الثلاثاء  07 نيسان 2020
LOGO

حكاية زهرة في الحرب الأهلية.. من بيروت إلى مسرح العاصمة المقدسية

2020-02-26 08:47:06 AM
حكاية زهرة في الحرب الأهلية.. من بيروت إلى مسرح العاصمة المقدسية
مسرح الحكواتي في القدس

 

هناك زهرة ما قبل الحرب الأهلية وزهرة التي تفتحت بالحرب

الحرب أفضل وسيلة نحو عنف مبرر

الحدث - آيات يغمور

من رواية صورت الحرب الأهلية في بيروت من منظور نسوي كانت الحرب فيها حريةً من قيود الأبوية، إلى مسرح الحكواتي في العاصمة المقدسية، حضر الحاضرون وكانت هي واقفة هناك كزهرة تنتظر ربيعًا حتى تتفتح. زهرة التي كانت ضحية سلسلة من الذكريات المؤلمة، عندما ظنت أن الحرب جعلتها حرة الخيار،  يقال إن الحرب يشعلها ذكورٌ يطمعون دومًا بالغنائم والمزيد من القوة. بينما ووفقًا للذكورة تستبعد النساء اللواتي يجدن في الحرب منفذًا أو مخرجًا أو طريقًا نحو سلام جديد، أو محاولات لحل بعيد عن سفك الدماء، لكنهن دومًا يعتقدن أن هناك أملًا أو مستقبلًا سيزهر بعد انقضاء الحرب، لكن الحرب تنتهي وهن مازلن في أقفاص الأنظمة الأبوية التي تمكن من اضطهادهن في كل مرة مهما اختلف المبرر وتنوعت الحجج.

تقف ياسمين شلالدة في دور زهرة، تقضم أظافرها فتبدو كأنها توحدت مع زهرة الخائفة دومًا، العرض لم يبدأ بعد لكنها ما زالت في الزاوية هناك وأظافرها تتعرض للتشويه.. الأنوار تطفئ وتنير وزهرة صامتة في ردها رغم الحرب الداخلية المشتعلة في فكرها، فالذكريات الأليمة التي عاشتها والتي لطالما رفضت تذكرها باتت تستحضرها دومًا. زواج فاشلٌ وعذرية مقدسة، جسد لا ملك لها فيه، أنوثة مسلوبة أو معايير جمال محددة، طلاقٌ محرّمٌ وصراخٌ دائم.

الحرب أفضل وسيلة نحو عنف مبرر

في الحرب يُقال تنتهي الأحلام، في الحرب أيضًا تنتهك القوانين، وتنهار الأنظمة.. فهل ينهار معها النظام الأبوي؟ الهيمنة الذكورية؟. في الرواية التي كتبتها حنان الشيخ قبل أكثر من 30 عامًا، تفاصيل مخجلة! لكنها حصلت وكأن الحرب سببٌ فيها. لكن الجميع يعلم أن الحرب تخرج أسوأ أو أفضل ما فينا. يغادر والدا زهرة غير آبهين بها لتسكن للمرة الأولى وتصبح لعدة شهور سيدة نفسها! هي التي لم تكن يومًا حرة بجسدها وسجينة أيضًا لأفكارها وذكرياتها التي تهبط على رأسها كهبوط صاروخ وسط دمار بيروت، تصبح وكأنها حرة ويتحقق هنا حلم زهرة التي تفتحت وسط الحرب على يدِ قنّاص! لكنها ما زالت سجينة أفكارها ولم تتعاف من ماضيها، هي لا تدرك أن قراراتها التي باتت تتخذها ليست سوى ردود فعل لماضٍ شكّلها ولم تستطع التحرر منه.  

تقع زهرة في الحب وتتبع رغبة اعترتها، فهي حرة الاختيار بعد أن أجبرت مرارًا على أن تكون زوجة بعد أن كانت عشيقة لرجل متزوج يدندن شعارات المساواة بين الرجل والمرأة فقط ليشبع نزواته ويتحرر من قيود زواجه. زهرة التي حاول خالها اغتصابها والتي رفضها زوجها بسبب العذرية، تشعر للمرة الأولى أنها مرغوبة وتبادل الطرف الآخر بالمثل، هي التي أشعرها الجميع دومًا أنها لا تستحق الحب ولن تطاله يومًا، فهي التي لم تنل من الجمال حظًا كافيًا فمن سيرى فيكِ حسنًا، يخاطبها والدها دون خجل.

هناك زهرة ما قبل الحرب الأهلية، وزهرة التي تفتحت بالحرب

تستمر زهرة في التفتح كأن الربيع حل وسط الحرب، فتصبح أكثر جرأة وأقل توترًا وخوفًا، فلماذا تخشى زوال ما لا تملك؟ فالحرب تهدد المتحابين أو الأهل المتقاربين أو أصحاب المصالح. لكن زهرة وجدت نفسها حرة من كل تلك المخاوف.. حينها فقط وقعت في حب قناص ظنت أنها تقوم بإلهائه عن قتل الأرواح البريئة حين تزوره في كل مرة، وبعد أن تصبح في شهرها الرابع، تخبر الحبيب أنها حامل منه، فيحاول بداية أن يدفعها نحو الإجهاض، وهي التي عانت سابقًا منه حتى خارت قواها وتركها العشيق الأول وحيدة ذليلة مكسورة. ليتراجع سريعًا ويخبرها بنية الزواج، فتسأله صراحة فيما لو كان هو حقًا القناص؟ ينفي طبعًا.

