الخميس  01 كانون الأول 2022
LOGO

عملية الأغوار.. تحول في إدارة الاشتباك والعملية العسكرية الواسعة تبدو بعيدة

2022-09-06 11:21:11 AM
عملية الأغوار.. تحول في إدارة الاشتباك والعملية العسكرية الواسعة تبدو بعيدة

خاص الحدث

جاءت عملية الأغوار، الأحد 4 أيلول، لتدق ناقوس الخطر بالنسبة للمستويات الأمنية الإسرائيلية التي حاولت تقليص جغرافيا الاشتباك في حيز جغرافي مكشوف، كما في حالة مخيم جنين. فمنذ أن بدأت مجموعات المقاومة الفلسطينية تظهر في شمال الضفة الغربية تحت مسمى الكتائب، والتي شكلتها حركة الجهاد الإسلامي على وجه التحديد، كان التوجه الإسرائيلي يشير بوضوح إلى استراتيجية العمليات الخاطفة السريعة المؤذية، إما من خلال الاعتقال أو الاغتيال، والهدف منها هو قطع سلسلة النشاط أو الترتيب أو التنظيم وإبقائه في حالة من اللاتنظيم.

المحاذير التي تقف أمام تنفيذ عملية عسكرية واسعة في الضفة الغربية كبيرة، أهمها أن مثل هذه العملية قد تعيد من جديد العمليات إلى داخل المدن المحتلة، كما جرى بين شهري مارس وأبريل الماضيين. كان التقدير الإسرائيلي أن كثافة عمليات الاغتيال في تلك الفترة ساهمت في توجه منفذي العمليات إلى الانتقام في العمق. لذلك، سعت مؤسسة الاحتلال العسكرية إلى التقليل من عمليات الاغتيال وتكثيف عمليات الاعتقال وكان هذا واضحا في الأشهر التي تلت عمليات العمق، ولكن هذا أيضا شكل معضلة عملياتية تتمثل في الاشتباك لساعات طويلة مع المقاومين.

المسألة الأخرى التي تمنع من تنفيذ عملية عسكرية إسرائيلية واسعة بالضفة الغربية، هي إمكانية تدخل قطاع غزة، وفي هذا السياق يعترف جيش الاحتلال الإسرائيلي بأن مقدرته على القتال في أكثر من جبهة أمر صار مستحيلا تقريبا، وبالتالي فإنه يعمل ضمن خطوات مدروسة في الضفة الغربية حتى لا تدخل ساحة غزة على خط المواجهة، وبالإضافة للسبب العملياتي، يسعى جيش الاحتلال والمستوى السياسي الإسرائيلي لإبقاء فصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، لأن تكريس مثل هذه المعادلات يعقد من حرية عمله، وبالتالي يجد نفسه مضطرا لعدم القيام بعمليات كبيرة تضع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة أمام استحقاق لا مفر منه. 

سبب آخر وراء عدم الخروج لعملية واسعة، هو إمكانية انضمام مناطق أخرى من الضفة ما زالت تصنف على أنها هادئة، خاصة جنوب الضفة، ونسبيا وسطها. إن التقديرات الإسرائيلية في هذا الشأن تشير إلى أن عملية كهذه قد تفعّل مناطق أخرى وبالتالي تصبح نتائجها عكسية، وهذا سيكون بمثابة فشل كبير لها، خاصة وأن الفصائل الفلسطينية تحاول بكل ثقلها تنشيط جنوب الضفة الغربية وإلحاقها بحالة الاشتباك في الشمال، وقد يكون هذا من أسوأ السيناريوهات التي قد تحدث في حالة وقعت هذه العملية.

