الخميس  29 تشرين الأول 2020
LOGO

هل يمكن للصفقة الإماراتية الإسرائيلية أن تشكل هيمنة جديدة في الشرق الأوسط؟

2020-08-19 02:50:52 PM
هل يمكن للصفقة الإماراتية الإسرائيلية أن تشكل هيمنة جديدة في الشرق الأوسط؟
مظاهرة ضد الاتفاق والتطبيع

 

 الحدث- جهاد الدين البدوي 

نشر موقع "Middle East Eye" البريطاني مقالاً لرئيس تحريره ديفيد هيرست، وأشار فيه إلى أن هذه الرؤية القاتمة ستفشل بشكل أسرع بكثير من المعاهدتين الأردنية والمصرية مع "إسرائيل"، والتي بنيت على الرمال. ويمكن أن تؤدي فقط إلى مزيد من الصراع.

يرى الكاتب هيرست بأن الرجال الثلاثة الذين وقعوا أول اعتراف من الدول العربية "بإسرائيل" جميعهم يواجهون مأزقاً محلياً.

يشير الكاتب إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحاول بشتى الطرق لمنع الأمريكيين من التصويت بشكل منتظم في نوفمبر القادم، لأنه إذا فعل ذلك عدد كافٍ منهم؛ فسيخسر منصبه وفقاً لآخر تقييمات استطلاع الرأي العام. أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فهو قلق من اكتظاظ الاحتجاجات خارج منوله بسبب تعامله مع جائحة "كورونا"، بينما شهد ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد تحطم مشاريعه واحداً تلو الآخر، أولاً بمحاولة الانقلاب في تركيا، ثم حصار قطر، وأخيراً فشل قواته في الاستيلاء على طرابلس.

يوضح الكاتب بأن كل رجل من الرجال الثلاثة بحاجة إلى انقلاب دبلوماسي، وهو أمر يمكن أن تطلق عليه وسائل الاعلام الخاصة بهم حدثاً "تاريخياً". فكل منهم يعرف ماذا سيحدث له إذا فقدوا السلطة. بالنسبة لنتنياهو وترامب قد يعني ذلك السجن. أما بالنسبة لمحمد بن زايد، فسيعني ذلك النفي أو الموت. فعلاقته الغرامية مع "إسرائيل" هي تأمين على حياته. كما أن مصائرهم الشخصية متشابكة إلى حد غير عادي.

يشير الكاتب إلى أنه كان من الضروري أن يجد محمد بن سلمان داعم إقليمي بديل، فهو مدرك تماماً بالقيمة المتدنية في استثماره بترامب. لقد صنع ما يكفي من الأعداء في وكالة المخابرات المركزية والبنتاغون لمعرفة لحظة مغادرة ترامب، فيما ستعود الدولة العميقة للولايات المتحدة بالانتقام.

ووفقاً للكاتب فإن نتنياهو بحاجة إلى إيجاد إستراتيجية للخروج من الاحتجاجات والائتلاف المهترئ، لإيجاد سياسة يسيطر عليها وحده. في حين أنه خان جناحه اليميني مرة أخرى بتجميد الضم (على الرغم من عدم التخلي عنه)، إلا أن قدرته على الهروب السياسي قد تلاشت للتو مرة أخرى.

يقول هيرست عن نتنياهو: تباهى بتغريدته المصورة على تويتر قائلاً "للمرة الأولى في تاريخ البلاد وقعت على اتفاق سلام قادم من قوة - السلام مقابل السلام. مضيفاً أن هذا هو النهج الذي اتبعته على مدى سنوات: تحقيق السلام ممكن من دون تسليم الأراضي، ومن دون تقسيم القدس، ومن دون تعريض مستقبلنا للخطر. في الشرق الأوسط، البقاء للأقوياء - والشعب القوي يصنع السلام".

