الأربعاء  06 تموز 2022
LOGO

مقتطف من كتاب الهويات القاتلة لأمين معلوف

2021-08-24 12:49:41 PM
مقتطف من كتاب الهويات القاتلة لأمين معلوف
أمين معلوف

 

الحدث الثقافي

فيما يلي المقطع الأول من كتاب أمين معلوف "الهويات القاتلة: قراءات في الانتماء والعولمة"، الصادر عن دار ورد للطباعة والنشر والتوزيع في سوريا عام 1999 بترجمة لنبيل محسن.

***

علمتني حياة الكتابة أن أحذر الكلمات. فتلك التي تبدو أكثرها شفافية هي في أغلب الأحيان أكثرها خيانة. أحدُ هؤلاء الأصدقاء المزيفين هو بالتحديد كلمة "هوية". فجميعنا نعقد معرفة ما تعنيه هذه الكلمة ونستمر بالثقة بها حتى عندما تبدأ هي بقول العكس بمكر.

ليس في نيتي أن أعيد تعريف فكرة الهوية تكراراً. فهي المسألة الأساسية للفلسفة منذ قال سقراط إعرف نفسك بنفسك وصولاً إلى فرويد ومروراً بالعديد من المعلمين الآخرين. ومن أجل تناولها من جديد في أيامنا يتطلب الأمر كفاءة أكثر مما أمتلك وكذلك المزيد من الجسارة. إن المهمة التي آخذها على عاتقي أكثر تواضعاً من ذلك بكثير، وهي محاولة فهم لماذا يرتكب العديد من الأشخاص اليوم جرائمهم باسم هويتهم الدينية أو الاثنية أو القومية أو غيرها. وهل كان الأمر على هذا النحو منذ فجر العصور، أم أن هناك حقائق خاصة بعصرنا؟ قد تبدو طروحاتي أحياناً بدائية جداً. وذلك لأنني أريد أن أوجّه تفكيري بأكثر ما يمكن من الهدوء والصبر والأمانة الممكنة دون العودة إلى أي نوع من الأفكار المسبقة أو أي اختزال خادع.

يوجد على ما يسمى اصطلاحاً "بطاقة الهوية" الشهرة والاسم ومكان وتاريخ الولادة وصورة وتعداد لبعض الصفات الجسدية وتوقيع وأحياناً بصمة الشخص. وهي مجموعة كاملة من البيانات للدلالة دون لبس ممكن على ان حامل هذه الوثيقة هو فلان، وأنه لا يوجد بين مليارات الناس الآخرين شخص واحد يؤخذ خطأ على أنه هو حتى لو كان بديله أو أخاه التوأم.

هويتي هو ما يجعلني غير متماثل مع أي شخص آخر. بتحديدها على هذا الشكل تصبح كلمة هوية مفهوماً دقيقاً إلى حد ما ولا يؤدي إلى أي لبس. هل نحن حقا بحاجة إلى براهين طويلة لإثبان أنه لا يوجد ولا يمكن أن يوجد كائنان متماثلان؟ وحتى لو توصلنا غدا، كما يُخشى، إلى نسخ كائنات إنسانية، فلن تكون هذه النسخ متاشبهة إلا لحظة ولادتها في أحسن الأحوال، إذ تصبح مختلفة منذ أنفاسها الأولى.

تتشكل هوية كل شخص من جمهرة العناصر لا تقتصر بالطبع على تلك المدونة على السجلات الرسمية. هناك بالتأكيد، بالنسبة للغالبية العظمى من الناس، الانتماء إلى تقليد ديني وإلى جنسية، وأحياناً جنسيتين، وإلى مجموعة اثنية أو لغوية، وإلى عائلة أكثر أو أقل اتساعا، وإلى مجموعة اثنية أو لغوية، وإلى عائلة أكثر أو أقل اتساعاً، وإلى مهنة ومؤسسة ووسط اجتماعي ما. ولكن القائمة أطول من ذلك أيضاً، ويفترض أنها غير محدودة. إذ نستطيع أن نستشعر بانتماء أكثر أو أقل قوة إلى ريف أو قرية أو حي او عشيرة أو فريق رياضي أو مهني أو إلى جماعة من الأصدقا، إلى نقابة أو شركة أو حزب أو رابطة أو رعية أو جماعة من الأشخاص يمتلكون الأهواء ذاتها أو الميول الجنسية ذاتها أو العاهات الجسدية ذاتها أو الذين واجهوا الأذيات ذاتها.

