الخميس  18 آب 2022
LOGO

التشكيل بين الخاص والعام

رائدات في الفن الفلسطيني:

2014-01-21 00:00:00
التشكيل بين الخاص والعام
صورة ارشيفية

د. مليحة مسلماني

إلى جانب دورها الوطني السياسي طوال مسيرة النضال الفلسطيني، أبدعت المرأة الفلسطينية في مختلف مجالات الفنون والآداب، في مسيرةِ تراكمٍ ثقافية لم تنفصل عن المسيرة النضالية، إذ أن تلك العلاقة الجدلية والشائكة بين الهوية والإبداع ظلت محور اهتمام إبداعات المرأة الفلسطينية كما هو الحال في أعمال المبدع الفلسطيني، وبذلك لمعت في صفحات الثقافة الفلسطينية أسماء من أديبات وشاعرات وتشكيليات وسينمائيات وموسيقيات تميّزن منذ أوائل القرن الماضي وراكمنَ، وما زلن، إرثًا ثقافيًا يستدعي البحث والتأمل الضروريْن للإحاطة بالمشهد الثقافي الفلسطيني المعاصر.  

تختزل تلك المقالة الحديث عن أربع رائدات من اللواتي كان لهن دور مميز في الحركة التشكيلية الفلسطينية، هؤلاء هن: زلفة السعدي (1905-1988)، وجوليانا ساروفيم (1934-2005)، وفيرا تماري (مواليد 1945)، ومنى حاطوم (مواليد 1952). بالإضافة إلى هؤلاء الرائدات تبرز العديد من التشكيليات الفلسطينيات مثل تمام الأكحل ولطيفة يوسف ورنا بشارة ورائدة سعادة وغيرهن ممن ليس بالإممكان حصر أسمائهن هنا.

 يعد المعرض الذي أقيم للفنانة زلفة السعدي عام 1933 في قاعة المجلس الإسلامي في القدس  المعرض التشكيلي الفلسطيني الأول، مما يعكس ويؤكد تميزًا ثقافيًا تاريخيًا مبكرًا للمرأة الفلسطينية. ولدت السعدي في القدس وتعلمت الفن على يد نيقولا الصايغ، أحد رواد الفن التشكيلي الفلسطيني. تناولت الفنانة في لوحاتها ذات الأسلوب التصويري الأكاديمي مواضيع من الطبيعة الفلسطينية، كان محورها فاكهة الصبارـ الأبرز في أعمال السعدي كان تصويرها لشخصيات وطنية وثقافية عربية، تاريخية ومعاصرة، فقد صورت القائد صلاح الدين الأيوبي بلباسه الحربي والشريف حسين قائد الثورة العربية الكبرى، وعمر المختار قائد الثورة الشعبية ضد الوجود الأيطالي في ليبيا، والذي كان قد أعدم في تلك الفترة. إلى جانب تلك البورتريهات لقادة سياسيين تاريخيين ومعاصرين، كان هناك لوحات صورت فيها الفنانة شخصيات ثقافية منها لوحة للمفكر الإسلامي جمال الدين الأفغاني وأخرى لأمير الشعراء أحمد شوقي. عُلّقت تلك اللوحات في المعرض تتوسطها لوحة تمثل مدخل المسجد الأقصى.

 إن تصوير الفنانة لشخصيات سياسية تاريخية، جنبًا إلى جنب مع شخصيات وطنية وثقافية معاصرة ومواضيع من الطبيعة الفلسطينية وللمسجد الأقصى تشكّل جميعها رسالة ذات دلالات سياسية وثقافية، تنطوي على امتداد التواصل بين تاريخ العرب وحاضرهم، السياسي والفكري والثقافي، وتجعل من الفكر والثقافة والفن، عناصر مساوية التأثير في إحداث التحرر السياسي والفكري العربي. هُجّرت الفنانة من القدس إثر النكبة، واستقرت وعائلتها في دمشق حيث كرّست حياتها لتعليم الفن لأبناء اللاجئين الفلسطينيين في المدارس، ولا يظهر أنها مارست الفن بعد ذلك التاريخ. 

في الفترة التي بدأت فيها بيروت تصبح مدينة تشهد حركة ثقافية واسعة وملتقى للفنانين وللأدباء الذين قدموا من مختلف أنحاء العالم العربي، وصلت إلى هناك الفنانة جوليانا ساروفيم التي هُجّرت وعائلتها من مدينة يافا. تعلمت ساورفيم الفن على يد الفنان اللبناني جان خليفة، وفيما بعد أقامت الفنانة في فلورنسا ومدريد ولندن. وتحتل مكانة خاصة في الوسط الفني اللبناني. 

