الجمعة  17 أيلول 2021
LOGO

تونس وأوهام الديمقراطية الليبرالية / بقلم: ناجح شاهين

2021-07-27 10:27:43 AM
تونس وأوهام الديمقراطية الليبرالية / بقلم: ناجح شاهين
ناجح شاهين

قدمت تونس خلال الساعات الأخيرة دليلاً طازجاً على غياب البوصلة الثورية التي تؤشر ناحية المستقبل وتسمح بتوجيه الطاقات والجهود باتجاه الاستقلال السياسي والاقتصادي وعملية البناء الصعبة  في سياق تنافس كوني لا مثيل له في التاريخ. 

يبدو أن الرئيس قيس اسعيد قد "اضطر" أخيراً إلى استدعاء العسكر ليحفظوا البلاد من شرور الديمقراطية. خرجت تونس قبل أحد عشر عاماً عن بكرة أبيها إلى الشوارع لتدشن ما عرف لاحقاً بالربيع العربي. وقد بدا للناس أن التونسيين قد نجحوا نجاحاً باهراً في تحقيق حلم الديمقراطية الذي يشكل كلمة المرور الجوهرية نحو الازدهار والتقدم والرخاء وحقوق الناس ورفاههم وسعادتهم. فشلت بعد تونس محاولات "الثورة البرتقالية" في مصر وليبيا وسوريا والسودان واليمن. وظلت تونس مثالاً يتيماً يستعين به الحالمون بالتغير الديمقراطي من أجل أن يثبتوا أن التحول الديمقراطي يتربع على عرش المطالب التاريخية العربية في هذه اللحظة. لكن مخاضاً متعثراً من الصراعات "العبثية" بين قوى متناقضة لا تعرف شيئاً عن تحديات البناء في هذا العصر، مع نشاط مفتوح للأجهزة الاستخبارية العالمية، وتدهور إضافي في أوضاع الناس الاقتصادية والصحية قاد في النهاية إلى "الأزمة" التي اقترح الرئيس مواجهتها عن طريق تصفية التجربة الديمقراطية. 

بإمكان الإخوان المسلمين وقناة الجزيرة وعزمي بشارة ومنظمات الديمقراطية وحقوق الإنسان والدول الديمقراطية في شمال العالم… الخ أن يلقوا باللائمة على قيس اسعيد الذي قاد انقلاباً على طريقة السيسي مستفيداً من الصعوبات التي يواجهها الحكم الديمقراطي وخروج الناس إلى الشوارع. ولكن ما يغفله هذا الموقف هو أن التحدي الذي واجهته تونس ليس شأناً خاصاً بها ولا برئيسها: إن هذه المعضلة هي معضلة الفشل في حل المشكلة لأنها أصلاً غير قابلة للحل. 

مشكلة التحول الديمقراطي في الجنوب، وخصوصاً في الوطن العربي مشكلة زائفة لأن النظام الديمقراطي/الليبرالي المحلوم ليس صالحاً لكل زمان ومكان، وإنما هو نظام تطور تدريجياً بما يتلاءم مع احتياجات البلدان الرأسمالية الصناعية في شمال أمريكا وغرب أوروبا أولاً ثم اليابان وكوريا الجنوبية ثانياً. وعندما يصل أي بلد في العالم إلى الوضع الاقتصادي/الاجتماعي الذي يميز هذه البلدان يصبح انتقاله إلى النظام الديمقراطي الليبرالي أمراً حتمياً لا يمكن لقوة أو حزب أن تمنعه، وربما أن المجهود اللازم لتحقيقه لن يكون مؤلماً أو متعباً على الإطلاق. 

تتصف النظم الرأسمالية/الديمقراطية بنجاحها الباهر في بناء الاقتصاد الصناعي وترسيخ أسس التقدم العلمي ورفع مستوى الحياة للجميع بما يضمن أن معظم السكان يعيشون حياة لا بأس بها. وهذا النجاح يضمن مع وجود السيطرة الأيديولوجية إذعان الناس للطبقة الاقتصادية/السياسية التي تقود البلاد بدون الحاجة إلى جهاز الإكراه التابع للدولة. وذلك أمر مفيد للغاية لأنه يحرر الدولة من نفقات أجهزة القمع المتضخمة التي تميز الدول الفقيرة في جنوب العالم (لنتذكر في هذا السياق الوضع الكوميدي لأجهزة الأمن الفلسطينية المتضخمة!). يصل الناس إلى حالة استدخال عميق لفكرة أن التغيير يأتي عن طريق صندوق الاقتراع الذي يأتي بحزب ويذهب بآخر دون أن يؤثر ذلك قيد أنملة في السياسات الرأسمالية الأساس للدولة. وتنعدم الحاجة بالطبع إلى القمع أو إسكات الصوت الآخر الذي لا يستطيع مهما علا أن يؤثر على "الاستقرار" أو أن يقود إلى بلبلة اجتماعية أو سياسية خطيرة. 