يوجد في كل العصور أناس يعتبرون أن هناك انتماء واحداً مسيطراً، يفوق كل الانتماءات الأخرى وفي كل الظروف، إلى درجة أنه يحق لنا أن ندعوه "هوية"

بالتأكيد ليس لكل هذه الانتماءات الأهمية ذاتها، على أية حال ليس في الوقت ذاته ولكن أيا منهاه ليس خالياً من المعنى تماماً. إنها العناصر المكونة للشخصية، ونستطيع تقريباً أن نقول إنها "مورثات" شرط أن نوضح أن معظمها ليس فطرياً.

إذا كان من الممكن مصادفة كل من هذه العناصر عند عدد كبير من الأشخاص، فإننا لن نجد أبداً التركيبة ذاتها عند شخصين مختلفين. وهذا بالضبط ما يصنع غنى كل فرد وقيمته الخاصة، وهذا ما يجعل من كل فرد كائناً فريداً وغير قابل للاستبدال.

يحدث أحياناً أن يؤثر حدث سعيد أو حزين، أو لقاء عارض على إحساسنا بالهوية، أكثر من انتمائنا إلى موروث ألفي. فلنتخيل حالة صربي ومسلمة تعارفا منذ عشرين عاما في مقهى في سراييفو وتحابا ثم تزوجا. لن يكون لديهما أبدا تصور مماثل عن هويتهما كما هو عند زوجين صربيين أو مسلمين تماماً. لن تكون رؤيتهما للعقيدة وكذلك للوطن هي ذاتها. سيحمل كل منهما في نفسه دائماً الانتماءات التي منحه إياها والداه عند ولادته، ولكنه لن يدركها بالطريقة ذاتها ولن يمنحها المكانة ذاتها.

ولن نغادر سراييفو بل سنبقى فيها بفكرنا للقيام باستقصاء خيالي. لنراقب في الشارع رجلا في الخمسين من عمره.

حوالي عام 1980 كان هذا الرجل سيعلن بكل فخر ودون ارتباك: "أنا يوغسلافي". وإذا سئل عن قرب لأوضح أنه يسكن في جمهورية البوسنة والهرسك المتحدة، وأنه، للمصادفة، يتحدر من عائلة مسلمة.

وإذا صادفنا الرجل ذاته بعد اثني عشر عاما والحرب في أوجها لأجاب بشكل عفوي وبكل قوة: "أنا مسلم". وربما ترك لحيته تنمو وفقا للشريعة، وربما أضاف فورا أنه بوسني. وما كان سيحبذ مطلقا أن نذكره بأنه كان يؤكد بكل فخر انتماءه اليوغسلافي.

واليوم، إذا سئل رجلنا في الشارع، فسيعتبر نفسه بوسنيا أولا ثم مسلما وسيضيف بأنه يذهب إلى الجامع بانتظام. ولكنه سيؤكد أيضاً أن بلده تشكل جزءا من أوروبا ويأمل أن يراه يوما ما منتسباً إلى الاتحاد الأوروبي.

وإذا وجدنا الشخص ذاته في المكان ذاته بعد عشرين عاماً، فكيف سيعرف نسفه؟ أيّ من انتماءاته سيضع في المقدمة؟ أوروبي؟ مسلم؟ بوسني؟ شيء آخر؟ بلقاني ربما؟

لن أجازف بالقيام بالتكهنات. كل هذه العناصر تشكل فعلياً جزءا من هويته. لقد ولد هذا الرجل في عائلة ذات تقليد إسلامي وينتمي بلغته إلى سلافيي الجنوب الذين كانوا متحدين في إطار دولة واحدة ولم يعودوا كذلك اليوم، وهو يحيا على أرض كانت تارة عثمانية، وتارة نمساوية، ونالت حصتها من مآسي التاريخ الأوروبي الكبرى. في كل عصر تضخم واحد من انتماءاته، وإذا جاز لي القول، لدرجة أنه يخفي كل الانتماءات الأخرى ويمتزج مع هويته كاملة. ربما رووا له أثناء حياته كل أنواع الحكايا، وبأنه بروليتاري ليس إلا، وبأنه يوغسلافي ليس إلا، وحديثاً بأنه مسلم، ليس إلا، وربما أوهموه، أثناء بعض الشهور العصيبة، بأنه هناك أموراً مشتركة بينه وبين رجال كابول أكثر مما هو مع رجال تريسته.