إن النظرة الأولى لأعمال ساروفيم قد توحي بأنها فنانة خارج سياق أبناء جيلها من الفنانين الفلسطينيين من تلك المرحلة والذين تمحورت أعمالهم حول مركزية القضية والمأساة الفلسطينية المتمثلة بالنكبة والتهجير واحتلال الأرض، غير أن القراءة المعمقة لأعمال الفنانة تكشف عن أسلوب خاص انتهجته، وسيلته وغايته البحث داخل الذات المغرقة بالذكريات عن الوطن. كانت ساورفيم ترسم في سعي لاكتشاف الذات، تلك التي تلوح في فلكها ذاكرة الوطن الأول، فتتلمس طريقها بلغة تشكيلية تعبيرية تحمل في طيّاتها الحنين إلى يافا الشاطئ والبرتقال.

أما الفنانة فيرا تماري فتمثل في المشهد التشكيلي تجربة فريدة بحكم استقرارها في فلسطين، فقد عايشت الفنانة المراحل المختلفة التي مرت بها البلاد. وتتميز أعمال تماري بتنوع الأساليب والوسائط، ما بين لوحات وأعمال إنشائية ومنحوتات من الفخار. تحتلّ المرأة، خاصة الأم، مكانة مركزية في مسيرة تماري التشكيلية، وتصف الناقدة تينا شيرويل بأن أعمال تماري تمثل «دراسة لعالم المرأة في المجتمع الفلسطيني»، ففي أعمال الفنانة المبكرة تقوم المرأة بأدوار مختلفة، تعمل في الحقول وتحافظ على التراث الشعبي وتمثله ويشكل جسدها رمزًا للأمومة التي من خلالها تحتضن وتغذي الوطن. في أعمال تماري في السنوات الأخيرة تغير شكل المرأة وهرم الوجه الذي امتلأت ملامحه بحزن وتعب شديديْن في دلالة على توالي المآسي على الشعب الفلسطيني.

في المشهد التشكيلي الفلسطيني في الشتات، تبرز الفنانة منى حاطوم التي ولدت في بيروت لأسرة فلسطينية كانت قد هُجّرت من حيفا. درست حاطوم الفن في لندن وتُعرض أعمالها في كبرى صالات العرض والمتاحف في أوروبا. تستخدم حاطوم في إيصال رسالتها الفنية أحدث أساليب الفن المعاصر، من فنون فيديو وأداء وإنشاء، طرحت فيها على مدار مسيرتها الفنية العلاقة بين الخاص والعام، وبين الذاتي والسياسي، ففي أعمالها تتداخل العوامل الشخصية بالعوامل السياسية إلى درجة، يصبح فيها جسدها، كما يقول كمال بلّاطة، موضوع استقصائها الفني.

في عملها «تحت الحصار» (1982) الذي عرض قبل ستة أيام من الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ظهر جسد حاطوم العاري مكتسيًا بالصلصال يتخبط داخل مكعب شفاف ضيق محاولًا الوقوف والاتزان، استمر العرض بتلك الطريقة لمدة سبع ساعات، وجسد الفنانة يحاول النهوض وأخذ وضعية الاتزان في المكعب، في دلالة على الجسد العربي، أو النسائي، الذي يحاول استعادة قوته واتزانه والبقاء داخل المكعب ـ السجن أو الحصار المفروضيْن. في عملها «طاولة المحادثات» الذي عرض في أعقاب الغزو الإسرائيلي على بيروت وفي العام الذي تلا مجزرة صبرا وشاتيلا في أيلول 1982 تتنبأ حاطوم بمفاوضات ستشهدها المنطقة بعد ذلك بعقد من الزمن، مُدّد جسد حاطوم على طاولة تحيط بها ثلاثة مقاعد فارغة في ظلام تام يخترقه ضوء مسلط على الجسد المدد. استمر هذا العرض لثلاث ساعات والجثة الهامدة ملفوفة من الرأس إلى القدمين بالشاش الطبي ومربطة بالحبال في داخل كيس، يظهر للمتلقي من خلال الكيس الشفاف جسد مخضب بالدماء بينما يظهر في البطن كيس شفاف ملئت محتوياته الدموية بالأمعاء. رافق هذا العرض مقتطفات لنشرات إخبارية عن الحرب الأهلية في لبنان يتخللها تصريحات لقادة عرب حول السلام في الشرق الأوسط. 

جاءت أعمال الرئدات في التشكيل الفلسطيني توثيقًا للأحداث التاريخية التي مرت بها فلسطين والمنطقة العربية، من ناحية ثانية تأتي تلك الأعمال لترسم هوية فلسطينية ترتكز على مقوّم النضال من أجل الوطن والهوية معًا. وبين هذا وذاك أطلّ جسد المرأة في مركز العمل الفني ليكون بذلك مسرح أحداث هذا الوطن، ومَنْبت تشكيل هويته الفلسطينية. كذلك، جمعت أعمال الرائدات بين الأصالة ـ كمفهوم يرتكز على الذاكرة وعلى القديم ارتباطًا بمفهوم الهوية، والمعاصرة للأحداث السياسية التي يمر بها الشعب الفلسطيني من ناحية، وللأحداث التشكيلية التي اجتاحت عالم الفن في عصر ما بعد الحداثة