على الرغم من المعارضة الشديدة من واشنطن والعديد من دول أوروبا الشرقية، من المقرر أن تستكمل روسيا خطين جديدين لإمداد الغاز إلى أوروبا بحلول نهاية هذا العام. ومن المتوقع أن تطلق موسكو خط أنابيب الغاز " قوة سيبيريا" الذي طال انتظاره، حيث سيربط حقول الغاز في سيبيريا بمراكز الاستهلاك الرئيسية في الصين قرب الساحل قبل بداية عام 2020.

في خطابه في منتدى أسبوع الطاقة الروسي، سعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طمأنة وتحذير عملاء الغاز الأوروبيين في موسكو. تعهد الزعيم الروسي بأن بلاده ستستمر في إظهار "نهج مسؤول وعملي في العلاقات مع شركائنا القدامى في أوروبا" بغض النظر عن الخلافات بين موسكو وبروكسل.

 إلا أن بوتين انتقد "الحيل القذرة" التي قامت بها أوروبا ضد شركات الغاز الروسية وصرح بأن روسيا سوف تتطلع لبيع الغاز في مكان آخر إذا استمرت القارة في "إبقاء الطاقة رهينة للخلافات السياسية".

وأضاف بوتين: "بطبيعة الحال، نتلقى حوافز جديدة لتطوير التعاون مع أولئك الذين لا يدعمون هذا المنطق -منطق المنافسة غير النزيهة". كما أن الطلب على الهيدروكربونات ينمو في آسيا بسرعة أكبر من أوروبا".

 يشير الكاتب إلى أن كلمات الرئيس بوتين لم تكن مغلوطة، فعلى الرغم من أن أوروبا لا تزال من العملاء الرئيسيين للطاقة في روسيا، إلا أن موسكو تحرز نجاحًا كبيرًا في السوق الصينية. وفي عام 2016، تفوقت روسيا على المملكة العربية السعودية كأكبر مورد للنفط إلى الصين. وعندما يصبح خط أنابيب النفط " قوة سيبيريا" نشطًا في وقت لاحق من هذا العام، فإنه سيوفر 38 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا إلى الصين، مما يجعل بكين ثاني أكبر مستهلك للغاز الروسي بعد برلين.

يرى فيكتور زوبكوف رئيس شركة غازبروم بأن الصين تحتل مكانة كبيرة في خطط غازبروم المستقبلية. وتوقع زوبكوف أن سوق الغاز الصيني سيصل قريبًا إلى حجم السوق الأوروبية. ومن جهة أخرى أعلن أليكسي ميلر الرئيس التنفيذي لشركة جازبروم في وقت سابق من هذا العام أن شركة الغاز الحكومية الروسية تهدف إلى أن تصبح أكبر مصدر للغاز في الصين بحلول عام 2035.

 ترى المجلة أنه بالنسبة لروسيا فإن محور الطاقة المتوجه للصين يتعلق بالجغرافيا السياسية أكثر منه بالاقتصاد. وأكد الباحث الصيني في المدرسة العليا للاقتصاد ألكساندر لوكين أن الأزمة الأوكرانية أقنعت موسكو بأنها لم يعد بإمكانها على الاعتماد على أوروبا كعميل رئيس في مجال الطاقة دون أن تكن عرضة للخطر سياسياً.

وأضاف لوكين أن جميع خطوط أنابيب النفط والغاز الروسية أثناء الحرب الباردة تم بناءها إلى أوروبا. وعندما بدأت أوروبا باستخدام هذه الحقيقة للضغط السياسي، اتضح أن هذا الاعتماد على الطاقة أمر خطير للغاية. في هذا السياق قالت روسيا إنه نظرًا لأنكم تعتبروننا عدوًا ولا تريدون أن تعتمدوا علينا، فإننا لا نريد أن نعتمد عليكم.

وفي ذات السياق تحدثت أوروبا عن تقليل اعتمادها على موسكو في مجال الطاقة منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية. بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في مارس 2014، كما ودعا المجلس الأوروبي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى تنويع موردي الغاز في محاولة لابعاد القارة عن الغاز الروسي.

