الأربعاء  08 نيسان 2020
LOGO

القصة وراء فشل التدخل الأمريكي في أفغانستان

2020-02-20 10:17:45 AM
القصة وراء فشل التدخل الأمريكي في أفغانستان
جنود الجيش الأمريكي في أفغانستان

 

 الحدث- جهاد الدين البدوي

نشرت مجلة "ناشيونال إنترست" مقالاً للباحث في شؤون السياسة الخارجية الأمريكية، كارلو جي في كارو، وقال انه من المعقد للغاية السيطرة على المؤسسة الدينية في أفغانستان لأن الإسلام السني لا مركزي ولا يمتلك هيكلاً هرمياً.

وفي 11 حزيران/يونيه 2002، عقد "لويا جيرغا" لنقل السلطة إلى السلطة الانتقالية الأفغانية. وقد وضعت الولايات المتحدة كل آمالها وراء حامد كرزاي، على الرغم من أن الملك محمد ظاهر شاه حصل على دعم كبير من المندوبين الأفغان.

و"اللويا جيرغا"، عبارة بشتونية -نسبة لقبائل البشتون التي تمثل أغلبية الشعب الأفغاني- الجزء الأول  يعني "الكبير أو الموسع" والثاني "اجتماع الصلح أو مجلس المصالحة", أي مجلس المصالحة الموسع.

يتابع الكاتب أنه من خلال قيامها بذلك، ارتكبت إدارة بوش خطأ استراتيجياً كبيراً، وهو ما من شأنه أن يمثل فشلنا في تحويل أفغانستان. وأفضل إمكانية لإحلال السلام في البلد هي إعادته إلى النظام، على الرغم من عيوبه، درجة معينة من الاستقرار والتقدم الديمقراطي لم يسبق له مثيل في تاريخ أفغانستان.

وعلى الرغم من أن الملك محمد ظاهر شاه، بحلول أوائل السبعينات، قد فقد الكثير من أهميته السياسية، فإن النظام الملكي كان المؤسسة الوحيدة التي تمتع بالاعتراف والقبول بالسلطة السياسية من السكان المنقسمين على أساس قبلي أو عرقي وديني.

يشير الكاتب إلى أن الملوك كانوا في أفغانستان دائماً الأبطال الرئيسيين لعمليات التحديث في البلاد. وأيد كل من الزعماء القبليين والدينيين الملوك، طالما أن سلطتهم الخاصة لم تكن مهددة بشكل كبير. وكان هدفهم الوحدة الوطنية، وكان الملوك يدركون دائما ًالحاجة إلى دمج الأعراق المختلفة في البلاد وتجنب الملكية الحصرية للسلطة من قبل البشتون. كما تمتع النظام الملكي بميزة كونه من البشتون، وهو ما يضمن له من الناحية النظرية دعم العرق الرئيس.

وباستثناء الملك أمان الله خان، كان النظام الملكي حريصاً دائماً على تجنب مواجهة المعايير التقليدية والقيم الدينية. وهذا بدوره مهد الطريق أمام القبائل الجنوبية للاعتراف بشرعية الملوك.

يوضح الكاتب بأن الثورات البشتونية المختلفة ضد محمد ظاهر شاه كانت ذات طبيعة محلية دائماً وتقتصر على المصالح القبلية الداخلية. والواقع أن زعماء القبائل العظماء في ذلك الوقت لم يدعموا هذه الثورات أبداً. ومع ذلك، اعتبر الملوك الأفغان القبائل تهديداً لسلطتهم وسعوا إلى استيعابها في الحكومة.

كما دافع النظام الملكي عن بقية الأعراق من التمييز. وشجعت على دمج الطاجيك وغيرهم من الشعوب غير البشتونية في مناصب حكومية هامة. وقد منح ذلك النظام الملكي قدراً كبيراً من الاحترام من الأقليات، حيث اعتبروه عقبة أمام هيمنة البشتون.

يتابع الكاتب: مرة أخرى، باستثناء الملك أمان الله خان، لم يواجه الملوك بقوة سلطة المؤسسة الدينية. وبدلاً من ذلك، حاول الملوك تقليص سلطتهم باستخدام لقب أمير المؤمنين - قائد المؤمنين - الذي منحهم سلطة دينية وسياسية على حد سواء.

