الخميس  07 تموز 2022
LOGO

المزيد من الوثائق من الأرشيف الإسرائيلي تكشف عن مذابح النكبة

2021-12-12 09:02:31 AM
المزيد من الوثائق من الأرشيف الإسرائيلي تكشف عن مذابح النكبة
أرشيفية

ترجمة الحدث- عبد الله أبو حسان

تستمر الشهادات في التراكم، ويتم الكشف عن الوثائق ، وتظهر تدريجياً صورة أوسع لأعمال الاغتيال التي ارتكبتها العصابات الصهيونية خلال عام 1948. وبحسب تقرير مفصل نشرته صحيفة هآرتس فإن المحاضر المسجلة خلال اجتماعات مجلس الوزراء عام 1948 لا تترك مجالًا للشك: زعماء إسرائيل كانوا على علم في ذلك الوقت بالأحداث الدموية التي صاحبت احتلال القرى العربية

في تشرين الثاني (نوفمبر) 1948، تراكمت على طاولة مجلس الوزراء شهادات المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ضد الفلسطينيين - استهدفت الرجال العزل وكبار السن والنساء والأطفال. لسنوات، وقد تم إخفاء المناقشات الوزارية عن الجمهور الإسرائيلي وعن الباحثين من قبل الرقابة العسكرية.  إلا أن تقريراً استقصائياً أعدته صحيفة "هآرتس" و "معهد أكيفوت لأبحاث الصراع الإسرائيلي الفلسطيني" كشف لأول مرة عن تبادل الآراء الحاد بين الوزراء الإسرائيليين في وقتها حول هذا الموضوع وكشف شهادات عن ثلاث مذابح لم تكن معروفة من قبل.

في تشرين الأول 1948، شن الجيش الإسرائيلي عمليتين واسعتي النطاق: في الجنوب، عملية يوآف، التي فتحت طريقاً إلى النقب. وفي الشمال عملية حيرام. في العملية الأخيرة، وفي غضون 30 ساعة، تم اجتياح عشرات القرى العربية في الشمال وفر عشرات الآلاف من السكان أو طردوا من منازلهم. في غضون أقل من ثلاثة أيام، احتل الجيش الإسرائيلي الجليل ووسع نفوذه إلى قرى في جنوب لبنان، حيث أن الغالبية العظمى منهم لم تشارك في القتال. وكانت معظم عمليات تبادل إطلاق النار بين العصابات الصهيونية وجيش الإنقاذ العربي المكون من متطوعين من دول عربية.

في وقت الحملة الإسرائيلية لاحتلال الجليل، بقي 120,000 عربي في المنطقة، أي نصف عدد الذين أقاموا هناك عشية اعتماد الأمم المتحدة لخطة التقسيم، في تشرين الثاني (نوفمبر) 1947. التقدم السريع للقوات الإسرائيلية نحو الشمال عند الحدود جعلت من الجنود على اتصال مباشر مع السكان الذين بقوا في القرى، ومن بينهم شيوخ ونساء وأطفال. ليصبح مصير الفلسطينيين الآن بيد القوات الإسرائيلية. كانت هذه خلفية المجازر التي ارتكبت بحق المدنيين والجنود العرب الذين تم أسرهم. في نهاية الحرب، بقي حوالي 30 ألف عربي في الشمال.

تُعرف فظائع حرب عام 1948 من الوثائق التاريخية المتنوعة: رسائل الجنود، والمذكرات غير المنشورة المكتوبة في الوقت الفعلي لوقوع الأحداث، ومحاضر الاجتماعات التي عقدتها الأحزاب السياسية، ومن مصادر أخرى. معظم التقارير حول التحقيقات العسكرية والحكومية سرية، ولا تزال اليد الثقيلة للرقابة العسكرية تعرقل البحث الأكاديمي والتقارير الاستقصائية. ومع ذلك، فإن المصادر المفتوحة توفر صورة أصبحت أكثر وضوحًا تدريجيا. على سبيل المثال، شهادات حول مجازر لم تكن معروفة من قبل وقعت في الرينه، في ميرون والبرج، والتي يتم التطرق إليها في التالي

