الجمعة  19 آب 2022
LOGO

بين صراع القلب والعقل.. تسنيم سليم دكتورة باحثة في طريقها للعالمية

2021-02-11 10:06:10 AM
بين صراع القلب والعقل.. تسنيم سليم دكتورة باحثة في طريقها للعالمية
تسنيم سليم

الحدث - ضحى حميدان

"كانت فترةً صعبة جداً، وبين خيار قلبي بألًا أترك طفليّ اللذان أحتاجُ قربهما أكثر من حاجتهما إليّ، وبين خيار عقلي الذي يملي عليّ بالتضحية لأن الفرصَ لا  تأتي مرتين، وبعد تشجيع من بقُربي، واحتواء أهلي لأطفالي، خرجت لإكمال دراستي العليا"، كانت هذه كلمات تسنيم سليم إحدى الفلسطينيات القلائل، اللواتي أكملن دراسات وأبحاث ما بعد الدكتوراة في مجال الفيزياء، ليصبحنَ عالماتٍ يحصدن مكانة عالمية إلى جانب عمالقة العلوم.

د.تسنيم سليم لاجئة من قرية بيت محسير المدمرة في القدس، وفي داخل أكبر مختبرٍ في العالم مخصصٍ لإجراء تجارب العلوم الأساسية والفيزيائية، مثل Nuclear and particle physics، تخصصت في فيزياء الجسيمات وطورت تقنية جديدة للكاشفات التي ستستخدم بحلول عام 2023، كما طورت طريقتين أصيلتين جديدتين لقياس أثر الضرر الإشعاعي على أداء أجهزة الكاشف، وطورت حلاً لمشكلة لا يمكن تفاديها في بيئة مليئة بالإشعاع كمصادم الهدرونات الكبير في  CERN وبسبب هذا الإنجاز مُنحت تسنيم جائزة أفضل طالب في مؤتمر ترينتو في إيطاليا عام 2017.

رحلة صعبة

كان والدا تسنيم حريصين أشد الحرص على حصول أبنائهم على تعليمٍ جيد، وكان الهدف أن يحقق أولادهما ما لم يستطيعا كلاجئين تحقيقه فقد عاشا ظروفاً صعبة، وكانت تسنيم على قدر المسؤولية وأهلاً لها، فقد حصلت على معدل 98.3 % في الثانوية العامة، وكانت من من الطلبة المتفوقين في مدينة رام الله، لذلك استحقت منحةً لإكمال البكالوريوس.

وبناءً على ذلك، بدأت تسنيم بأولى خطواتها تجاه شغفها، فالتحقت بقسم الفيزياء عام 2008 في جامعة بيرزيت، وبعد أن أنهت مرحلة البكالوريوس بامتياز عام 2012 حصلت على منحة أخرى من ذات الجامعة لإكمال دراستها العليا، وبدأت في برنامج الماجستير وعملت مساعدةَ تدريٍس أيضاً في ذات الجامعة.   

وخلال استعدادها للبدء بالعمل على أطروحة الماجستير، حصلت نقطة التحول المحورية التي جعلت تسنيم على ما هي عليه اليوم بإرادتها وتصميمها، فقد قدمت مجموعة علماء إلى فلسطينيين من المركز الأوروبي للأبحاث النووية CERN، وقدمو دورةً في فيزياء الجسيمات التي لطالما أثارت فضولها واهتمامها، ولكن لم تتح لها الفرصة بالعمل على دراستها لعدم وجود هذا التخصص في جامعتها، ولحسن الحظ، حصلت تسنيم على أعلى علامة في هذه الدورة وبنصيحة من العلماء الفرنسيين لها ودعمهم، تمكنت من الحصول على منحة لإكمال درجة الماجستير، ومع أن التنافسية بلغت الذروة، إلا أنها انتزعتها بجدارة، وخلال عامٍ واحد أنهت درجة الماجستير وكانت من أفضل 37 طالبا في تخصصها.  

إنجازات

نتيجة لذلك، حصلت تسنيم على منحة دراسية من جامعة Paris-Sud XI في باريس لمتابعة دراسات الدكتوراه، وآثرت البقاء في فرنسا لإجراء بحث علمي في واحدة من أكبر التجارب في مصادم الهادرون الكبير (LHC) في CERN، وهو أكبر مختبر في العالم لمتابعة العلوم الأساسية، وقبل عامين من الآن انتزعت د.تسنيم لقب الدكتوراه في واحدةٍ من أهم الجامعات العالمية، وأما الآن فهي أحد الباحثين في مجموعة في Synchrotron Soleil في باريس، وتواصل أبحاث ما بعد الدكتوراه.

