الجمعة  09 كانون الأول 2022
LOGO

رحلتي بين القلم والميكروفون والكاميرا (الحلقة 13)/ بقلم: نبيل عمرو

رؤيتي للإعلام الفلسطيني قبل أوسلو وأثناءها وبعدها

2022-07-17 11:20:00 AM
رحلتي بين القلم والميكروفون والكاميرا (الحلقة 13)/ بقلم: نبيل عمرو
نبيل عمرو

منذ نشوء القضية الفلسطينية في أوائل القرن الماضي، كانت بمثابة الإلهام المركزي، لكل مجالات الإبداع العربي وخصوصاً في مجال الثقافة والإعلام، وفي هذا الجزء من رحلتي، سأركز معالجتي للإعلام على الفترة التي تأسست فيها السلطة الوطنية على جزء من الوطن، بما فرضه ذلك من تغيير جوهري في الخطاب على صعيد المحتوى والآفاق والأهداف وحتى الأدوات. لن أدعي أني بهذا النص أعالج الإعلام الفلسطيني من كل جوانبه، كما لو أني أجري بحثاً تفصيلياً حوله، ولكني سأحاول معالجة الإعلام في زمن السلطة ومواكبته للقضايا والأحداث التي نشأت في عهدها، وكيف أسهم الإعلام في رسم صور غير دقيقة ان لم أقل غير صحيحة عن الواقع الذي نشأ في زمن الرهان على التسوية الجزئية، كما لو أنها مقدمة حتمية لولادة وضع فلسطيني جديد من كل النواحي، حيث إنهاء الاحتلال بعد انتهاء السنوات الخمس التي هي الفترة الانتقالية حسب وصف نصوص أوسلو، وانبثاق حياة جديدة يتمتع فيها الشعب الفلسطيني وهو في الطريق إلى الدولة بأفضل ما تتمتع به الشعوب المستقلة والدول المتقدمة. ولعل كثيرين يذكرون المصطلحات التشجيعية المخترعة والساذجة التي صارت في سياق التجربة العملية شديدة التعثر مجرد عمل دعائي تضليلي، مثل الوعد بتحويل الضفة وغزة إلى سنغافورة جديدة، يعوض فيها الفلسطينيون ما حرموا منه طيلة العقود التي عاشوها منذ احتلال وطنهم التاريخي في أوائل القرن الماضي، إلى ولادة السلطة الوطنية التي استقبلها الفلسطينيون كما أسلفت كمقدمة بديهية للدولة الكاملة المتكاملة.

وقعت الطبقة السياسية الفلسطينية وهي في غمار تجربة جديدة في مرحلة ما بعد الاعتراف بإسرائيل، في إسار حالة من شعور خفي بالذنب، فتأثر خطابها السياسي بهذه الحالة، فصار خطاباً تبريرياً لما حدث، ونشأ تنظير غير مألوف لمزايا الاعتراف بإسرائيل، بالاعتماد على أن هذا الاعتراف هو الممر الإجباري لإنهاء الاحتلال، والحصول على الاستقلال. وكان المتكأ الفكري لهذا الاتجاه السياسي والإعلامي، القرار الذي اعتبر كما لو أنه دستور، الصادر عن المجلس الوطني في دورته التي شرّعت لإقامة السلطة الوطنية على أي جزء يندحر عنه الاحتلال. كانت هناك رغبة فلسطينية جماعية بمغادرة المنفى إلى الوطن، خصوصاً بعد أن ضاق المنفى على الطبقة السياسية، فحوصرت وقلت مواردها حد الوقوف على حافة الإفلاس المالي والسياسي، وكانت قراءة هذه الطبقة للأحداث التي وقعت في حقبة ما قبل أوسلو، تتجه إلى اليقين بأن التطورات التي شهدتها المنطقة والعالم لا تجري في مصلحة الأهداف المحددة للحركة الوطنية الفلسطينية، فقد انهار الاتحاد السوفياتي الذي كان الفلسطينيون يسوقونه لأنفسهم كحليف وسند استراتيجي. وضعف دور الحليف المتبقي للفلسطينيين "صدام حسين" وطرحت فكرة مؤتمر مدريد للسلام. التي أحبت الطبقة السياسية الفلسطينية اعتبارها فرصة يتعين عليها أن لا تفوتها، خصوصا ًبعد أن شاعت اتهامات لهذه الطبقة بأنها لا تترك فرصة لإضاعة الفرص إلا وتغتنمها.