في جنوب العالم تقود الديمقراطية فوراً إلى معضلة: تعيش البلاد الضعف والبؤس والفقر والفشل في مناحي الصحة والتعليم والاقتصاد والجيش. ويرى الناس بأم أعينهم الشرائح الاجتماعية التي تتنعم بينما يعز عليهم رغيف الخبز. وبما أنهم يعيشون في بلد يكفل حرية الرأي والتعبير والتجمع والتظاهر، فلا بد لهم من الخروج إلى الشوارع فوراً للاحتجاج على بؤسهم وغنى قيادتهم الذي لا تفسير له بالنسبة لهم سوى الفساد. وهكذا يتم وأد المحاولة الديمقراطية فوراً. 

ذلك على وجه الدقة ما جرى في مصر بعد نجاح جماهير ميدان التحرير في إسقاط مبارك، وهو ما جرى في السودان، وليبيا، بشكل أو بآخر وهو ما يجري حالياً في تونس. 

لكن ما هو المطلوب إذن في هذه اللحظة التاريخية؟ 

نبدأ أولاً بالإشارة السريعة إلى تجربة "الثورة" السورية. خرجت الجماهير السورية إلى الشوارع في بدايات أزمة الربيع وهي تحمل الأوهام ذاتها حول التحول الديمقراطي. وقد طبل وزمر مفكرون من مستوى برهان غليون وعزمي بشارة لحلم الحريات الليبرالية في سوريا وصولاً إلى أن تصبح سوريا واحة للديمقراطية تحت حكم الجماعات الإسلاموية التكفيرية الرهيبة. 

نستطيع بالطبع أن نجزم بعد ما قدمه التاريخ لنا من دروس بأن سوريا كانت ستصل إلى الفوضى المدمرة أو إلى حكم دموي أعمى يشبه حكم طالبان أيام أسامة بن لادن. ونؤكد في هذا السياق أن التقدم الوحيد المنتظر تاريخياً، إن كان لا بد من إسقاط نظام الأسد وحزب البعث، هو انتقال سورية إلى حكم اشتراكي شعبوي بشكل أو بآخر. أما "الديمقراطية" أو حكم "الخلافة" فهو نكسة إلى الوراء. لذلك لم نتردد منذ البداية في إيضاح أن ما يجري في سوريا، وربما في المنطقة كلها، هو ثورات مضادة لا ثورات حقة. 

ولكي نبسط رأينا هنا بشكل واضح، نقول إن البلدان العربية يتهددها خطر الاختفاء من الوجود ما لم تجترح معجزة الوحدة والاشتراكية أو على الأقل أن تتوصل إلى النظام السياسي الذي يعمل على بناء الاقتصاد الصناعي والقوات المسلحة والعلم والزراعة عن طريق الإغلاق والحماية من المنافسة الخارجية الساحقة. غني عن البيان أن النظام الأخير لا يمكن أن يكون نظاماً "ديمقراطياً" لأن الديمقراطية تقتضي الحريات الأساس وأولها، تاجها المرصع بالياقوت، هي حرية الاقتصاد وحركة البضائع. ألم ينص دستور السلطة الفلسطينية مثلاً على أن نظام "الدولة" هو اقتصاد السوق الحر؟ وهكذا يبدو "للأسف" جلياً أن خيار الديمقراطية الموهوم في هذه اللحظة هو مجرد تأجيل لحسم الصراع نحو أحد الخيارين الحقيقيين: الاشتراكية أو بناء الدولة الصناعية الحديثة كما فعلت اليابان وكوريا الجنوبية والصين. في هذا السياق لا نستطيع أن نتفاءل بوجود أية قوة في تونس أو أي قطر عربي آخر تمتلك الرؤية أو الأدوات لاجتراح هذه المعجزة، على الأقل حتى إشعار آخر.