يرى الكاتب بأن ترامب بحاجة إلى حيلة مميزة في السياسة الخارجية، وهو أمر يمكن أن يسميه عودة لكل رأس المال السياسي الذي أنفقه على صهره جاريد كوشنر. مضيفاً أن "صفقة القرن" كانت لتموت فور تنفيذها، كما أن ترامب بحاجة ماسة إلى انجاز.

نهاية العلاقة:

يقول الكاتب بـأن هذه الصفقة التي سيدعمها المغرب والبحرين وعُمان والمملكة العربية السعودية، تختلف اختلافاً جوهرياً عن اتفاقيات السلام التي عقدتها مصر والاردن مع "إسرائيل". وكان كل منهما بدوره بداية علاقة غرامية. وقد بشر كل منها بمفاوضات أوسع نطاقا، والتي أدت لبعض الوقت إلى الأمل في التوصل إلى تسوية عادلة للصراع الفلسطيني.

ينوه الكاتب بأن هذه الاتفاقية نهاية علاقة غرامية، ولم تجرِ أي مفاوضات بشأن هذا الموضوع خارج قصور اللاعبين المعنيين. ولن تكون هناك انتخابات للحصول على تفويض شعبي. ولم يقترب أحد من الفصائل أو الأطراف الفلسطينية الكثيرة من هذا الأمر، لأن ذلك يعني التخلي عن القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية، والمفاوضات على أساس حدود عام 1967، وحق العودة.

يشير الكاتب إلى أن هذه الصفقة ليست حول السلام. فقد التقى القادة العرب بالزعماء "الإسرائيليين" بانتظام. والتقى العاهل الاردني الملك عبد الله الأول بالقادة الصهاينة قبل العام 1948 وحمل حفيده الملك حسين هذا التقليد. واحصى كاتب سيرته آفي شلايم 42 اجتماعاً مع نظرائه "الاسرائيليين". في حين استخدم الملك الحسن ملك المغرب الموساد للتخلص من خصومه.

يضيف الكاتب: لم يغير أي من هذا الاتصال المنتظم بين الأعداء المعلنين رفض الجماهير العربية لـ "إسرائيل".

يؤكد الكاتب بأن اعتراف الإمارات بـ "إسرائيل" لا علاقة له بالبحث عن إنهاء الصراع. بل يتعلق بإقامة نظام إقليمي جديد بين الطغاة والمحتلين -الطغاة العرب والمحتلين "الاسرائيليين"- ومع انسحاب أمريكا من المنطقة كطرف مهيمن على الاقليم، هناك حاجة إلى دول جديدة. خطوة إلى الأمام "إسرائيل" والإمارات العربية المتحدة.

إن التجارة، والاتصالات دون عوائق، والسفر والاعتراف بين "إسرائيل" وأغنى جيرانها في الخليج ستصبح "حقائق جديدة على الأرض"، كما يتصور مهندسوها، غير قابلة للتغيير مثل الطرق التي تحيط بالقرى الفلسطينية والمستوطنات نفسها. لا يتطلب الأمر التفاوض. فقط علم الهزيمة الأبيض.

يتابع الكاتب: وأنا واثق من أن الفلسطينيين لن يلوحوا بالعلم الأبيض للاستسلام اليوم، أي أكثر مما كانوا يفعلون في العقود السبعة الماضية. لن يتخلوا عن حقوقهم السياسية، ويأخذون المال. ولكن لا حاجة إلى شيء أقل من ذلك لكي تنجح هذه الخطة.

يقول الكاتب بأنه إذا كان هذا الانهيار الأخلاقي سيحدث في أي مكان، لكان سيحدث في الجيب الذي جوعته "إسرائيل" منذ 14 عامًا - غزة. لكن لا يوجد مؤشر على تراجع المقاومة الشعبية لـ "إسرائيل". ولن يحدث هذا في الضفة الغربية الأكثر حرية نسبيًا، حيث وصفت السلطة الفلسطينية القرار بأنه "حقير" و "خيانة" لكل من الشعب الفلسطيني والقدس والمسجد الأقصى.