وبعد ترتيب حضور فلسطيني ناقص في مؤتمر مدريد تحت مظلة أردنية، اصطدم الفلسطينيون بما يخالف تقديراتهم المتفائلة حين صرح شامير بأنه سوف يشاغل الفلسطينيين طويلاً في المفاوضات دون أن يعطيهم شيئاً، وبذلك يكون قد حكم على فكرة المفاوضات التي انتقلت إلى واشنطن بالفشل المسبق.

كان استبعاد منظمة التحرير عن مائدة المفاوضات في مدريد وواشنطن، قد قرع ناقوس خطر لدى الطبقة السياسية التي يقف على رأسها ياسر عرفات، ورغم تعاون هذه الطبقة مع صيغة مدريد بما في ذلك إجازة دور السياسيين الذين لم يكونوا من رسميي منظمة التحرير، إلا أن قيادة المنظمة تلقت أكثر من رسالة تشي بأن الأمريكيين الذين هم عرابو المفاوضات،  يعملون بدأب لتوليد  قيادة بديلة، فقد كانت تركيبة الوفد الفلسطيني الذي يقوده حيدر عبد الشافي تشجع على اعتقاد كهذا، كانوا جميعاً يمثلون جميع قطاعات ومحافظات الوطن، الشكوك المتزايدة حول تحويل وفد عبد الشافي إلى قيادة بديلة وتحويل منظمة التحرير إلى عنوان مفرغ من الصلاحيات والمضمون، وليس لها أي دور سوى منح وفد الداخل الشرعية التي يحتاجها، حتى وصف بأنه دور "المحلل"، جعل قيادة المنظمة تنظر إلى وفد الداخل كما لو أنه قد توغل في عملية استبدال أمريكية، إلا أن وفد الداخل كان مدركاً لصعوبة وخطورة استبدال قيادة منظمة التحرير بهم، ذلك أن التواطؤ على أمر كهذا، سيقابله إجماع شعبي ومؤسساتي على أن الوفد يرتكب خيانة عظمى.

ظلت محادثات واشنطن تراوح مكانها لا تقدم بل ولا حتى أي دخول إلى صلب المواضيع التفاوضية، كان جمود محادثات واشنطن، والخوف من استبدال دور المنظمة الرئيسي بدور المحلل، قد هيأ للقبول بأول عرض مختلف، هو المحادثات السرية في أوسلو.

كيف كان الإعلام الفلسطيني في تلك الفترة التي لم تتجاوز زمناً طويلاً

 ظهرت على الإعلام رموزٌ جديدة أكثر فاعلية وتأثيراً من الرموز التي أنتجتها منظمة التحرير. وسطع نجم حنان عشراوي، السيدة الأنيقة ذات الحضور العصري المؤثر على جميع وسائل الإعلام والمتحدثة البارعة بلغة إنجليزية متقنة.

لم يكن بمقدور أي إعلامي فلسطيني من جهاز المنظمة ولا حتى من سفاراتها أن ينافس حضورها واهتمام العالم بها، ظهرت على الشاشات العربية والأجنبية وجوه كان الحضور الطاغي لرجالات منظمة التحرير الرسمية قد حجب الضوء عنها، فشهد الإعلام الفلسطيني في تلك الحقبة تطوراً نوعياً.

كانت حنان عشراوي وفيصل الحسيني وحيدر عبد الشافي نجوماً مفضلة على الشاشات التي كان من الصعب على رجالات ورموز منظمة التحرير الظهور عليها.