في حال وجود نوع من التراتبية بين العناصر التي تشكل هوية كل فرد، فهي ليست ثابتة، بل تتغير مع الزمن وتغير التصرفات بعمق

يوجد في كل العصور أناس يعتبرون أن هناك انتماء واحداً مسيطراً، يفوق كل الانتماءات الأخرى وفي كل الظروف، إلى درجة أنه يحق لنا أن ندعوه "هوية". هذا الانتماء هو الوطن بالنسبة لبعضهم والدين بالنسبة لبعضهم الآخر. ولكن يكفي أن نجول بنظرنا على مختلف الصراعات التي تدور حول العالم لنتنبه إلى أن أي انتماء لا يسود بشكل مطلق. فحيث يشعر الناس أنهم مهددون في عقيدتهم يبدو أن الانتماء الديني هو الذي يختزل هويتهم كلها. ولكن لو كانت لغتهم الأم ومجموعتهم الإثنية هي المهددة لقاتلوا بعنف ضد أخوتهم في الدين. فالأتراك والأكراد كلاهما مسلم ولكنهما يختلفان في اللغة. ألا يدور بينهما صراع دموي؟ والهوتو كالتوتسي، كلاهما كاثوليكي، ويتكلمان اللغة ذاتها. هل منعهما ذلك من التذابح؟ وكذلك التشيكيون واليوغسلافيون كاثوليكيون أيضاً، فهل سهل ذلك العيش المشترك؟

أسوق كل هذه الأمثلة لأشدد على حقيقة أنه في حال وجود نوع من التراتبية بين العناصر التي تشكل هوية كل فرد، فهي ليست ثابتة، بل تتغير مع الزمن وتغير التصرفات بعمق.

إن الانتماءات المهمة في حياة كل فرد ليست دائما تلك التي تعرف بأنها مسيطرة، والتي تتعلق باللغة والبشرة والجنسية والطبقة والدين. فلنأخذ مثالاً لوطياً إيطالياً أثناء زمن الفاشية. أتخيل أن أهمية هذا المظهر الخاص بشخصيته بالنسبة إليه لا تفوق ما لنشاطه المهني وخياراته السياسية أو معتقداته الدينية من أهمية. وفجأة يحل به قمع ا لسلطة ويشعر أنه مهدد بالإهانة والنفي والموت. باختيار هذا المثال أشير بالطبع إلى بعض التذكرات الأدبية والسينمائية. إذاَ، فهذا الرجل الذي كان لسنوات خلت وطنياً، وربما قومياً، لم يعد يستطيع أن يبتهج وهو يى عرض الفرق العسكرية الإيطالية، ومن المؤكد أن الأمر قد وصل به إلى حد تمني هزيمتها. وبسبب الاضطهاد ستتقدم ميوله الجنسية على ميوله الأخرى حاجة عنه حتى الانتماء الوطني الذي بلغ في ذلك الوقت أوجه. ولم يشعر رجلنا أنه إيطالي بحق إلا بعد الحرب، في إيطاليا أكثر تسامحاً.

وفجأة ترتسم الهوية التي ننادي بها، سلبياً، على هوية الخصم. فالإيرلندي الكاثوليكي يختلف عن الإنكليزي بديانته أولاً ولكنه يؤكد في مواجهة العرش أنه جمهوري. وإذا كان لا يجيد الغالية بشكل كاف فسيتحدث الإنجليزية على طريقته، حتى أن زعيما كاثوليكياً يتحدث بلهجة أوكسفورد يبدو كأنه خائن تقريباً.

يوجد هنا أيضا عشرات الأمثلة التي تصور تعقيد آليات الهوية.

هذا التعقيد الذي يدعو إلى الابتسام أحياناً، ويكون تراجيدياً في أغلب الأحيان. وسأذكر العديد منها على مدى الصفحات التالية، بعضها بشكل موجز وبعضها بمزيد من التفصيل، خاصة تلك التي تخص المنطقة التي أتيت منها أي الشرق الأوسط والمتوسط والعالم العربي ولبنان بالدرجة الأولى. وهو بلد نُقاد فيه باستمرار إلى التساؤل عن انتماءاتنا وأصولنا مع الآخرين، وعن المكانة التي نستطيع أن نحتلها في الظل أو تحت الشمس.