في ضوء هذه المحاذير وغيرها، اتجهت إسرائيل نحو سياسة العمليات المركزة، لكنها عادة ما تلوح بتنفيذ عمليات واسعة، لا تبدو قريبة في هذه المرحلة. لكن المتغير الجديد الذي طرأ في الأيام الأخيرة هو أن قدرة جيش الاحتلال على إبقاء الحالة داخل حيز جغرافي ضيق ومحدود نسبيا لم تنجح. في حالة نابلس مثلا، استطاعت مجموعات المقاومة هناك من تنفيذ عمليات على الشوارع التي يسلكها المستوطنون، وقد أدت هذه العمليات إلى إيقاع إصابات في صفوف المستوطنين والجنود.

ورغم أن جنين غير محاطة بالمستوطنات كما نابلس، إلا أن عملية غور الأردن جاءت للتذكير بإمكانية ذهاب المقاتلين إلى ما هو أبعد من جنين، وبالتالي الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، أو بتعبير أدق، قد يتحولون إلى مبادرين أكثر من كونهم مدافعين عن حيزهم الجغرافي، وهذا على عكس الاعتقاد الإسرائيلي بأن المقاومين يتحركون بمنطلقات اجتماعية جغرافية أكثر، وهم عبارة عن مجموعات مسلحة تقاتل عن بيئتها الاجتماعية والجغرافية الخاصة ولا نية لديها للمبادرة.

التقدير بعدم تنفيذ الاحتلال لعملية عسكرية واسعة تقابله كثافة في نشر وسائل الإعلام الإسرائيلية، تقارير حول استعداد جيش الاحتلال لتنفيذ عدوان عسكري واسع في شمال الضفة الغربية. ترافق ذلك مع شائعات جرى بثها عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن أوامر صدرت من رئيس هيئة أركان الاحتلال أفيف كوخافي للجيش، بالاستعداد لعدوان عسكري كبير.

الحديث عن عدوان عسكري واسع شمال الضفة الغربية، تكرر أكثر من مرة عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية، خاصة قبل زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للمنطقة في يوليو الماضي. قبل ذلك أيضا جرى تناقل أنباء عن استعدادات لجيش الاحتلال لتنفيذ عدوان واسع بعد العمليات التي وقعت في الأراضي المحتلة 1948 بين شهري مارس وأبريل.

قد يكون بالفعل هناك عدوان قادم، وقد لا يكون، فالأمر مرتبط أكثر بحسابات الاحتلال السياسية والعسكرية في المرحلة الحالية، لكن من المهم الإشارة إلى أن مثل هذه الأخبار والتقارير يتم توظيفها لجمع المعلومات الاستخباراتية والميدانية.

تفترض أذرع الاحتلال الاستخباراتية أن الفصائل الفلسطينية والمقاتلين بشكل عام يبنون تقدير الموقف لديهم من خلال مصادر عدة؛ وهي التصريحات الرسمية التي تصدر عن قادة الاحتلال السياسيين والعسكريين، التقارير التي تنشرها وسائل الإعلام، التحركات الأمنية والعسكرية الميدانية، معلومات من جهات خارجية، ومعلومات استخباراتية وهذه فرصتها غير متوفرة على نطاق واسع بسبب عدم امتلاك الأدوات القادرة على إحداث اختراقات استخباراتية مهمة.

إن مثل هذه التقارير تساهم في خلق نقاش وتحركات لدى الطرف المستهدف، يشمل ذلك مناقشات على وسائل التواصل الاجتماعي بين أطراف فاعلة وغير فاعلة (نقاشات عامة)، وتحركات ميدانية للمقاتلين ونقاشات واتصالات فيما بينهم ومع أطراف أخرى قد يجري بعضها عبر وسائل الاتصال المختلفة، ونقاشات بين قادة الفصائل الفلسطينية للاتفاق على موقف معين في حال قيام الاحتلال بعدوان كهذا، وأيضا مناقشات بين أطراف فاعلة إقليميا.