زهرة تجد حريتها في حرب دمرت قيود النظم الأبوية لكن قراراتها مازالت انعكاس ماضيها

بعد أن خرجت زهرة عن صمتها الطويل، بعد أن تنفست الحرية للمرة الأولى، بعد أن توقف والدها عن ضربها بسبب غيابه أو ربما لأن الحرب أضعفت قواه، بعد أن استجمعت نفسها وتصالحت مع ذكرياتها الأليمة، تستشعر المطر فترتوي لكن لونًا أحمر يغطي كفيها! أعطاها القناص حلمًا وسببًا جديدًا للحياة، ما لبث أن سرقه منها فهي التي كشفت سره! فطرحها أرضًا فرحة حزينة! اخترق الرصاص جسدها بعد أن كانت قد امتلأت أملًا وحبًا إلى أن نزفت دمًا مغدورة من حبيب آخر شعرت معه أن الحرب أوشكت على الانتهاء، واعتقدت أن السلام سيحل عليها يومًا، وأن بيروت ستحتضنها أخيرًا، هكذا هن النساء اللواتي يحاولن دومًا إحياء السلام والنور من ظلام الحرب.. كيف تستطيع النساء أن ترى النور وسط الدمار هل هو تفاؤلٌ أم سذاجة؟ هل سنتمكن نحن النسوة من التحرر يومًا من الأفكار التي تقيدنا رغمًا عنا.. هي نفسها أفكارنا التي لا نملك القوة الكافية لنتحرر منها فنصبح السجان حتى وإن كانت الأبواب مفتوحة!  

كتبت الرواية وانتشرت خلال الحرب الأهلية، تخبرنا المخرجة رائدة غزالة أنها تعرفت على حنان الشيخ كاتبة الرواية في لندن أيام عملها بالمسرح الملكي البريطاني عام 2000: "رواية زهرة أثرت فيّ كثيرا وكان عندي إحساس بأنه يجب تحويلها لعمل مسرحي"،  واتخذ القرار بعد عشرين عامًا لتصبح الرواية حية مجددًا تروي شخصية زهرة بفترات مختلفة، ففي ثلثي الرواية تتناول زهرة ما قبل الحرب الأهلية، والثلث الأخير يحكي عن زهرة خلال الحرب الأهلية. واختير الثلث الأخير كونه الجزء الفاعل الذي تصحو فيه زهرة خلال الحرب، تخبرنا غزالة: "المسرح بحاجة لفعل من الشخصية فخلال الحرب هي المساحة التي تستيقظ فيها زهرة وتصبح عندها مساحة تفكير مختلفة وتتعرف على الأشياء بطريقة الفعل أكثر". بقيت الرواية عشرون سنة على الرف إلى أن تقرر البدء بالعمل بمشاركة الكاتب الأمريكي ماثيو سبانجلر الذي حول النص الروائي لسيناريو مسرحي. الذي شكرت فيه المخرجة الكاتب المتخصص بتحويل الروايات الأدبية لمسرح، مشيرة إلى أنه يملك خصوصية صعبة عند الكتاب فهو يحترم النص الروائي وخصوصيته ولا يستسلم لغرور الكاتب ورغبته الدائمة في وضع بصماته.

استغرق العمل الذي كان من إنتاج المسرح الوطني (الحكواتي) سنة كاملة تضمنت إعادة تشكيل النص ليصبح باللهجة الفلسطينية المحكية ثم إلى اللبنانية ومن ثم ترجمته التي عرضت باحترافية على المسرح!

تضمن العمل المسرحي تلميحات عديدة جاءت لتجنب صراحة الفعل حينًا وعدم إزعاج الجمهور، وأحيانًا أخرى جاءت التلميحات لجذب الجمهور وإيقاظ مخيلته واستفزاز نباهته. فالمباشرة في الطرح لم تكن يومًا عنصر جذب.

تقول غزالة في تحليلها للشخوص: "خلال الحرب يحدث انفلات، الجميع خارج عن السيطرة، فهناك صور عديدة تتشكل. الحرب لا تأتي من فراغ بل من تركيبة سابقة، شخصية الأخ الضائع الهوية المشوهة الأم والأب.. جميعهم "لا أبطال" لأن هويتهم غير واضحة. الجميع مهشم ومعنف وخارج عن السيطرة والجميع يتأثر من هذه الحلقة".

ومن منظورها، ترى غزالة أن الرواية تتناول فكرة الحكم المطلق والانتقاد السلبي والمحاولة المستمرة لإلصاق الألقاب، وتعالج المسرحية ذلك بتقديمها دعوة لسماع وتفهم الغير، كوسيلة للإنقاذ الجمعي.

وعن نجاح المسرحية قالت المخرجة، إن الجمهور فيما لو خرج دون أن يطلق الألقاب على زهرة، دون أن ينتعها بأوصاف سيئة، فقط يتفهم ظروفها ويلمس جراحها مستشعرًا آلام ماضيها، عندها فقط يحدث الإمجاز. عندما يلمس الجمهور الجرح، تلمس المسرحية جراحنا الشخصية ونداوي بعضنا بالسمع والإنصات. لقد تحقق ذلك!

يشار، إلى انه شارك في هذا العمل المسرحي الذي نال إعجاب واستحسان وتعاطف الجمهور المقدسي الذي حضر العرض على مدار 3 أيام مختلفة، الممثلة القديرة إيمان عود بدور الأم فاطمة، والممثل محمد الباشا بدور الأخ أحمد وأيضًا بدور الأب، الممثلة ياسمين شلالدة بدور زهرة، والممثل ميلاد قتيبة بدور القناص.

وأخرجت المسرحية  المأخذوة عن رواية لصاحبتها حنان الشيخ المخرجة رائدة غزالة وشبلي البو كمساعد إخراج، وحولها لنص مسرحي الكاتب الأمريكي الشهير ماثيو سبانجلر بالتعاون مع رائدة غزالة.