أما مضمون الإعلام الذي كان يؤديه النجوم الجدد، مع ملاحظة أني أوردت البعض منهم، فكان وطنياً بامتياز، كانوا في غاية الالتزام والذكاء، كانوا يعرفون أنهم تحت رقابة صارمة من قبل رسميي منظمة التحرير وفصائلها، فكانوا يواصلون التأكيد على أن منظمة التحرير هي قيادتهم العليا التي لا يرضون عنها بديلاً، وكانوا كذلك يؤكدون التزامهم بحتمية إنهاء الاستيطان مع إنهاء الاحتلال، كانوا لا يقومون بتلبية زيارة أو أداء فعالية سياسية إلا بعد حصولهم على إذن معلن من قبل قيادة المنظمة، لقد نجح النجوم الجدد في إسناد القدماء وإغلاق الأبواب أمام أي محاولة لاستبدال المنظمة بأي إطار آخر.

كانوا ورغم المقاطعة الأمريكية الصارمة لمنظمة التحرير ورجالاتها من مستوى عرفات إلى أي مستوى آخر، قد وفروا حضورا قويا للمنظمة وبدل أن تكون المنظمة كما أريد لها أمريكيا مجرد محلل أو غطاء للوفد، تكرست كقيادة فعلية عززت توجهاً نحو التعامل المباشر معها في أوقات لاحقة.

فترة الوفد كانت فترة ذهبية في الإعلام السياسي الفلسطيني، كانت وسائل الإعلام الأمريكية العملاقة، تعالج الوضع الفلسطيني من خلال تفوق إسرائيل في الحضور على الشاشات، وبالقطارة كانوا يمنحون الفلسطينيين بعض الدقائق الإعلامية، أفضلها ما كان يبدو محايداً ولو بصورة جزئية، صار النجوم الجدد ضيوفاً محببين على الشاشات الأمريكية والغربية عموماً، وأتيح للفلسطينيين ولأول مرة في تاريخهم أن يدخلوا بيوت الأمريكيين من خلال وجوه جذابة.

بحماس شديد، ذهب أقطاب القيادة الفلسطينية إلى المحادثات السرية في أوسلو، كان الإسرائيليون قد أيقنوا بأن لا جدوى من محادثات مع وفد لا يضع خيطاً في إبرة إلا بإذن من عرفات. فاعتمدوا مبدأ أقرب مسافة بين نقطتين هو الخط المستقيم، وحين أعلن نجاح أوسلو، وجرت الاحتفالات الزاهرة تحت الأضواء الكاشفة في واشنطن. وشاهد العالم تلك المصافحة التاريخية بين عرفات ورابين، حتى أن كثيرين قرصوا أيديهم للتأكد من أنهم لا يحلمون.

اختفى نجوم مفاوضات مدريد وأوسلو، وظهر القدماء الذين كانوا خائفين على دورهم ومكانتهم وما يسمونه بالثوابت على انهم في أمر التسوية أكثر تساهلاً من أولئك الذين اتهموا ولو دون إعلان، بأنهم صنائع بيكر.

شعر النجوم الجدد بأنهم خُدعوا، وأن قيادة المنظمة خذلتهم من خلال العمل من وراء ظهورهم، فتضاءل حضورهم الإعلامي من خلال تحفظهم المبرر على أوسلو.

كان من أبرز أسباب ضعف الإعلام الفلسطيني هو خفوت ألق النجوم الجدد، وعودة الوجوه القديمة لاحتلال الدور الرئيسي، فأية محطة بحاجة لحيدر عبد الشافي المبعد، ليكرر مقولته الرائجة لا سلام مع الاستيطان.

 كان متاحاً أن يتطور الإعلام الفلسطيني لو نجحت السياسة في إيجاد قدر من التوازن في الخطاب وأدواته ورموزه ووجوهه، غير أن الاختلاف الذي أوجدته أوسلو على كل الصعد.. اتخذ منحى سلبياً أثّر على الخطاب لغة ومضمونا وهدفاً.

يتبع.. أفول زمن الإذاعات والتلفزيونات والإعلام الرسم.