الجمعة  27 أيار 2022
LOGO

الهدم في الشيخ جراح والتجريف في النقب لم يهزم الإرادة/ بقلم: راسم عبيدات

2022-01-20 01:00:34 PM
الهدم في الشيخ جراح والتجريف في النقب لم يهزم الإرادة/ بقلم: راسم عبيدات
راسم عبيدات

هُدم بيت صالحية في الشيخ جراح وجُرفت أراضي عرب الأطرش بالقرب من قرية سعوة في النقب، والهدف واحد في كلا الحالتين الاستيلاء على المكان، الأرض، تغيير هويتها وطابعها، طرد وتهجير قسري وتطهير عرقي وجرائم حرب. هم بفعل آلتهم العسكرية وميزان القوى المختل لصالحهم، وفي ظل حالة الضعف والتشظي والانقسام الفلسطيني، وعجز القيادة غير المسبوق، وانهيار وانبطاح النظام الرسمي العربي، الذي لم يعد "يهرول" نحو التطبيع مع المحتل فقط، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بتبني روايته حول قضيتنا وحقوقنا الفلسطينية، وإقامة أحلاف استراتيجية عسكرية وأمنية معه، وهناك من "أوغل" أكثر من ذلك بتوقيع اتفاقيات عسكرية مع المحتل، كما هو حال النظام المغربي، المغتصب لشرعية تمثيل لجنة القدس.

نعم نجح المحتل بقوة السلاح والحراب بهدم منزلي صالحية وشقيقته في الشيخ جراح، المحتل تصرف كلص خائف ومرتعب، سارع إلى إزالة ركام بيت صالحية، وهو الذي كان يحرس دائماً على مطالبة المقدسي الذي يهدمون بيته، بإزالة ركامه على حسابه، صالحية المعتقل الآن، والمتوقع الإفراج عنه مساء الليلة، والذي تشردت عائلته في نكبة جديدة، بعد نكبة التهجير من قرية عين كارم في القسم الغربي من المدينة عام 1948، سجل موقفا نوعيا مشرفا، في الدفاع عن بيته، حاول قدر الإمكان أن يحمي بجسده بيته الذي تمترس وتحصن فيه، رافضاً الخروج منه إلا للقبر أو العودة لـ"عين كارم"، ولكن حدود طاقات وإمكانيات صالحية، لم تمكنه من البقاء في البيت، الذي تسلل إليه الغزاة فجراً، وقاموا بتدميره بآلياتهم وجرافاتهم، بعد أن حشدوا أعدادا كبيرة من جيشهم وشرطتهم وقواتهم الخاصة، وآليات التدمير، اقتحموا البيت فجراً واعتدوا على كل من تواجد فيه من سكانه ومن المتضامنين معه، قبل أن يعتقلوهم. ولكن رغم كل هذا الدمار والخراب والهدم، لاستكمال مشاريع التهويد في منطقة الشيخ جراح، المغلفة بحجج وذرائع كاذبة ومخادعة ومضللة، إقامة مدارس للسكان الفلسطينيين في تلك المنطقة.

صالحية رغم هدم بيته واعتقاله، أضحى أيقونة وأنموذجا، ومن يزايدون عليه كانوا كالفئران مختبئين في جحورهم.

هدموا بيت صالحية، ولم ينتظروا قرارات محاكمهم، تلك المحاكم التي أصدرت قرارا بإبعاد  صالحية، وليس والدته وأسرة شقيقته، ولم يكن هناك قرار بهدم البيت، وعينت جلسة للنظر في قرار الإخلاء في 25 من الشهر الحالي، ولكن هذه المحاكم المتفرعة عن جهاز قضاء عنصري، يوظف لخدمة الجمعيات الاستيطانية، استعجلت الأمر، حتى لا تصبح قضية بيت صالحية،كقضية بيوت أهالي حي الشيخ جراح الشرقي "كرم الجاعوني"، قضية رأي عام وقضية دولية، وهذا يعطل عليهم مخططاتهم ومشاريعهم الاستيطانية، هم يتحدثون عن بناء مدارس للسكان الفلسطينيين في المنطقة، ولذلك يجب توكيل محامين  فلسطينيين وعرب ودوليين، لمتابعة مصير تلك الأرض، هل ستبنى عليها مدارس حقيقة، أم هي ستستغل لصالح المشاريع الاستيطانية والتهويدية، فما حدث في الشيخ جراح من هدم لبيت صالحية، جريمة حرب بامتياز.

