الخميس  01 كانون الأول 2022
LOGO

مراجعة كتاب الافتراضي والثورة

2022-09-25 09:05:58 AM
مراجعة كتاب الافتراضي والثورة
غلاف كتاب الافتراضي والثورة

الحدث الثقافي

 

عنوان الكتاب: الافتراضي والثورة: مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع مدني عربي

الكاتب: جوهر الجموسي

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات

مكان النشر: بيروت، لبنان

سنة النشر: 2016

عدد الصفحات: 244

 

 

نقدم هنا للمراجعة هنا كتاب:" الافتراضي والثورة: مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع مدني عربي"، للدكتور جوهر الجموسي[1]. يأتي الكتاب في ثلاثة فصول رئيسة، مع مقدمة مطولة وخاتمة موجزة. 

تنطلق الدراسة التي يقدمها الجموسي من فرضية أساس تتمثل كما يقول بأن: قوة اقتحام الجمعيات لما هو مجتمعي وسياسي أدت إلى ضربٍ جديدٍ من العمل السياسي الذي يتجه نحو إيجاد منظومة سياسية جديدة قوامها المجتمع المدني، والذي يوظف الافتراضي الرقمي بلا حدود. ويفترض أيضاً، أن هذا الأمر يدفع باتجاه انكماش الأحزاب السياسية بمفهومها التقليدي، لتطفو على الساحة ممارسة جديدة للسياسة. معتبراً أن التلاحم الناشئ ما بين عمل الجمعيات والقوى المدنية المختلفة من جهة، ووسائط الاتصال من جهة أخرى قد أدى، عبر توظيفِ كلٍ منهما للآخر، إلى أن تبرز على الساحة العربية جماعات افتراضية واسعة الانتشار الجماهيري، وأن تقتحم الجمعيات والمدني عالم السياسة لتغير واقع المجتمعات السياسية. وهو يجادلُ، وعبر فصول كتابه، بأن نقل القوة وإعادة توزيعها وانتشارها داخل المجتمعات العربية خلال مرحلة "الثورات"، وما بعدها، بفعلِ الافتراضي، قد نجم عنه نشأةُ مجتمعٍ مدني عربيٍ فاعلٍ في الفِعْلِ السياسي والإعلامي والاجتماعي.

ومن هنا، يقدِّمُ الجموسي، إشكالية دراسته الرئيسة، والتي تتمحورُ حولَ مسألة مركزية ترى أن السياسة في أثناء الثورات العربية وبعدها، أصبحت مشاعةً للجميع، ومن فعلِ الجميع، من خلال الجمعيات والقوى المدنية التي تستعملُ وسائط الاتصال، ولا سيما الانترنت، في تحركاتها الميدانية داخلياً وخارجياً، وفي فعل الانتفاض على السائد، والثورة على الأنظمة القائمة.

وهو للتحقق من فرضية الدراسة، ولحل إشكاليتها، يضعُ تساؤلات دراسته في عشرة أسئلةٍ، يمكنُ تلخيصها وإجمالها في أنها تحاول الإجابة على ماهية العلاقة ما بين تكنولوجيات الاتصال وما بين مؤسسات المجتمع المدني، وكيف أثرت في خلق مؤسسة مجتمعية جديدة، تجاوزت المؤسسة السياسية التقليدية ممثلة في الأحزاب السياسية ومجالس النواب، لتؤسس للانتقال من الديموقراطية السياسية إلى الديموقراطية الاجتماعية عبر الديموقراطية التشاركية. وهو يتساءل كذلك حول عملية إعادة توزيع علاقات القوة بين المجتمع والدولة، وبين الفرد والدولة والمؤسسات، بفعل وسائط الاتصال الحديثة، واضعاً تساؤلاً آخر بشأن مدى تحول دور الفرد الافتراضي إلى مركز قيادة سياسية ومركز إنتاج للحقيقة.

وهو للثتبت من فرضية دراسته، وحل إشكاليتها، والإجابة على أسئلته، يعتمد منهجية تعددية، أي معتمداً على أكثر من منهجٍ للدراسةِ، من بينها (المنهج الوثائقي)، والذي هو منهج يعتمد على تحليل الوثائق والنظر فيها ودراستها بهدف التوصل إلى حقائق ثم نتائج سليمة وتعميمات. وذكر أيضاً، الجموسي، أنه اعتمد على المنهج الوصفي، ومن خلاله توقف عند استخدام المنهج الكمي، والوصفي الكيفي لظاهرة السياسة والمجمتع المدني في شكله الجديد بفعل تدخل الوسيط التكنولوجي. واعتمد في بعض المواضيع المنهج الإحصائي الذي ينصب على تحليل النتائج عديديا. وحاول من خلال ذلك، رصد الأرقام والإحصاءات المتوافرة عن وسائط الاتصال المختلفة في العالم، ومجالات استخدامها من المجتمعات الحديثة، وذلك في سبيل الإضاءة على طبيعة العلاقات والتوازنات القائمة بين وسائل الإعلام المختلفة وعمل المجتمع المدني والجماعات الافتراضية. وهو في هذا الصدد، استخدم في الفصل الثاني من كتابه، استبياناً لعينة قصدية مكونة من مئة فردٍ من المدونين والناشطين في الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني والباحثين والإعلاميين، وعلى مقابلات أجريت مع ثماني شخصيات من ناشطين إلكترونيين وباحثين وإعلاميين. وفي مقدمة كتابه، يعيد التأكيد في أحد الهوامش، على استخدامه ضمن منهجيته التعددية، المنهج التاريخي الذي مكنه من الاستفادة من الماضي لفهم وتفسير الحاضر، باعتبار أن المسألة الجمعياتية تتطور بشكل مرحلي في اتجاه تكثيف حضور المجتمع المدني وتقوية أثرة.

