الأربعاء  20 كانون الثاني 2021
LOGO

كيف سترد إيران على اغتيال شخصية ثانية رفيعة المستوى؟

2020-12-01 10:32:32 AM
كيف سترد إيران على اغتيال شخصية ثانية رفيعة المستوى؟
فخري زاده

الحدث- جهاد الدين البدوي

نشرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية مقالاً لأرين طبطبائي المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط والمساعدة البحثية في جامعة كولومبيا الأمريكية، وتناولت فيه أن اغتيال محسن فخري زاده، وهو عالم نووي كبير، من شأنه أن يعقد جهود إدارة بايدن القادمة لتجديد الاتفاق النووي، وقد يؤدي إلى التصعيد.

ترجمته الحدث وجاء فيه: 

إيران أعلنت يوم الجمعة الماضي مقتل لاعب مهم في أجهزتها الأمنية. وكان الهدف من الهجوم هو محسن فخري زاده، وهو مهندس رئيس في برنامج الأسلحة النووية في البلاد المعروف باسم مشروع عماد الذي انتهى في عام 2003 (على الرغم من أن عناصر منه استمرت لبضع سنوات).

إن اغتيال فخري زاده هي المرة الثانية التي ينجح فيها خصم أجنبي من استهداف وقتل شخصية إيرانية كبرى؛ ففي يناير الماضي، اغتالت الولايات المتحدة قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي، وهي الوحدة المسؤولة عن تصميم وتنفيذ الكثير من استراتيجية الدولة بالوكالة.

وعلى عكس سليماني، لم يكن فخري زاده اسماً مألوفاً في إيران وخارجها. وحتى وقت قريب، لم يتم نشر سوى عدد قليل من الصور لفخري زاده. ومع ذلك، كان الرجلان متشابهين من حيث أنهما كانا من كبار الضباط في الحرس الثوري الإيراني، وكان لهما دور فعال في المشاريع الرئيسة التي قام بها النظام. فقد قام سليماني بتوسيع شبكة إيران من الحلفاء والشركاء من الفواعل غير الدول التي قامت على أساس استراتيجيتها الإقليمية، بينما ساعد فخري زاده بتطوير القدرات النووية للبلاد. وإن وفاتهما تعتبر ضربات رمزية ومهمة لإيران، وتبرز ضعف البلاد.

وبعد اغتيال فخري زاده، سارع المسؤولون الإيرانيون إلى اتهام أحد خصومها الرئيسيين بالوقوف خلف الهجوم: وهي "إسرائيل". ويُعتقد أيضاً أن "تل أبيب" كانت وراء الانفجار الذي وقع في منشأة نطنز النووية في الصيف الماضي والتي تضم حالياً جزءاً كبيراً من برنامج تخصيب اليورانيوم في البلاد.

لـ "إسرائيل" تاريخ طويل في استهداف البرامج النووية للمنافسين، بما في ذلك البرنامج الإيراني. ويقال إنها اغتالت علماء نوويين وأجرت هجمات إلكترونية على أمل أن تكبح التقدم النووي لطهران على مدى العقد الماضي.

في عام 2011، أدى انفجار إلى مقتل مهندس حسن طهراني مقدم، الذي يعتبر العمود الرئيس الثالث في الدفاع الوطني الإيراني، وهو عضو آخر في الحرس الثوري الإيراني، الذي ساعد في تطوير برنامج الصواريخ في البلاد. وبدا أن "إسرائيل" متورطة في ذلك.

والعمليات "الإسرائيلية" شملت أيضاً جمع معلومات استخباراتية. ففي عام 2018، صادرت المخابرات "الإسرائيلية" أرشيفاً للوثائق المتعلقة بأنشطة إيران السابقة في مجال الأسلحة النووية، والتي ألقت كزيداً من الضوء على الأنشطة التي يقودها فخري زاده. وفي الواقع، وأثناء تقديم الأرشيف للجمهور قبل عامين، أشار رئيس الوزراء "الإسرائيلي"، بنيامين نتنياهو، إلى أهمية فخري زاده وقال "تذكر هذا الاسم".

نجاح "إسرائيل" في القيام بمثل هذه العمليات المعقدة على الأراضي الإيرانية - إلى حد اغتيال هدف بارز حدده نتنياهو علناً في الريف خارج طهران - يكشف مرة أخرى عن فشل الأمن الداخلي للنظام الإيراني، ويكشف أيضاً نقطة ضعف البلاد أمام التحركات السرية الأجنبية. وهذا يضع أمام إيران معضلة.