أما في النقب والأسلوب الجديد للسيطرة على أرضه وتهجير سكانها العرب هناك، استخدموا ما يعرف بسياسة "تحريش" الصحراء، بعد أن فشل مخطط ومشروع "برافر" التهويدي في حزيران /2013، في تحقيق الهدف والغرض، بسبب صلابة موقف أهل النقب والانتفاضة الشعبية التي اجتاحت كل مدن وقرى وبلدات الداخل الفلسطيني- 48 - أجبرت المحتل على التراجع عن تنفيذ مخططه التهويدي في كانون أول /2013.

نجح المحتل في هدم قرية العراقيب للمرة السادسة والتسعون بعد المائة  منذ مطلع عام /2000، وكذلك هدموا قرية "أم الحيران " في عام 2017 ، ولكنهم لم يستطيعوا كسر إرادة عرب النقب.

الآن المحتل يجرب مشروعا تهويديا جديدا، يعنون بـ"تحريش" الصحراء، ما يسمى بأراضي الدولة الهادف إلى تجريف أكثر من 55 ألف دونم من أراضي عرب النقب، وتهجيرهم وتجميعهم، في أماكن تركيز محددة. مشروع يستهدف، تدمير ومسح قرى النقب الـ 38 السابق وجودها على وجود دولة الاحتلال، وتحويل سكان النقب العرب، بعد مصادرة أكثر من 800 ألف دونم من أراضيهم، إلى معازل و"جيتوهات" مغلقة وجزر متناثرة في محيط إسرائيلي واسع. النقب لها أهميتها الاستراتيجية في الاقتصاد والأمن الإسرائيلي وفي التجارة الدولية، في ظل تنامي العلاقات التطبيعية مع دولة الإمارات، حيث يراد له نقل الغاز المسيل براً من الإمارات إلى النقب ومن ثم إلى الموانئ "الإسرائيلية" فأوروبا.. والنقب فيه أكبر مخزون مائي، 11 مليار متر مكعب من الماء، وسلة غذاء فلسطين، ويشكل 52% من مساحة فلسطين التاريخية.

رئيس وزراء الإحتلال الحالي "بينت"  القادم من جبهة الاستيطان، حيث كان رئيس المجلس الإقليمي للمستوطنات سابقا، هو يمثل الشكل الأكثر عنفاً بالنسبة للحركة الاستيطانية الاستعمارية، فالاستيطان بالنسبة له، كما هي الحركة  الصهيونية  تبدأ من التلال، وإذا لم يكن ذلك ممكنا، فلا بأس من "برج وسور"، ومعسكر جيش قريب يحمي ما تم سرقته من أرض.

الهدم في الشيخ جراح والتجريف في النقب، يندرج في إطار الصراع المستمر على الأرض، وهذا الصراع ليس وليد اللحظة، بل هو قائم منذ الغزوة الصهيونية الأولى.. والاستيطان في الفكر الصهيوني مرتكز أساسي من مرتكزات المشروع الصهيوني، والذي لا يجرؤ أي حزب صهيوني على الاقتراب منه، فمن يقول من الأحزاب الإسرائيلية بمجرد تجميد هذا الاستيطان، وليس اقتلاع أي بؤرة استيطانية، يعرف بأنه سيدفع ثمناً سياسياً باهظاً، بالخسارة في الانتخابات البرلمانية القادمة، وأبعد من ذلك يجري تخوينه واعتباره خائنا لمبادئ وتعاليم الآباء والأجداد الصهاينة.

الأمور لن تقف عند حد هدم بيت صالحية في الشيخ جراح لصالح المشاريع الاستيطانية، ولا عند تجريف أراضي النقب و"تحريشها" لما يسمى بالمصلحة العامة، بل هذا مسلسل متدحرج يستمر ويتواصل، وبالمقابل تستمر  مقاومته والتصدي له والعمل على إفشاله، ولعل الموقف النوعي المشرف الذي سجله المواطن صالحية في  التصدي لهدم بيته، وما قامت به جماهير النقب من مظاهرات واحتجاجات شعبية واسعة، ضد تهويد أرضها وطردها وتهجيرها، جاءت لتقول بأن شعبنا الفلسطيني، لن يكون هنوداً حمر ولن يختفي. بل هو الآن في مرحلة نهوض كبرى وإستعادة لوعيه، والتشبث والتمسك أكثر بأرضه.