اغتيالات في الرينيه

تم احتلال قرية رينه، بالقرب من الناصرة، في تموز / يوليو 1948.  وأكد الشيخ طاهر التويري، أحد قادة الجالية الفلسطينية في الشمال، أن مذبحة الرينه "ليست الوحيدة" وأن هذه الأعمال "نفذت بغرض السطو"، حيث أن الأهالي أشاروا إلى أن الضحايا كانوا يحملون مئات الليرات.

تم احتلال قرية البرج أيضًا في يوليو 1948، في عملية داني. وبحسب وثيقة، لم يُعرف كاتبها، عُثر عليها في أرشيف ياد يعاري، فإن أربعة رجال مسنين بقوا في القرية بعد سقوطها: "الحاج إبراهيم، وسيدة مسنة مريضة ورجل مسن آخر و [مسنة] ". بعد ثمانية أيام من احتلال القرية، أرسل الجنود إبراهيم لقطف الخضار لإبعاده عما كان على وشك الحدوث. ونقل الثلاثة الآخرون إلى منزل منعزل. وبعد ذلك أطلقت قذيفة مضادة للدبابات ("فيات"). عندما أخطأت القذيفة الهدف، ألقيت ست قنابل يدوية على المنزل. قتلوا رجلاً وامرأة مسنّين، وأعدموا امرأة مسنة بسلاح ناري. بعد ذلك أضرموا النار في المنزل وأحرقوا الجثث الثلاث. عندما عاد الحاج إبراهيم مع حارسه، قيل له إن الثلاثة الآخرين نُقلوا إلى المستشفى في رام الله. على ما يبدو أنه لم يصدق القصة، وبعد بضع ساعات قُتل هو أيضًا بأربع رصاصات".

وفقًا لشهادة شموئيل ميكونيس، عضو مجلس الدولة المؤقت (ما قبل الكنيست) من الحزب الشيوعي، فقد طالب في سؤال برلماني بتوضيح من دافيد بن غوريون حول أفعال قال ميكونيس إن عناصر من ميليشيا الإرغون السرية ارتكبتها في قرية ميرون على النحو الآتي: "أ. قضوا بمدفع رشاش على 35 عربيا كانوا قد استسلموا  وكانوا في أيديهم راية بيضاء. ب. أخذوا أسرى من السكان المسالمين من بينهم نساء وأطفال، وأمروهم بحفر حفرة، ودفعوهم فيها بحراب فرنسية طويلة، وأطلقوا النار على المنكوبين حتى قُتلوا جميعًا. بل كانت هناك امرأة تحمل رضيعًا بين ذراعيها. ج. تم إطلاق النار على الأطفال العرب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و 14 سنة والذين كانوا يلعبون بالقنابل اليدوية. اغتصب رجال من ألتلينا فتاة عمرها حوالي 19 - 20 سنة؛ وبعد ذلك تم طعنها بحربة وتم غز عصا خشبية في جسدها".

في نفس السؤال البرلماني الموجه إلى بن غوريون، قدم ميكونيس وصفاً مفصلاً بدقة لمجزرة قرية الحولة اللبنانية، واتضح لاحقاً في المحكمة أن مصادره موثوقة. (لا يوجد دليل على رد من رئيس الوزراء).

مذبحة الحولة

احتلت القرية كتيبة من كتيبة كرملي الكتيبة 22 بقيادة شموئيل لحيس. وفر المئات من سكان الحولة،  لكن ظل حوالي 60 شخصًا  في القرية واستسلموا دون مقاومة. بعد الاحتلال ارتكبت العصابات الصهيونية مجزرتين في يومين متتاليين. في اليوم الأول، 31 أكتوبر 1948، قُتل 18 قروياً، وفي اليوم التالي بلغ عدد الضحايا 15.