لدى طهران حافز لتجنب الظهور بمظهر الضعيف. حيث تعرضت البلاد لضربات ناجحة ومرات متكررة على مدى عام 2020، على خلفية جائحة كافحت حكومتها من أجل احتوائها. وبالإضافة إلى اغتيال شخصيتين إيرانيتين بارزتين هذا العام وانفجار منشأة نطنز، يبدو أن الولايات المتحدة و "إسرائيل" قتلتا الرجل الثاني في تنظيم «القاعدة» أبو محمد المصري في طهران في آب/أغسطس الماضي.

إن إدارة ترامب تواصل توسيع قائمة الأفراد والكيانات الإيرانية الخاضعة للعقوبات من أجل ممارسة المزيد من الضغط على إيران، وتعقيد عودة إدارة بايدن هاريس إلى الاتفاق النووي لعام 2015 – الذي انسحب منه ترامب في عام 2018.

تم حساب رد إيران على هذه الأحداث. فقد حاولت طهران الموازنة بتأنِ بين هدفين قد يكونان متناقضين: تجنب ترك هذه الأعمال دون رد؛ مقابل الامتناع عن تصعيد التوترات بطريقة كبيرة، مما قد يؤدي إلى قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري مباشر. وبذلك، واجهت إيران بعض الإخفاقات المحرجة: ففي كانون الثاني/يناير، بعد وقت قصير من اغتيال سليماني، قصفت إيران قاعدتين في العراق تؤوي القوات الأمريكية.

هذه الخطوة كانت من المفترض أن تكون من بين عدة خطوات، تهدف إلى استعادة الردع والانتقام من اغتيال أحد أهم القادة العسكريين الإيرانيين. ولكن الحرس الثوري الايراني أسقط عن طريق الخطأ طائرة ركاب أوكرانية مما أسفر عن مقتل جميع من كانوا على متنها، ثم السعي للتغطية على الخطأ. وكان هذا الحادث المأساوي محرجاً للغاية للقوات المسلحة الإيرانية، التي أثبتت أنها عاجزة ليس فقط عن حماية قائد عسكري كبير، بل انها قتلت أيضاً مدنيين أبرياء عن طريق الخطأ، وربما هذا ما دفعها إلى إبداء ضبط النفس في الأشهر التي تلت ذلك.

ولكن الآن، ومع تصاعد الضغوط الأمريكية و "الإسرائيلية"، قد تجد القيادة الإيرانية صعوبة أكبر في الحفاظ على ضبط النفس النسبي. وقد ينظر قادة إيران إلى الفشل في التحرك اليوم على أنه علامة ضعف أمام الخصوم، ويجذب المزيد من العمليات السرية وحتى الهجمات على أراضيها. كما أن الرئيس دونالد ترامب كان يفكر بشن هجوم على منشأة نطنز، لكن مستشاريه ثنوه عن القيام بذلك.

التقاعس عن الرد سيكون له تكاليف محلية. بما أن النظام المصاب بجنون العظمة يستخدم القوة بشكل روتيني في قمع الأفراد الذين يتهمهم غالباً بالتجسس لصالح الخصوم، بينما يعجز عن حماية أهم شخصياته على أراضيه.

يجادل بعض المسؤولين الإيرانيين بأنه ينبغي على الأمة التحرك للرد على هذا الهجوم وردع هجمات محتملة في المستقبل. بينما يرى آخرون أن العودة إلى الاتفاق النووي في ظل هذه الظروف لا يؤدي إلا إلى تقوية أيدي أعدائها.

يتعارض هذا القول مع الهدف الآخر الذي يخفيه النظام الإيراني والمتمثل: بمنع المزيد من التصعيد حتى 20 يناير 2021، عندما يؤدي الرئيس المنتخب جو بايدن اليمين الدستوري، ومن المرجح أن تعود واشنطن في ذلك الوقت إلى الاتفاق النووي بشكل أو بآخر.

كما تناقشت أنا وهنري روما من مجلة فورين بوليسي "على الرغم من الخطوات الاستثنائية لتحقيق الاستقرار في سوق الأوراق المالية وتغطية العجز في الميزانية، فإن الوضع الاقتصادي في إيران غير مستدام. ومن شبه المؤكد أن النظام لا يستطيع المخاطرة بعودة الاحتجاجات واسعة النطاق بينما تتعثر البلاد أكثر".