أما على صعيد الساحة المفاهيمية، فيبدأ الجموسي بتوضيح المفاهيم الأساسية التي يريد استخدامها، مشيراً إلى أنه سيقوم بتعريفها من خلال فصول كتابه، من قبيل المقصود بـ: المجتمع المدني، الجمعية، المنظمة، مجتمع المعلومات، الجماعات الافتراضية، وغيرها من المفاهيم. غير أنه في مقدمة كتابه يقدم شرحاً لمفهومين أساسيين هما: المجتمع المدني والواقع الافتراضي.

ويستعين الجموسي، في تعريفه للواقع الافتراضي، بمارك أوجيه، الذي يقول إن الواقع الافتراضي اشتقاقاً يعني غير الواقع، والخيالي، واللامكان والفناء واللاشيء واللاوجود، فـ "اللامجال" هو ذلك الذي يفتقد إلى الهوية والبعد العلائقي والتاريخ، وهو بحسب بودريار ما هو فوق الواقع. وهنا يتساءل الجموسي كيف يمكن أن يكون هنالك فعل مدني سياسي ناشئ بين الواقع والخيال أو فوق الواقع؟ ويحاول الإجابة باعتبار أن الافتراضي وإن كان يعني الخيالي، فهو في نفس الوقت ليس خيالياً لأن له صدى ملموسا، وله تأثير مدرك. وبتعبيره فإن العالم الرقمي الذي دخلته البشرية منذ عشريتين رج أشكال الممارسات اليومية للفرد كلها وأحدث تحولات كبرى.

التعريف الثاني، والذي يوضحه في المقدمة، هو تعريف المجتمع المدني، الذي يتشكل، بالنسبة له، من حالة التماهي ما بين الجمعيات والمجتمع المدني، كما ويستند إلى تعريف المنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة- اليونسكو، التي تعرفه بأنه "مجموع المنظمات غير الحكومية، التي ليست لها أهداف ربحية". ويجتهد الجموسي، ليضيف إلى هذا التعريف، ما توصل له في دراسته، باعتبار القوى المدنية والجماعات الافتراضية التي أفرزتها الانترنت جزءا من المجتمع المدني الحديث.

ويمضي بعدها الجموسي، في فصول كتابه، محاولاً إثبات فرضيته، إذ يوضح في الفصل الأول للقارئ كيف أن وسائط التواصل الاجتماعي قد أخرجت المواطن من حالة تلقي الخبر والمعلومة السياسية من جهة واحدة محتكرة لها وللعملية السياسية، نحو صناعة الخبر وبالتالي صناعة الفعل السياسي، وهو ما نجم عنه بالتالي ثورات الربيع العربي. لذا فقد خلقت التقنية التكنولوجية وآلية التواصل نخباً سياسية جديدة إلى جانب انكماش السياسة بمفهومها التقليدي، لتطفو على الساحة سياسة من نوعٍ آخر، قوامه المواطن الحاضر صانع الحوادث.