لحيس، قائد السرية، كان الصهيوني الوحيد الذي حوكم بتهمة القتل العمد في عملية حيرام ولكن تمت تبرئته. وبعد الإفراج عنه، أصدر الرئيس الصهيوني حينها يتسحاق بن تسفي عفواً عن لحيس. بعد ثلاثة عقود تم تعيينه مديرا عاما للوكالة اليهودية

دير ياسين

يتم تخزين ملايين الوثائق حول تأسيس "الدولة" في أرشيفات الحكومة، حيث يمنع نشرها. علاوة على ذلك، هناك رقابة قوية عليها. في السنوات الأخيرة، قام أفراد من وحدة مالماب (اختصار عبري لـ "مدير أمن مؤسسة الدفاع") بالبحث في الأرشيفات في جميع أنحاء إسرائيل وقام بإزالة أدلة جرائم الحرب، كما كشف ذلك تقرير استقصائي أعدته صحيفة هآرتس في عام 2019. لكن وعلى الرغم من جهود التستر إلا أن الروايات عن مجازر ما زالت تتراكم.

تم وضع الأساس من قبل المؤرخ بيني موريس، الذي أجرى بحثًا شاملاً في الأرشيف، بدءًا من الثمانينيات. أضيف إلى ذلك لاحقًا عمل مؤرخ آخر هو عادل مناع، الذي ينصب تركيزه على التاريخ الشفوي والذي درس تاريخ عرب حيفا والجليل. وصف مناع، من بين أحداث أخرى، فرقة الإعدام التي قتلت تسعة من سكان مجد الكروم (مسقط رأسه). المنشورات الإضافية على مر السنين، مثل الشهادات المذكورة هنا، تحل تدريجياً الأجزاء المفقودة من اللغز.

سجل موريس 24 مجزرة خلال حرب 1948.، ويمكن القول اليوم أن العدد أكبر من ذلك. في بعض الحالات تم قتل أعداد قليلة، وفي البعض الآخر قُتل العشرات، وهناك أيضًا حالات قتل فيها أكثر من مائة ضحية. باستثناء مذبحة دير ياسين، في نيسان 1948، التي تردد صداها على نطاق واسع على مر السنين، يبدو أن هذا التفصيل القاتم من التاريخ قد تم إخفاؤه وإبعادها عن الخطاب العام الإسرائيلي.

ومن بين المجازر الكبرى التي شهدتها عمليتا حيرام ويواف أحداث قرى الصالحية وصفصاف والدوايمة. في الصالحية الواقعة بالقرب من الحدود مع لبنان، أعدم اللواء السابع ما بين 60 و 80 مواطنًا باستخدام طريقة تم استخدامها عدة مرات: تركيز السكان في مبنى في القرية ثم تفجير المبنى على رؤوس الناس.

وفي الصفصاف قرب صفد قتل جنود من اللواء السابع عشرات المواطنين. ووفقًا لإحدى الشهادات (التي أعادت وحدة مالماب تصنيفها لاحقًا)، "تم القبض على 52 رجلاً، وربطهم بعضهم ببعض، وحفروا حفرة وأطلقوا النار عليهم. وتم العثور على 61 جثة، وأدلة عن 3 حالات اغتصاب".

وفي قرية الدوايمة، قتلت قوات اللواء الثامن حوالي 100 شخص. ووصف جندي شهد الأحداث لمسؤولي مبام ما حدث: "لم تكن هناك معركة ولا مقاومة. وقتلنا في البداية ما بين 80 إلى 100 رجل وامرأة وطفل عربي. قُتل الأطفال بتحطيم جماجمهم بالعصي. لم يكن هناك منزل بدون قتلى فيه ". وبحسب ضابط مخابرات عُين مسؤولاً في القرية بعد يومين، فإن عدد القتلى بلغ 120.