وفي حين مُنحوا لقب شاه في عشرينات من القرن الماضي، كان الملوك مبجلين كمدافعين عن الدولة الإسلامية والإسلام. في الواقع، قام عبد الرحمن خان بدمج الجهاد مع الملك وحده. وقد حرم ذلك السلطات القبلية والدينية من إعلان هذا الحق.

وباستخدام الدين كركيزة للشرعية السياسية، تمكن الملوك من تقويض السلطة القبلية والزعماء الدينيين. لقد فعلوا ذلك بمهارة من خلال الحفاظ على الخطاب الإسلامي، الذي قيد خصومهم من خلال التشكيك في سياساتهم. كما أن لقب "أمير" أعطاهم بعض الشرعية التي لا يمكن استبدالها لأنها نشأت من الله. ثم أدى ذلك إلى تحييد الجوانب القبلية للسلطة والقوة.

يرى الكاتب بأن السيطرة على المؤسسة الدينية أمر معقد للغاية لأن الإسلام السني لا مركزي ولا يمتلك بنية هرمية. وتزداد هذه الحالة سوءاً في أفغانستان بسبب تضاريسها. لكن الملوك ناوروا حول مثل هذه التعقيدات، وحاول الملك محمد نادر شاه تنظيم جسم العلماء، ظناً منهم أنه إذا أُعطي نوعاً من البنية، فسيكون من الأسهل السيطرة عليه. وأعطى العلماء مناصب في السلطة كما في فرع العدالة، دون إضعاف سلطة الدولة. ولأن الإصلاحات نُفذت تدريجياً، فقد قبلها العلماء ولم ينظروا إليها على أنها تهدد الإسلام.

ثم من الثلاثينات، دعا ابنه محمد ظاهر شاه إلى التعليم العلماني وبدأ في إنشاء شبكة من المدارس الدينية الحكومية للسيطرة على تشكيل العلماء. وسعى إلى بناء هيئة دينية أكثر تقدمية وانفتاحاً على الإصلاحات. وبطبيعة الحال، ونظراً للتعقيد، كان نجاح هذه السياسة نسبياً. كانت المدارس الدينية الحكومية في المراكز الحضرية، في حين كانت المدارس التقليدية في جميع أنحاء البلاد. ولذلك كان العلماء في المراكز التقليدية يشكلون الأغلبية دائماً، كما أن الضعف التاريخي للدولة الأفغانية جعل من الصعب توسيع نطاقها إلى المناطق الريفية.

كانت رغبة الملك محمد ظاهر شاه في تحويل أفغانستان إلى دولة حديثة أصعب بكثير مما كان متوقعاً. في عام 1964، وافق مجلس اللويا جيرغا المكون من 455 عضواً على دستور جديد، ولكن غياب أيديولوجية سياسية واضحة، والتوترات السياسية بين الإسلاميين والشيوعيين، وعدم القدرة على التكيف مع النظام السياسي الحديث، كانت عقبات كبيرة.

قبلت المؤسسة الدينية بشكل سلبي الطبيعة العلمانية للدستور الجديد بسبب وجود مدارس الدولة، ووجود الخبراء الإسلاميين، ونفوذ الملك. ومنذ عام 1964، كفل القانون حرية التعبير وحرية الفكر وكذلك المساواة أمام القانون. وفي حين أن هذه الحريات كانت نظرية أكثر منها حقيقية، إلا أنها كانت تطوراً هاماً في تاريخ أفغانستان.

على سبيل المثال، نشر الشاعر الشيوعي برق شافعي، قصيدة تحيي ذكرى لينين واستخدم مصطلح "doroud" لتبجيله. وقد ولّد ذلك رد فعل عنيف من المؤسسة الدينية لأن المصطلح كان مقتصراً على الصلاة. طلب الملالي في كابول سجن الشافعي، لكن الملك تجاهل مطالبهم. ثم أجبرت الحكومة الملالي على العودة إلى ديارهم.