ويرتكز مشروع تسنيم البحثي على تطوير تقنية جديدة لكاشفات الفوتون لتطبيقات السنكروترون، حيث إن العديد من التطبيقات العملية تعتمد على هذا البحث، كالمواد المتقدمة (مثل المواد الكمومية لأجهزة الكمبيوتر الكمية)، والطاقة المستدامة (مثل الطاقة الكهروضوئية)، والبيئة (مثل الاحتباس الحراري والتلوث ) والصحة والمرض (من الفيروسات، مثل فيروس COVID-19 على سبيل المثال، إلى البكتيريا متعددة المقاومة)، ومن الجدير بالذكر أن معظم المشاريع التي تعمل عليها ممولة من الاتحاد الأوروبي ما يدل على أهمية ما ستتوصل إليه عالمياً.

لا تقتصر إنجازات تسنيم سليم على الأبحاث والدرجات الأساسية فقط، فهي تشارك سنوياً في عددٍ من المؤتمرات العالمية وتنشر أبحاثها التي زاد عددها عن الـ 300 بحث في مجلاتٍ علمية محكمة، كما تعمل على توجيه طلاب الدكتوراه ومساعدتهم في مجالات أبحاثهم أو حتى في توجهاتهم العملية المستقبلية.

ومع هذا الجهد الذي تقوم به تسنيم، وإنجازتها الكثيرة والناجحة، فهي أمُّ لطفلين، تحبهما وتفخر جداً بتربيتهما، وقد عانت البعد عنهما مدة 6 أشهر في بداية سفرها، حتى استطاعا اللحاق بها، ومع أنها أمٌ عزباء إلا أن السعادة والرضا والإعجاب الذي تراه في عيون أطفالها الصغار، يجعلها فخورة بنفسها، لأن الأمر لم يكن سهلاً، لكنها وصلت لمرحلة متقدمة جداً بوجودهما ودعمهما وهذا الإنجاز الأعظم.

ولم تتوقف التحديات التي واجهت تسنيم حدَّ الأمومة ومسؤولياتها والتوفيق بين واجباتها في عملها وواجبها الأسري، لكنه تجاوز ذلك لكونها من جنسية  فلسطينية لاجئة، امرأة ترتدي الحجاب بين مجتمعٍ أجنبي، لذلك الجهد المضاعف هنا في الطريقة التي بذلتها لتستطيع إثبات نفسها وللحصور على تقديرٍ في عملها، في بيئة تنافسية واكتساب ثقة الآخرين وتقبلها بينهم، لأنها من النسوة القليلات الباحثات في هذا المجال، وبما أنها تعمل بين مجموعة كبيرة من الرجال، فالمساهمة يجب أن تكون أكبر من أجل الاعتراف بعملها وتقديره، وقد نجحت تسنيم فعلاً في هذا التحدي، تقول تسنيم:" أنا سعيدة جدًا لأن جميع المشرفين والمدراء السابقين والحاليين، يعلمون جيدًا ما يمكنني تحقيقه، وهم جميعًا على يقين أنني سأحظى بمسار وظيفي رائع كعالمة، الكثير منهم أخبروني بذلك".

العودة لفلسطين

كفلسطينية، تتمنى تسنيم العودة إليها في يومٍ من الأيام، لتنقل كاف الخبرات التي اكتسبتها للطلبة الفلسطينيين، ولكن المؤسف في الأمر أن أعمالها البحثية لا يُمكن إنجازها في فلسطين، بسبب نقص البنية التحتية للأبحاث العلمية عامةً، ولكنها في المقابل تحرص ألا تفوت أي فرصة ممكنة للتعاون في أمرٍ قد يخص بلدها، فمثلاً هي تعمل مع مجموعة من العلماء داخل منظمة تدعى "فيزياء بلا حدود"، ويقومون في كل عام بزيارة جامعات فلسطينية مختلفة لعدة أيام، حيث يقدمون المحاضرات في الفيزياء للطلاب لمساعدتهم في العثور على شغفهم وتحقيق أحلامهم إن أمكن ذلك.

وتقول د. تسنيم إنه ومع اقتراب يوم الباحثات العالمي، فالرسالة للطموحات الفلسطينيات أن الطريق إلى القمة لن يكون سهلاً، لكنه مهما بلغ من الصعوبة، فإن النساء قادرات حقًا على فعل المستحيل، إذا عزمن على ذلك وخاصة المرأة الفلسطينية، التي تحملت الكثير".

وتنهي د.تسنيم سليم حديثها عن مسيرتها بقولها: "أذكركم جميعًا أن كل ما يحدث في حياتك كل التحديات التي تواجهك الآن هو حقًا فرصة لتكون أقوى! كانت هذه قصتي كيف أصبحت باحثة وحققت حلمي، ولا يزال لدي الكثير لأفعله لتحقيق طموحي، أخيرًا، آمل أن يلهم هذا المزيد من النساء لمواصلة دراساتهن العليا وتحقيق أحلامهن مهما كانت صغيرة وألّا يستسلمن أبدًا!".