الإثنين  02 آب 2021
LOGO

المقاومة الإسلامية بين فلسطين والتنظيم العالمي/ بقلم: ناجح شاهين

2021-06-21 12:09:07 PM
المقاومة الإسلامية بين فلسطين والتنظيم العالمي/ بقلم: ناجح شاهين
ناجح شاهين

الإخوان جماعة عقائدية مجاهدة تسعى إلى استعادة مجد الإسلام العظيم لكي يقوم بدوره في إصلاح نفوس الأفراد وفي تنظيم المجتمعات عن طريق الدعوة إلى فكر هذه الجماعة التي تمثل الإسلام الصحيح. وفي سبيل تلك الغاية لم تلجأ الحركة إلى استخدام الأساليب العنيفة إلا في حالات قليلة يظل فهمها موضع جدال وأخذ ورد بين المؤرخين وعلماء السياسة. ولا بد أن نجاح جماعة الإخوان البادي للعيان في الانتشار على نطاق كوني يتجاوز بلد المنشأ مصر ليمتد إلى الوطن العربي كله، والعديد من الدول والتجمعات الإسلامية مرتبط إلى حد كبير بهذا العقل السياسي المعتدل المسترشد بوضوح بفكرة الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وتجنب الخشونة والعنف إلى درجة كبيرة. 

لا يمنع ذلك مثلما ألمحنا أعلاه أن حركة الإخوان قد اصطدمت عنفياً في حالات قليلة، من قبيل اصطدامها مع الدولة السورية في الثمانينيات في سياق تمرد حمص وحماة المدعوم أردنياً، وكذلك اصطدام بعض التيارات المنشقة عن الإخوان في مصر مع الدولة في بعض الفترات على الرغم من أن الإخوان احتفظوا بعلاقات طيبة مع الحكم في دول عربية كثيرة مثل السودان ومصر السادات والأردن وقطر والسعودية في معظم الأوقات. بهذا المعنى يمكن القول إن الإخوان لم يكونوا دائماً في خندق العداء التام والسافر للأنظمة الحاكمة، وإنما شهدت علاقاتهم مع الأنظمة مواسم مد وجزر في معظم الساحات. 

على الرغم من ذلك هناك حالتان من العداء "الاستراتيجي" ميزت علاقات الإخوان مع نظامي عبد الناصر في مصر وحافظ الأسد في سورية. وقد تحول ذلك العداء إلى هوس أقرب إلى الحقد النفسي والديني الذي لا شفاء منه. لذلك على الرغم من الفترة "الذهبية" التي شهدت احتضان دمشق لحركة المقاومة الإسلامية في سياق الرعاية المشتركة مع إيران والمقاومة اللبنانية بغرض مقاومة الاحتلال الصهيوني، إلا أن حماس ما لبثت أن عادت إلى موقفها "الأصيل" المعادي لسورية وصولا إلى القتال الفعلي في صفوف "الثوار" الساعين إلى إسقاط نظام الأسد، مما أدى أيضا إلى المواجهة الميدانية مع مقاتلي المقاومة اللبنانية. كأنما بدا للإخوان أن موسم "الثأر" قد حل أخيراً، وأن الانتقام قد أصبح متاحاً بالفعل. "للأسف" لم يكتمل حلم الانتقام، وحلت بالإخوان كارثة كبرى تتمثل في سقوط الرئيس الإخواني المنتخب ديمقراطيا محمد مرسي على يد العسكر ليدخل مسقط رأس الإخوان في مسار المطاردة الشرسة من جديد، وهو ما توج منذ أيام بتثبيت أحكام الإعدام بحق عشرات من قيادات الإخوان في مصر. 

من البدهي بطبيعة تكوين التنظيمات العقائدية أن "الوطني" فيها يظل في خدمة "الكوني". وهو ما كان يميز الأحزاب الشيوعية أيام الاتحاد السوفييتي عندما كانت تضطر إلى تبني موقف الرفيق الأكبر من القضايا المختلفة حتى لو اختلف فهمها أو مصلحتها عن مصلحة موسكو. وهكذا اعترف القسم الأكبر من الشيوعيين العرب والفلسطينيين بدولة الكيان بسبب اعتراف الاتحاد السوفييتي المبكر بها. 

ترى هل تذهب حماس إلى حد صنع "السلام" مع إسرائيل إذا رأى التنظيم العالمي ضرورة لذلك؟ هذا السؤال يقودنا إلى الحديث ولو باختصار عن هوية حركة حماس المولودة من رحم الفرع الفلسطيني لحركة الإخوان المسلمين.