كما حظر الدستور مشاركة أفراد العائلة المالكة في الحكومة، وهو مثال آخر على الحداثة. ولكن من المفارقات أن أفضل الناس لحكم البلاد هم أقارب محمد ظاهر شاه، بسبب تعليمهم وخبرتهم. ثم سمح غياب قانون الإنفاق الانتخابي لمن هم أكثر قوة مالية، مثل زعماء القبائل والمسؤولين السابقين في الدولة، بالهيمنة على العملية السياسية.

كافحت المؤسسات الأفغانية لإضفاء الشرعية على سلطتها في بلد ارتبط فيه المجتمع الريفي بالتقاليد والإسلام، واصطدم فيه العديد من أعراقه المختلفة ببعضها البعض. وكان الفلاحون ينظرون إلى المراكز الحضرية على أنها تهدد أسلوب حياتهم وسبباً لعدم الثقة. ولا تزال الأمية مرتفعة بشكل مفرط، ويتلقى السكان الريفيون رشاوى من الأفغان الأقوياء للتصويت لصالحهم. ولذلك، فشلت جهود كابول الرامية إلى تقديم الحداثة إلى المناطق الريفية بسبب الافتقار إلى الدعم من السكان وعجز الدولة عن تفسير سبب ضرورة إجراء إصلاحات.

كما لعبت الاختلافات العرقية دوراً هاماً في النظام السياسي. ومع عبد الرحمن خان وخلفائه المباشرين، وأصبح تأثير البشتونوالي على السياسة ضعيفاً. وفي ستينات القرن الماضي، تم تسريع هذه الجهود من قبل محمد ظاهر شاه والإدارات اللاحقة. ومع ذلك، وحتى لو حظي الجو السياسي بشكل ايجابي من جانب غير البشتون، فإنهم لا يزالون غير راضين لأنه كان يهيمن عليه البشتون إلى حد كبير. ومن الواضح أن التنوع العرقي والقبلي والديني قد عقّد بناء هوية وطنية أفغانية وأعاق سلطة مركزية قوية.

يؤكد الكاتب بأن دستور عام 1964 كان أقرب إلى النصوص الغربية منه إلى القوانين الإسلامية، على الرغم من أنه كرّس الإسلام كدين للدولة. وكانت النتيجة أن مثل هذا الدستور أصبح غير متوافق مع المجتمع الذي كان عليه أن يحكمه، وأن الأفغان لم ينظروا إليه قط على أنه دليل أيديولوجي.

يعتقد الكاتب بأن غياب الإيديولوجية المهيمنة دفع المثقفين الأفغان، المنضوين في كابول، إلى أن يكونوا عرضة لتأثير الأيديولوجيات المتطرفة مثل الماركسية أو الإسلاموية، وخاصة عندما كانت الحكومة غير قادرة على حل المشاكل. واستخدمت حرية الصحافة من قبل الجماعات الأكثر تطرفاً لنشر أفكارها وأدت إلى تطرف السياسة.

وهذا ما منع الملك من التصريح بإضفاء الشرعية على الأحزاب السياسية. ولكن هذا كان سوء تقدير استراتيجي خطير، لأنه أعاق تطور الأحزاب السياسية المعتدلة، وبدلاً من ذلك سمح للجماعات المتطرفة بالتأثير على المجتمع الحضري وإضعاف الديمقراطية.

يختتم الكاتب مقالته بالقول: وينبغي أن تعلمنا هذه القصة أن أفضل إمكانية لمستقبل أكثر إشراقاً في أفغانستان، حتى مع كل العقبات التي تعترضها، هو النظام الملكي. ولسوء الحظ، لم تكن واشنطن تريد دعم الملك محمد ظاهر شاه عندما كان الوقت مناسباً. وفي 23 يولو من عام 2007، توفي محمد ظاهر شاه، ومعه إمكانية حل أجنبي لأفغانستان. لقد حان الوقت لكي نكون واقعيين ونختم الانسحاب من هذا البلد.

https://nationalinterest.org/blog/buzz/story-behind-failure-us-intervention-afghanistan-122886