وتنعكس موجة الغضب والاستياء التي تجتاح عروق الفلسطينيين في عموم السكان العرب. كل محاولة صادقة لمراقبة الرأي الشعبي حول هذه المسألة التي تأتي بإجابات يفضل ترامب ونتنياهو ومحمد بن زايد عدم سماعها.

فقد ارتفعت نسبة العرب المعارضين للاعتراف الدبلوماسي بـ "إسرائيل"، ولم تتراجع، في العقد الماضي. وقد قدر مؤشر الرأي العربي هذا الاتجاه. وفي عام 2011، عارض 84% الاعتراف الدبلوماسي. وبحلول عام 2018، كانت النسبة 87%.

فقط شاهد رد الفعل:

يقول الكاتب بأنه سيكون هناك رد فعل على ذلك سواء بين الفلسطينيين أو في الشارع العربي بشكل عام. ومن الممكن بالفعل تمييز اتجاهين.

ومن بين الفلسطينيين، سيجبر هذا الاتفاق كلاً من فتح وحماس، الخصمين اللدودين منذ الحرب الأهلية في غزة عام 2007، على حمل بعضهما البعض. وهذا يحدث بالفعل على مستوى الشباب، ولكن درجة الغضب والخيانة التي يشعر بها المستويات العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية، تحدث أيضاً على مستوى القيادة أيضاً.

يضيف الكاتب بإنه إذا كان نتنياهو وابن زايد على اتصال هاتفي مع بعضهما البعض، فكذلك الأمر يحصل بين محمود عباس، الرئيس الفلسطيني، واسماعيل هنية، الزعيم السياسي لحركة حماس. وقد رحبت «حماس» برد فعل السلطة الفلسطينية القوي على الاتفاق الإماراتي. وقال مصدر في حماس لموقع "عربي 21" إنه يرى أن موقف السلطة الفلسطينية "فرصة للعمل السياسي والميداني المشترك في الضفة الغربية وقطاع غزة".

وإذا كان هذا الشعور الجديد بالهدف المشترك بين الفصيلين الفلسطينيين المتنافسين الرئيسيين مستداماً - وكان عباس في الماضي غير راغب في قبول أي شركاء في حكم فلسطين - فهذه هي بداية نهاية الاعتقالات التي يقوم بها الأمن الوقائي الفلسطيني لنشطاء حماس في الضفة الغربية.

يلفت الكاتب بأن جبريل الرجوب كان يرأس هذا الجهاز في وقت من الأوقات، والذي يشغل حالياً منصب أمين سر حركة فتح. لكن الرجوب يعقد اليوم مؤتمرات صحفية مع القائد الثاني في حماس، صالح عاروري - في إشارة أخرى إلى أن التقارب بين الحزبين يكتسب زخماً.

وقال الرجوب الذي كان يتحدث خلال مقابلة صحافية مشتركة مع العاروري "سنقود معركتنا معاً تحت راية فلسطين للتوصل الى دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود 1967 وحل قضية اللاجئين على أساس القرارات الدولية".

خطة دحلان:

يقول الكاتب بأن رد الفعل هذا كان متوقعاً من قبل الدول العربية المهيمنة و "إسرائيل. وردهم كان الترويج للزعيم الفلسطيني المنفي محمد دحلان، و/أو من ينوب عنه كرئيس فلسطيني قادم.

يشير الكاتب إلى أن هذه الخطة كشفت قبل أربع سنوات. وقد كُتب بالأبيض والأسود في وثيقة تلخص المناقشات بين الإمارات العربية المتحدة والأردن ومصر.

يضيف الكاتب هيرست بأن عودة دحلان ارتبطت على وجه الخصوص بـ "اتفاق السلام مع إسرائيل بدعم من الدول العربية".

يتابع الكاتب: ولم يصدر عن دحلان نفسه، الذي يعيش بالمنفى في أبو ظبي، شيئاً عن الاتفاق. ولكن تياره داخل حركة فتح الذي يطلق على نفسه اسم "حركة الاصلاح الديمقراطي"، أصدر بياناً قال فيه إنه "تابع باهتمام كبير البيان الأمريكي الإماراتي "الإسرائيلي" المشترك الذي أعلن بدء مسار تطبيع العلاقات الذي يتضمن تجميد قرار ضم "إسرائيل" إلى أجزاء من الضفة الغربية المحتلة.

