الثلاثاء  05 تموز 2022
LOGO

رحلتي بين القلم والميكروفون والكاميرا (الحلقة الخامسة)/ بقلم: نبيل عمرو

كيف بنيت شخصية صوت العاصفة؟

2022-05-15 04:39:37 PM
رحلتي بين القلم والميكروفون والكاميرا (الحلقة الخامسة)/ بقلم: نبيل عمرو
نبيل عمرو

أرسلت هذه الحلقة إلى النشر في اليوم الثالث لاستشهاد نجمة إعلامية فلسطينية... شيرين أبو عاقلة.

ولأنها كانت فلسطينية بامتياز وإعلامية بتفوق وصاحبة مصداقية لكونها كانت تتحدث من قلب المعارك فقد أصبحت منذ اللحظات الأولى لاستشهادها حديث الكون كله.

كانت نجمة أثير وهي على قيد الحياة وصارت رمز انبعاث وطني وهي تحت الثرى.

من سوء حظي أنني لم أكن من ضمن الكتيبة الأولى التي اجتاحت الأثير بجملة سحرية .. "صوت العاصفة... صوت فتح... صوت الثورة الفلسطينية".

ومن سوء حظي كذلك أنني لم أشهد ولادة النشيد الأول الذي بثته الإذاعة الوليدة... "باسم الله... باسم الفتح .. باسم الثورة الشعبية.. باسمك باسمك يا فلسطين أعلناها للملايين.. عاصفة.. عاصفة.. عاصفة".

رجال الكتيبة الأولى والذين دخلوا التاريخ عبر ريادة الأثير الأولى هم.. الحاج خالد مسمار وطيب عبد الرحيم ويحيى العمري وعبد الشكور التوتنجي وعبد الله حجازي، وهؤلاء لم يسبق أن عمل أي منهم كمذيع ولقد تم إعدادهم للمهمة الجديدة في أسابيع قليلة، كان هؤلاء الذين التحق بهم جيش من الإذاعيين في الأيام التالية بمثابة أوركسترا تعزف لحنا جديدا أجمل ما فيه أنه مختلف تماما عن كل الألحان التي شهدها الأثير العربي، وإذا كان الفضل ينسب لأهله فقائد الأوركسترا هو الإذاعي القدير فؤاد ياسين أبو صخر رحمه الله.

كان قد عمل في أهم الإذاعات العربية.. دمشق والقاهرة في الزمن الذي كنت تسمع فيه تعليق صوت العرب من الراديوهات المنتشرة على طول الطريق ومن عربات الباعة ومقاهي الرصيف.

كلّف فؤاد بتأسيس الإذاعة الثورية التي منحها الزعيم جمال عبد الناصر للثورة التي قال عنها إنها وجدت لتبقى.

اعتكف أبو صخر وراجع تفاصيل تجربته الإذاعية في دمشق والقاهرة وكما قال لي كان همه أن ينتج إذاعة مختلفة تنطق باسم الظاهرة الجديدة "الثورة الفلسطينية" وخلص وقبل أن يقبل ما كلف به إلى شرط حاسم.. أن لا يتدخل أي مستوى قيادي في عمله فمن حق القيادة العليا أن ترسم له الخط السياسي العام ومن حقه بل ومن مسؤوليته أن ينفذه باجتهاده وخبرته وجهد زملائه المذيعين والكتاب والإداريين وكان له ذلك، وفي مرات كثيرة كان يتجاوز القيادة السياسية حين كان يسمح لنفسه بإبداء ملاحظات أحياناً تكون جوهرية على مضمون الموقف السياسي.

كان ينفذ ما يقتنع به حتى لو أدى إلى الخروج عن القرار الرسمي، وذلك لم يكن ليحدث كثيراً، فقد كان الجميع في حالة انسجام مع الموقف العام للثورة.

برع فؤاد في الإجابة عن سؤال، كيف يمكنك أن تقول ما ينبغي أن يقال في جمل قصيرة، وكيف تقدم الثورة بكل أبعادها وأنشطتها ووعودها عبر إذاعة بدأت بساعة وتطورت إلى ساعتين، لقد وضع فؤاد قواعد جديدة للعمل في صوت العاصفة.

أولاً: لا يسمح بالعمل إلا لأصوات جديدة لم تسمع من قبل في إذاعة أخرى، وتفسير ذلك أن أي مذيع تعود المستمعون سماعه من إذاعة ما، لن يكون مؤثراً حين ينتقل من إذاعة تقليدية إلى إذاعة ثورية.

ثانياً: أن لا تتجاوز المادة الإذاعية الخمس أو الست دقائق إلا إذا كانت قرارات وبيانات سياسية تصدرها القيادة العليا أو المؤسسات القيادية الفلسطينية الرئيسية.

ثالثاً: الأناشيد مدتها من دقيقة وربما أقل إلى ثلاث دقائق كحد أقصى. ولهذا حكاية خاصة سأرويها ببعض التوسع في مكان آخر.