طوال السنوات الثلاثين الماضية ظلت المقاومة الإسلامية في غزة تتأرجح بين هويتها الفلسطينية وهويتها الإخوانية لتميل الكفة في لحظات الحسم باتجاه الانتماء الحزبي/الديني على حساب التوجه الكفاحي الوطني الذي يظل أنصاره محاصرين في غزة بينما يتبوأ قادة الخارج موقع الصدارة الذي يتيسر لهم عن طريق وضعية الامتيازات وسهولة الحركة وفرص التغطية الإعلامية من موقعهم "الاسترايتجي" في الدوحة. 

تعيش الحركة الآن في سياق سياسي انحسرت فيه موجة "الثورات" العربية لتفتح الطريق على مصراعيه أمام تشكل حلف عربي/إسرائيلي واضح المعالم يمثل مشروعاً ثالثاً من مشاريع التنافس الإقليمي إلى جانب المشروعين التركي والإيراني. مثلت البحرين والإمارات ومن خلفهما السعودية ومصر والأردن أهم مكونات هذا الحلف، بينما مثلت قطر وتونس بدرجة أو بأخرى، وليبيا الواقعة تحت الاحتلال، وحكومة العدالة والتنمية لسعد الدين العثماني أهم عناصر المشروع التركي في حين تمثل سورية والمقاومة اللبنانية واليمن/أنصار الله والعراق بدرجة ما أهم مكونات الحلف الإيراني. 

من البدهي بطبيعة الحال أن تكون حركة حماس جزءاً من المشروع التركي/القطري بمنأى عن تهم العمالة والخيانة وأي لغو من ذلك القبيل. حماس مكون أصيل من مكونات الإخوان المسلمين، وهي رأس الحربة الشجاعة التي تستخدم على أوسع نطاق للدعاية لحركة الإخوان بصفتها ذراع الإسلام الأول في الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله والدفاع عن أرض الإسلام والمسلمين. 

ليس هناك بالطبع أية مفاجأة في عداء حماس لسورية، وحتى بعد المواجهة الأخيرة في غزة المستندة حكماً إلى الدعم الإيراني والسوري ودعم المقاومة اللبنانية، فإن الجانب العقائدي يظل جوهرياً سبباً لتغذية الرفض لمعسكر "الرافضة" المارق من الدين مهما فعل في المستوى السياسي. لقد كان حزب الله في أعلى نقطة من سماء المقاومة كونياً سنة 2006، لكن ذلك لم يشفع له ابداً في عيون الفئات المتشددة من الإخوان المسلمين الذين ظلوا يرددون سرا وعلنا أن اليهود أقل خطرا على الإسلام من الرافضة المجوس المشككين "بـ ستنا عايشة وسيدنا أبوبكر". 

يشكل ما سبق أحد جناحي التفسير الذي نقترحه لزيارة هنية للمغرب. لا شك أن وجود سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة في المغرب يستدعي من هنية أن يدعم المغرب الرسمية حتى وهي تطبع مع إسرائيل بغرض تعزيز موقف "العدالة" الانتخابي وتعزيز علاقات حماس الخارجية على السواء. لكن الأمر قد يكون أبعد من ذلك إذا افترضنا أن قيادة حماس تتجه نحو المزيد من الاقتناع بأن دحر المشروع الصهيوني غير ممكن في المدى المنظور وأن إخراج غزة من الحصار هو الأولوية مع فرصة ما لتأسيس إمارة إسلامية طالما تم الحديث بخصوصها في السنوات القليلة الماضية.

وإذا كان "الأشقاء الكبار" في أنقرة والدوحة والرباط وتونس ...الخ يفكرون في "إنجاز" تسوية ما مؤقتة أو دائمة تخفف عن غزة آلام الحصار وتبني فيها إمارة إسلامية يمكن أن يضم لها جزء من سيناء، فإن هناك خطراً فعلياً أن تنتهي حركة المقاومة الإسلامية في غزة إلى ما انتهت إليه منظمة التحرير في الضفة. ويظل الأمر كله رهناً بمدى استقلالية قيادة المقاومة في غزة عن مراكز صنع القرار "للتنظيم العالمي" في الخارج. ولا بد أن الأيام المقبلة حبلى بالكثير من الوقائع التي قد تفاجئنا مثلما فاجأتنا زيارة القائد اسماعيل هنية للمملكة المغربية صاحبة التاريخ العريق من الود مع الكيان الصهيوني الذي يتعمق ويتوسع يوماً بعد يوم.