وقد أطلق عليه أنصاره في عطلة نهاية الأسبوع اسم "الزعيم".

والنتيجة؟ احترقت صورته في رام الله أمس مع صور لابن زايد.

يقول هيرست بأنه في الماضي، لعب دحلان بذكاء على الانقسامات بين حماس وفتح. لفترة وجيزة كان هناك حديث عن تقارب بين دحلان وحماس، في علاقة منتعشة مع يحيى السنوار، زعيم حماس في غزة. وكان السنوار ودحلان زميلين سابقين في المدرسة. والتقى الاثنان في محادثات سرية في القاهرة.

يضيف الكاتب بأن كل أعماله السابقة؛ بما في ذلك دفع حفلات الزفاف في غزة وزراعة المؤيدين والميليشيات في مخيم بلاطة، أصبحت في مهب الريح الآن. وقد تضاعفت خسائر دحلان من خلال دعم هذا الاتفاق، على الرغم من أن هذه الحقيقة لم تظهر بعد.

يرى الكاتب بأن التأثير الثاني لهذا الإعلان في العالم العربي بشكل عام هو الاعتراف بأن مطالب الربيع العربي من أجل الديمقراطية في العالم العربي ومطالب الفلسطينيين بالسيادة شيء واحد.

يتابع الكاتب: لديهم أعداء مشتركون: طغاة عرب أضحى قمعهم للديمقراطية أكثر قسوة من العصور الوسطى من أي وقت مضى. لديهم قضية مشتركة - المقاومة الشعبية لحكم الاقلية الذين يمارسون كل السلطة - العسكرية والاقتصادية على حد سواء.

ولم يكن نتنياهو يبالغ عندما قال ليلة الخميس عندما تم الاعلان عن الاتفاق أن اعتراف الامارات سيثري "إسرائيل". مضيفاً "ان هذا امر هام جداً لاقتصادنا واقتصاد المنطقة ومستقبلنا".

يقول نتنياهو أن الامارات ستقوم باستثمارات من شأنها أن تعزز الاقتصاد "الإسرائيلي". وبدلاً من استثمار أمواله في الأردن أو مصر التي تحتاج بشدة إلى السيولة النقدية، فإن أغنى صناديق الثروة السيادية في الخليج ستبدأ في الاستثمار في "إسرائيل"، والتي هي بالفعل تعتبر اقتصاد كبير للتكنولوجيا الفائقة.

ولا يقتصر الأمر على احتقار بن زايد للديمقراطية العربية (ومن هنا كان قمعه للحركات الديمقراطية الشعبية). فهو في المقام الأول ازدراء لشعبه، الذي يُرسله إلى مزاريب اقتصاد ما بعد النفط الجديد.

يؤكد الكاتب بأن هذه الرؤية القاتمة ستفشل بشكل أسرع بكثير من المعاهدتين الأردنية والمصرية مع "إسرائيل"، والتي بنيت على الرمال. ويمكن أن تؤدي فقط إلى مزيد من الصراع.

وفي حين كان بوسع القادة "الإسرائيليين" في السابق أن يتظاهروا بأنهم متفرجون على اضطراب الديكتاتورية في العالم العربي، فإن هذا يربط الآن الدولة اليهودية بالحفاظ على الاستبداد والقمع من حولها. ولا يمكنهم التظاهر بأنهم ضحايا "جوار صعب". بل هي ركيزتها الأساسية الآن.

يختتم الكاتب مقالته بالقول: إن هذا الاتفاق هو الواقع الافتراضي. وسوف تفجرها ثورة شعبية جديدة ليس فقط في فلسطين ولكن في جميع أنحاء العالم العربي. هذه الثورة ربما بدأت بالفعل".