رابعاً: أن لا يذكر اسم كاتب أو مذيع ولا حتى مؤلف وملحن النشيد ولا يسمح في أمر الأناشيد أن يقدم أي صوت فردي،  أو أي أغنية كانت أذيعت من قبل، حتى لو كانت بمستوى "أخي جاوز الظالمون المدى لمحمد عبد الوهاب"، و"الله أكبر فوق كيد المعتدي" الذي هو أهم وأشهر نشيد عربي أنتج رداً على العدوان الثلاثي في العام 1956.

لم يكن فؤاد ياسين مجرد واضع لقواعد النشيد لإذاعة ثورة، بل كان حارساً صارماً على التقيد بها وعدم الخروج عنها لأي سبب، لقد جندنا جميعاً نحن العاملين تحت إمرته أو بالأصح التلاميذ في مدرسته لاعتناق هذه القواعد واعتبارها على جانب من القداسة بتفسيره المقنع لدوافعها وأهمية التقيد بها.

 كان وضع العميد والمعلم الذي كرسه لنفسه وكرسنا نحن، بحكم إقرارنا جميعاً بتفوقه علينا في المجال اللغوي والسياسي والمهني، كفيلاً بأن نتوازى معه في الحرص على العمل، بالتزام دقيق بالقواعد التي وضعها.

فسر لنا "قصر الأغنية".. بأنها إلى جانب كونها جديدة على الأغنيات العربية الطويلة ...فإذاعتنا التي تبث ساعة أو ساعتين  لا تتحمل لا المطولات الغنائية ولا غيرها.

وفسر لنا عدم ذكر أسماء المذيعين والكتاب ومؤلفي وملحني الأغاني بأنه يعطي إيحاءً فعالاً لنكران الذات، ولنا في الفدائيين الذين لا تعرف أسماؤهم إلا بعد استشهادهم قدوة أخلاقية تستحق الاقتداء.

وفسر لنا "جماعية الأداء“ بأن الأغنية الثورية يجب أن توحي بجماعية الفعل الثوري. فالأغنية الثورية هي كأي عمل ميداني يجب أن لا تكون فردية.

كان فؤاد ياسين رحمه الله – يواظب على تعليمنا وشرح كل ما نحتاج إلى معرفته وفهمه من تشكيل الكلمات حتى وضع السياسات الرئيسية لعمل الإذاعة  وبالنسبة لي  فقد أعاد الرجل صياغة لغتي العربية من أبسط قواعدها إلى أكثرها تعقيداً، وعلمني فن الكتابة والإذاعة وفق قاعدة.. الفكرة التي تصل بجملة واحدة لا لزوم لكتابتها في جملتين، واللغة مثل الموسيقى عليك أن تنتقي مفرداتها السلسة وأن تنظمها في سياق واضح  وأن تتجنب التعقيد كوسيلة دارجة لإظهار تفوقك على المستمع باستخدامك لغة يحتاج إلى قواميس لفهمها، وأنت تكتب تذكر أنك رهينة لأصابع المستمع فمتى شعر بالملل منك يدير مؤشر الراديو إلى مكان آخر، فيلغيك من الأثير.

سألته كيف أوفر كل هذه الشروط هل هناك كتب أو معاجم تتضمن ذلك، ضحك وقال: أنت من ستكتشف ذلك بالممارسة وبالرغبة بالاكتشاف.

غير أن نصيحته لمن يرغب في كتابة نص إذاعي متميز، أن يحصن نفسه بمخزون لغوي وثقافي ومعرفي، ودلني على معادلة ما زلت أتقيد بها حتى اللحظة، "كل سطر تكتبه يجب أن تقرأ مائة صفحة من أجله".

 ما كنت أجلس معه في مكتبه إلا وخرجت بجديد، ظل يرافقني ويؤثر على كتابتي بصورة مستمرة لم يكن فؤاد الذي هو بالفعل صاحب القلم الإذاعي الجذاب.. ومؤسس مدرسة الإذاعة الثورية "صوت العاصفة" يتمتع بصوت إذاعي، لذا وعلى ما أذكر لم يقرأ تعليقاً أو حتى جملة قصيرة من وراء الميكرفون، غير أنه كان ناقداً ممتازاً للأصوات الإذاعية، ولجودة الأداء من أبسط مستويات العمل الإذاعي، إلى مذيع الربط وحتى مذيع الأخبار والتعليق.

كان معنيا على توجيه المذيعين في مجال الحوارات مع الضيوف وخصوصا المميزين منهم في مجال اللغة والثقافة والأدب والسياسة.

كان دائم التركيز على أهمية وأساسية ألا يجلس المذيع وراء الميكرفون لقراءة أي مادة على الهواء، وهو منشغل بهموم شخصية، كان دائم القول، حاول أن تضع همومك وراء باب الاستوديو، فالمهموم لا يقرأ جيداً وسيكثر من الأخطاء، كان يرشدنا إلى أهم مقومات المذيع الناجح، وهو أن يكون مقتنعاً بما يقرأ، فالمذيع ليس مجرد أداة صوتية، إنه مسؤول عن إقناع المستمع بما هو مقتنع أساساً به قبل الدخول إلى الاستوديو، اقرأ المادة عدة مرات، وإن لم تقتنع بها… اعتذر!

 

يتبع.... الحياة الشخصية والعائلية داخل بيئة الإذاعة.