يشير مقال نشره جندي مجهول في صحيفة نير بعد الحرب إلى انتشار ظاهرة قتل غير المقاتلين من الفلسطينيين. وروى الكاتب كيف قام رفاقه في الوحدة بقتل امرأة عربية مسنة كانت متأخرى عن أهلها أثناء احتلال قرية لوبيا في الجليل السفلي: "أصبحت هذه موضة. وعندما اشتكيت لقائد الكتيبة مما يجري، وطلبت منه وقف الهيجان الذي لا مبرر له عسكريًا، هز كتفيه وقال "ليس هناك أمر من أعلى" لوقف المسألة. منذ ذلك الحين، تضاعفت الفظائع ".

القادة الصهاينة على اطلاع على المجازر

في تشرين الثاني (نوفمبر) - كانون الأول (ديسمبر) 1948 ، عندما خفت حدة ضغوط المجازر إلى حد ما، تحولت الحكومة الإسرائيلية إلى مناقشة تقارير المجازر التي وصلت إلى الوزراء بطرق مختلفة. والاطلاع على محاضر الاجتماعات لا يترك مجالاً للشك: فقد علم قادة الدولة في الوقت الفعلي لوقوع الأحداث الدموية بها والتي صاحبت احتلال القرى العربية.

في الواقع، كانت محاضر اجتماعات مجلس الوزراء في هذه الفترة متاحة للعرض على الجمهور منذ عام 1995. ومع ذلك، فإن أقسام المناقشات التي كانت مخصصة "لسلوك الجيش في الجليل والنقب" - المصطلح الخاص بمجلس الوزراء أجندة - ظل منقحًا ومراقبًا حتى أيام قليلة مضت. تم إعداد هذا التقرير بناءً على طلب قدمه معهد أكيفوت إلى أمين المحفوظات الحكومية.

حتى الآن، النصوص غير متوفرة بالكامل. من الواضح أن الإشارات المباشرة لجرائم الحرب تظل منقوصة. ومع ذلك، فإن التبادلات بين الوزراء حول مسألة التحقيق في الجرائم أم لا - التبادلات التي تم إخفاؤها لمدة 73 عامًا - متاحة الآن للباحثين والصحفيين والمواطنين الفضوليين.

قانون الصمت

خلال اجتماعات مجلس الوزراء الإسرائيلي، كان هناك العديد من الإشارات لقانون الصمت الموجود بين الجنود حول جرائم الحرب. وقالت الوزيرة شابيرا: "الحقيقة هي أن الجنود يخشون الإدلاء بشهادتهم. سألت أحد الجنود عما إذا كان على استعداد للمثول أمام اللجنة. طلب مني ألا أذكر اسمه، وأن أنسى أنه تحدث معي وأن أعتبره شخصًا لا يعرف شيئًا ".

قانون الصمت ساعد الراغبين في كنس الجرائم تحت السجادة والابتعاد عن التحقيقات ولوائح الاتهام. وبالفعل، كان شموئيل لحيس، قائد الوحدة التي نفذت مجزرة الحولة، من بين القلائل الذين اتهموا بالقتل. حتى مذبحة الدوايمة التي حقق فيها الجيش الإسرائيلي داخليا لم تسفر عن لوائح اتهام.

حتى أولئك الذين لم يستفيدوا من الصمت والتستر، وحوكموا على جرائم ارتكبوها في الحرب، أفلتوا أخيرًا من مأزقهم. في فبراير 1949 صدر عفو عام بأثر رجعي عن أي جرائم ارتكبت أثناء الحرب. يبدو أن الجمهور بشكل عام لم ينزعج من أي من هذا. وقعت الأحداث الموصوفة أعلاه خلال الفترة التي كان يتم فيها إنشاء نظام القضاء العسكري. قد يفسر هذا سبب استيعاب الجيش لثقافة تنظيمية تسهل قتل الفلسطينيين على أيدي الجنود أثناء العمليات. وصف الفيلسوف مارتن بوبر الإطار الذهني الذي سيطر على المجتمع اليهودي في ذلك الوقت بـ "ذهان الحرب".