الخميس  11 آب 2022
LOGO

حماس وغزة والقدس.. وإسرائيل| بقلم: نبيل عمرو

2022-06-05 10:01:00 AM
حماس وغزة والقدس.. وإسرائيل| بقلم: نبيل عمرو
نبيل عمرو

 

أصرت الحكومة الإسرائيلية على أن تمضي مسيرة الأعلام مثلما مضت في الأعوام السابقة، غير أن الذي حدث وكان مختلفا هذا العام مضاعفة أعداد المشاركين في المسيرة بما زاد عن ستين ألفا، وسمح للمتشددين بالوصول إلى باحات المسجد الأقصى، يتقدمهم رمز العنصرية الصارخ عضو الكنيست إيتمار بن غفير، الذي حظي بحراسة الدولة وليس مجرد الشرطة.

قرار الحكومة الإسرائيلية فُسر على أنه جاء كتحدٍ من الحكومة لحركة حماس، التي حذرت وأنذرت بتكرار ما حدث قبل سنة، حين امتشقت سيف القدس وبادرت إلى مواجهة صاروخية مع إسرائيل.

الأسابيع القليلة التي سبقت مسيرة الأعلام، ومن خلال لغة التصعيد المتبادلة بين حماس وإسرائيل، بدا كما لو أن تفادي الحرب يحتاج إلى معجزة، ما ضاعف من تحركات الوسطاء لمنعها، فكان الجهد المصري والقطري هو الأبرز في هذا السياق.

إسرائيل التي تكثر من الأقوال بأنها غير راغبة في الانجرار إلى أي عمل عسكري على أي مستوى، عملت على خطين متوازيين؛ الأول الاستعداد للحرب كما لو أنها ستقع حتما، والثاني تحقيق نتائج الحرب دون أن تقع.

وإذا كان عنوان التوتر والتصعيد هو مسيرة الأعلام وفصل تهديدات حماس عن الارتباط بالقدس، فقد تسنى لها ذلك، وصار بوسع حكومتها المزايدة على معارضيها والزعم بأنها فعلت ما لم تفعله أي حكومة من قبل.

تنفست غزة الصعداء، فأهل القطاع المحاصر والمكتظ بالناس والأزمات، لم ينتهوا بعد من رفع أنقاض معركة سيف القدس، ومهما كانت وجاهة الدوافع إلا أن الثمن المقدر حسب التجربة كان فادحا، وحين مرت أيام التوتر والوقوف على حافة حرب تدميرية جديدة رحب أهل غزة بإحجام حماس ومن معها من الفصائل المسلحة.

غير أن حماس لم تخرج من هذه الأسابيع الحرجة سالمة تماما، بل نزفت كثيرا من صدقيتها، إذ صعدت إلى أعلى الأشجار في لغة التهديد والوعيد، وفي حالة كهذه يكون ثمن الصعود مضاعفا حين يكون النزول حتميا.

إسرائيل التي تتعامل مع فارق القوة بينها وبين حماس بصورة استفزازية، قامت بكل ما من شأنه أن يعزل حركة حماس عن القدس، وأن يجعل التصعيد من عدمه مرتبطاً بسلوكها تجاه المدينة المقدسة.

لم تكن الحكاية مجرد مسيرة الأعلام بل كانت أوسع وأعمق من ذلك، وهي السيطرة على المدينة كلها بما يوفر لها صدقية الزعم بأنها عاصمة إسرائيل منذ اليوم الأول لاحتلال المدينة المقدسة في حزيران 1967 وإلى يومنا هذا وإلى ما لا نهاية.

الحكومة الحالية في إسرائيل الواقفة على شفا حفرة الانهيار، كانت تتمنى لو أطلقت رشقات صواريخ من غزة، أو لو تبنت حماس عملية يسقط فيها قتلى وجرحى في أي مكان من الضفة أو وراء الخط الأخضر، فهي ترى في ذلك لو حدث فرصة ثمينة لقيادة مقتلة للفلسطينيين في غزة وليس غير هذا ما يمد في عمرها، ويزودها بنسغ حياة تفتقر إليه في الأوقات العادية، ومثلما ضاعفت من زخم مسيرة الأعلام كانت ستضاعف من منسوب الدم والدمار في غزة.

يؤخذ على حماس في هذه الأسابيع المتوترة،أنها رفعت من أسقف التوقعات حول رد فعلها على السلوك الإسرائيلي في القدس، وربما أيضا في باقي أنحاء الضفة، وبؤرتها الأكثر اشتعالا جنين وهذا أنتج نقاشا فلسطينيا واسعا حول مبدأ اللغة المرتفعة والقدرات المتواضعة، وهذه سمة لا تنفرد بها حماس وحدها بل معظم إن لم نقل جميع الفصائل الفلسطينية!

التجربة الدائمة قالت إن اللغة تتحول إلى عبء ثقيل حين لا تتوازن مع القدرة، وكثرة استخدام اللغة تعني نزفا متواصلا للمصداقية وهذا ما ينبغي أن يتم تجنبه.

ليس مطلوبا الإذعان لميزان القوى التقليدي الذي يميل دائما لمصلحة إسرائيل وإنما المطلوب أن يدار الصراع الحتمي والصعب بتوازن أكبر، وحسابات أدق، وهنا تظهر مواهب القيادة الفعالة والمنتجة في إدارة الصراع مع خصم قوي ويا ليتنا نرى نتائج ذلك غير ما نرى!