هذا الحراك من المناقشات والاتصالات والمشاورات، مهم بالنسبة لأذرع الاحتلال الاستخباراتية، فهو يوفر لها معلومات مهمة في بعض الأحيان، تستطيع من خلالها أن تبني تقدير موقف عن ظروف وتبعات أي عدوان واسع مستقبلي، والمقصود بالمهمة ليست فقط أنها توفر معلومات استخباراتية مباشرة، أو ما يطلق عليها بـ "الحقيقة الاستخباراتية"، بل توفر كذلك تصورا استخباراتيا "المعرفة الاستخباراتية" والمقصود بها الوصول للنقاشات العامة وفهم توجهات الجماهير وبناء سيناريوهات معينة للحراك الشعبي المحتمل بناء على ذلك.

كانت واحدة من الاستنتاجات التي توصلت لها أذرع الاحتلال الاستخباراتية بعد حرب أكتوبر 1973، هي أن الإحاطة بالنقاشات العامة عبر معالجة منهجية، تضمن إحباط عنصر المفاجأة، من خلال مسح معلوماتي للساحة الخلفية أو اللامرئية في بيئة العدو، بما يضمن الوصول إلى مجموعة من السيناريوهات المتوقعة ذات النطاقات المتعددة.

هذه التقارير الصحفية والشائعات قد توفر للاحتلال "حقائق استخباراتية مباشرة" و"معرفة استخباراتية"، وهذه تندرج في إطار تحضيره أو فهمه لتبعات أي عدوان، بينما إذا كانت نسبة "الحقائق الاستخباراتية" و"المعارف الاستخباراتية" أقل من المطلوب بالنسبة له، فإن هذا يساهم في إحداث نوع من الضبابية لديه فيما يتعلق باتخاذ القرار.

أحد الأمثلة الواضحة على استخدام "العملية العسكرية الواسعة" في إطار البروباغاندا الهادفة هو تناقل صحفيون ومترجمون ومحللون وصفحات ومواقع إخبارية فلسطينية يوم السبت الماضي حديثا منسوبا لمراسل الشؤون العسكرية في القناة 13 العبرية أور هيلر يقول فيه: "الليلة سيستأنف الجيش عمليات الاعتقال في الضفة وستكون مهمة وكبيرة جدا". وعلى عكس ما جرى تداوله والتوقعات التي بنيت على هذا الأساس، انتهت الليلة الماضية بثلاثة معتقلين فقط.

ورغم أن المراسل الإسرائيلي هيلر في الحقيقة لم يجزم فيما يتعلق بوجود قرار بتكثيف الاعتقالات الليلة الماضية، ولم يقل إنه ينقل معلومة أو قرارا، وترك الأمور مفتوحة في سياق التقديرات، وما تم تناقله ترجمة مغلوطة نسبيا، إلا أن كثيرين نقلوا عنه بصيغة تشير إلى وجود قرار بتكثيف الاعتقالات ليلة السبت الماضي، وهو ما خلق حالة من الترقب والنقاش والجدل.

لم تشهد الليلة التي تحدث عنها المراسل الإسرائيلي اعتقالات واسعة في الضفة الغربية، بل إن عدد المعتقلين كان الأقل منذ أشهر، لكن بحسب المتابعة الميدانية لصحفيين وشهود عيان وتوثيقات انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، انتشرت طائرات استطلاع إسرائيلية في سماء مدن الضفة، خاصة جنين ونابلس، وقد يكون الهدف من ذلك رصد تحركات واتصالات كاستجابة عملية من طرف المقاتلين للإشاعة التي انتشرت بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي.

في هذا السياق لا بد من التذكير أنه في عام 2017 أعد الجنرال احتياط في جيش الاحتلال ديفيد سيمان توف، والجنرال احتياط ديفيد ستيرنبرغ، الرئيس السابق لقسم التحكم في شعبة الاستخبارات العسكرية التابعة لجيش الاحتلال، دراسة تحت عنوان "الجهد المفقود.. دمج البعد الناعم في العمل العسكري"، كشفا فيها أن نشر بعض المعلومات مجهولة المصدر عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى بعض التقارير الصحفية، هو جزء من المعركة التي يديرها جيش الاحتلال ضد الفلسطينيين.