إذا قامت إيران بالرد على اغتيال فخري زاده أو إعادة تأسيس الردع، فمن المؤكد أن تقوم بذلك بطريقة مدروسة ومحسوبة. ومن المرجح أن تفعل ذلك عبر خيارات تتيح إنكار تفويضها لهكذا خطوة. كما تفعل في كثير من الأحيان – إما عبر العمليات السيبرانية أو عبر حلفائها من الفواعل غير الدول.

ومع ذلك، فإنه لا يزال هناك خطر لإثارة سلسلة من ردود الفعل. ويمكن لـ "إسرائيل" أن تختار الرد بالمثل، وأي خطوة من هذا القبيل قد تزيد من تعقيد عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، مما قد يحرم إيران من الإغاثة الاقتصادية التي تشتد الحاجة إليها. وفي مثل هذا السيناريو، فإن ما يسمى بالصبر الاستراتيجي الإيراني الذي انتهجته طهران على مدى العامين الماضيين قد تذهب هباءً.

وعلاوة على ذلك، أثبت ترامب أنه صانع قرار متقلب وغير منتظم. فبعد أن قتلت الجماعات المسلحة في العراق والمدعومة من إيران أمريكياً في ديسمبر، أمر ترامب باغتيال الجنرال سليماني ونائبه العراقي أبو مهدي المهندس. وبعد أشهر فقط، في آذار/مارس، قتلت هذه الجماعات اثنين من أفراد القوات الأمريكية وجندياً بريطانياً. وكان رد الفعل الأمريكي صامتاً. قد تنتظر إيران خروج ترامب من البيت الأبيض أو إذلاله وهو على طريق الخروج.

تضيف الباحثة أنه وبصرف النظر عن كيفية اختيار إيران طريقة ردها خلال الفترة التي تسبق يوم التنصيب، لا يخلو أي من خياراتها من المخاطر. وإذا استمرت مثل هذه الأحداث في الوقوع في الأيام الخمسين المتبقية من رئاسة ترامب، فإنها قد تجر إيران إلى مسار تفضل عدم السير فيه. وعلى المدى المتوسط، قد تصبح طهران أقل ميلاً للتفاوض حول قيود ذات مغزى لمجالات أخرى تثير القلق - بما في ذلك برنامجها الصاروخي ودعم الوكلاء - والتي وعد بها بايدن في الحملة الانتخابية التي ستسعى إدارته إلى تقليصها. وعلى المدى الطويل، قد يخلص القادة الإيرانيون إلى أن بلادهم بحاجة إلى سلاح نووي لردع الخصوم عن القيام بمثل هذه الأعمال في المستقبل بغض النظر عن التكاليف المرتبطة بذلك.

يرى بعض المراقبين "الإسرائيليين" أن اغتيال فخري زاده سيجعل من الصعب على إيران النجاح في بناء رادع نووي. ولا شك أن قيادة فخري زاده ومعرفته كانت حاسمة. لكن هذا المنطق من التفكير يبالغ في تقدير أهمية وجود فرد واحد - بغض النظر عن مدى دوره وتأثيره في وقت ما - في تطوير البرنامج النووي الإيراني. كما يتجاهل هذا الطرح أن هناك عدد لا يحصى من المؤسسات والمنظمات المشاركة في صنع القرار النووي الإيراني وتطوير برنامجها النووي المدني العلني وأنشطتها السرية المتعلقة بالأسلحة. وأخيراً، فإن مثل هذا الطرح يسيء فهم أحد أهم إرث لفخري زاده بالنسبة للنظام: المساعدة في بناء البنية التحتية النووية والحفاظ على المعرفة التي يمكن استخدامها في وقت لاحق إذا قرر النظام استئناف السعي وراء إنتاج القنبلة النووية.

اغتيال فخري زاده على التراب الإيراني يعتبر ضربة كبيرة للحكومة. وبغض النظر عن الطريقة التي ستختارها طهران للرد على عملية الاغتيال، يمكن أن تكون تداعيات هذا الرد أكثر أهمية مثل تشديد النظرة حول شروط وزمان التفاوض حول اتفاق نووي جديد وفقاً لما يرغب به بايدن. والأكثر إثارة للقلق، هو قرار طهران بتصعيد الأنشطة ذاتها التي سعت إدارة ترامب إلى تفاديها مع سياسة الضغط الأقصى، بما في ذلك قرار متجدد بالسعي إلى الحصول على سلاح نووي.