على الرغم من الشكوك المتبادلة بين موسكو وبروكسل، إلا أن صادرات الغاز الروسية إلى أوروبا قد زادت بالفعل في السنوات الأخيرة. كما وصلت مبيعات شركة غازبروم إلى أوروبا وحصتها في سوق الغاز في القارة إلى مستويات قياسية في عام 2018. وبمجرد ا لانتهاء من مشروعي التيار التركي والتيار الشمالي 2 في وقت لاحق من هذا العام، ستنمو الصادرات بمقدار 86.5 مليار متر مكعب سنويا إلى أوروبا.

ويرى كريس ويفر، وهو شريك كبير في شركة ماكرو الاستشارية، أنه على الرغم من التوترات السياسية بين موسكو وبروكسل، فإن أوروبا ليس لديها خيار سوى زيادة استهلاكها من الغاز الروسي. وأوضح أنه بينما تعمل الحكومات الأوروبية لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، فإنها تستبدل تدريجيًّا الفحم بالغاز ومصادر الطاقة المتجددة. وفي ظل تراجع إنتاج الغاز المحلي الأوروبي، يمكن تلبية احتياجات الطاقة في القارة فقط عن طريق استيراد المزيد من الغاز.

وتابع ويفر: "بعيداً عن الخطاب السياسي، هناك براغماتية طاقة تدرك أن أوروبا بحاجة إلى استيراد المزيد من الغاز والكثير من ذلك سيأتي من روسيا".

وتضيف المجلة أنه على الرغم من أن واشنطن دفعت منذ فترة طويلة حلفائها الأوروبيين إلى الابتعاد عن الغاز الروسي، إلا أن بعض سياساتها الخاصة زودت قطاع الطاقة الروسي بالدعم. على وجه الخصوص، دفعت العقوبات المفروضة على كراكاس وطهران العديد من العملاء السابقين من النفط الفنزويلي والإيراني إلى اللجوء إلى موسكو كبديل.

ووفقًا لبعض التقديرات، فإن العقوبات الأمريكية قدمت للشركات النفط الروسية أرباح إضافية قدرها 905 ملايين دولار. حتى الولايات المتحدة نفسها زادت استهلاكها للغاز الروسي بعد فرض العقوبات على فنزويلا. وبلغت صادرات النفط الروسية إلى الولايات المتحدة أعلى مستوى في ست سنوات في الربع الأول من عام 2019.

 أوضح ويفر أن روسيا في وضع جيد يمكنها من تقديم نفسها كمورد بديل لأنها منتجة للنفط الخام الثقيل، تماماً مثل فنزويلا وإيران. ويضيف أن      "النفط الفنزويلي والإيراني له نفس كثافة ونوع النفط الروسي. لذا، فإن حقيقة إخراجهم من السوق تعني أن هناك مشترين جاهزين للنفط الروسي".

ويلفت الكاتب إلا أنه كما أتاحت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين الفرصة لمنتجي الطاقة الروس لزيادة حصتهم في السوق الصينية. بعد أن فرضت بكين تعريفة انتقامية على منتجي الغاز الطبيعي المسال الأمريكي، انتقلت شركات الطاقة الحكومية الصينية إلى شراء أسهم في مشاريع الغاز الطبيعي المسال الروسية في القطب الشمالي.

وأكد لوكين أن موسكو، بصفتها شريكًا مقربًا لبكين، فإنها في وضع جيد للاستفادة من التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وروسيا.

وأضاف: "روسيا دولة صديقة والصين ليست لديها أي مشاكل معها، لذلك تحاول الصين تطوير علاقاتها مع روسيا - أولاً وقبل كل شيء في قطاع الطاقة، ولكن أيضًا بالنسبة للسلع الأخرى".

 مع اقتراب عام 2019 من نهايته، يبدو مكانة روسيا في أسواق الطاقة العالمية أقوى مما كانت عليه منذ سنوات. ولا يزال موقف موسكو في أوروبا قوياً ومحورها للصين بدأ في تحقيق أرباح ذات مغزى. ومن المفارقات، أنه قد يكون للولايات المتحدة جزئياً لها الفضل على نجاحها الأخير.