إذ يرى، الجموسي،  أن السياسةَ قد تحولت باتجاهين؛ الأوَّل: باتجاه المجمتعِ المدني، خارجةً من الإطار التقليدي لها المتمثل في الأحزاب السياسية نحو فضاءات كانت نفياً لها، أي المجتمع المدني. بمعنى أن المجتمع المدني أصبح يقوم بأدوار سياسية كتلك التي كانت تقوم بها الأحزاب السياسية. البعدُ الثاني: اتجهت فيه السياسة نحو الحيز الافتراضي، لتنشأ كما يقول الجموسي، قوى حزبية افتراضية تتمتع بمجهولية الهوية، ليتسرب المجمتعُ السياسي إلى داخلها، فيتماهي السياسي مع بنية الافتراضي في خفائية الهوية ووهمية الاسم واستعارته. وهذا أدى إلى تقدم الحيز الافتراضي على حساب الحيز السياسي العام، بفاعلية أكبر وبقدرة أعلى على التأثير. والإيجابية المتمثلة هنا، نتجت بحل الخلافِ أو الصراع الذي كان قائماً ما بين المدني والسياسي، فاليوم نرى ذلك التداخل ما بين المدني والسياسي الذي يخلق حالةً من التكاملُ ما بين المجالين في إعادةِ إنتاجِ المعنى، وإعادةِ إنتاج الوعي، وإعادة توزيع للقوةِ ما بين الدولةِ والمجتمع. وهذا كان نتيجتهُ، أيضاً، إعادة نقل القوةِ لصالحِ المجتمعِ المدني ما أدى إلى نشأة مجتمعٍ مدني فاعلٍ في العمل السياسي والاجتماعي والإعلامي، فارضاً حضوره بقوةٍ على القوةِ السياسية، التقليدية، لتقود بالمحصلة إلى أن تصبح السياسة مشاعاً للجميع في أثناء ثورات الربيع العربي وبعدها، ومن فعل الجميع، ومن خلال الجمعيات والقوى المدنية التي تستعمل وسائط الاتصال في تحركاتها الميدانية داخلياً وخارجياً، وهي الإشكالية النظرية التي يتمحورُ حولها كتاب الجموسي.

في المقابل يرى الجموسي أن الأحزاب السياسية بدأت تفقدُ مصداقيتها وبدأ دورها في التراجع لصالح القوى المدنية التي تمكنت من توظيف الثورة الرقمية في التفاعل مع متطلبات الثورات وما بعدها.

ويرى الجموسي أن تقنيات الاتصال قد أدت بالأحزاب السياسية ما بعد الثورات إلى تطوير آليات عملها لتطوير قدرتها على الفعل والتأثير والاستقطاب. إذ تغيرت الممارسة السياسية ولم تعد قائمة على "كاريزما القائد" الضامن لديمومة الحزب، ولا على القدرة الخطابية على التعبئة، إذ تراجعت الكثير من المفاهيم أمام/ أو تدخلت فيها عناصر التقنية بقوة. ويرى أن المتغير الجديد الذي تراهن عليه الأحزاب هو المقدرة على تسويق خطابها تقانيا واستغلال تكنولوجيات المعلومات والاتصال إلى المبادرة بالفعل.

وخلال مناقشة الفصل الثاني من كتابه، والذي يحمل عنوان: "تطور الافتراضي الرقمي والفرضيات الممكنة لثقافة المطلبية، يرى الجموسي أن تكنولوجيا المعلومات والاتصال قد أدت إلى تفعيل دور المجتمع المدني العربي، من خلال مساهمتها في توفير حضور واسع له وتطوير مشاركته كما وكيفاً، وفتحت له آفاقاً للفعل تفطنت له السلطات السياسية في البلدان العربية ما قبل الثورات وبشكل متأخر نسبياً وفي فترات يصعب غلق منافذها، ما أدى إلى خلق معادلة جديدة في تعبئة الشارع. ويشير الجموسي إلى أن الفضاءات الافتراضية قد وظفت من قبل القوى المدنية ولعبت دورا حاسما في قيادة الثورات وتحديداً الثورة التونسية، ويقدم الجموسي العديد من الأمثلة لنشطاء ولمجموعات عملت عبر الإنترنت لتحريك الثورة.

ومن ثم ينتقل الجموسي، وعبر الفصل الثالث من الكتاب، والذي يحمل عنوان: "المستحدث الافتراضي والسياسة"  ليُشير إلى أن الافتراضي يقود تحولات عميقة في المجتمع السياسي وأصبح المجتمع الحديث فضاء اتصالياً يقوم على الاتصال الشبكي، الذي أصبح ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية تتدخل بعمق في تشكيل وعي الناس.

يقول الجموسي إن الرقمي الافتراضي قد أصبح متحررا من الضوابط السياسية، وهذا التحرر قد ساهم في إنتاج القوة وإعادة توزيعها من خلال علاقات القوة بين المجتمع والدولة والفرد والدولة والمؤسسات. ويرى الجموسي أن الفعل السياسي قد انساق بتراجع أدوار الأحزاب السياسية وتنامي دور المجتمع المدني والجماعات الافتراضية من خلال الثورات نحو التشاركية

وفي خاتمة الكتاب، يوجز الجموسي أهم ما توصل إليه في الآتي:

- استفاد الثوار من الرقمي كقوة لها أربعة خاصيات أساسية تمكنها من الانتصار: فهي قوة لا ممركزة، قوة معولمة، قوة منسقة، قوة منتجة للسطة. وهو أوصل المجتمع المدني العربي ممتد بشكل لا مركزي بين المركز والهامش والتخوم وهو مجتمع معولم وليس محليا فحسب ومنتج للسلطة ومدمر للسلطات ربما.
- أصبحت السياسة مشاعة للجميع ومن فعل الجميع من خلال الجمعيات والقوى المدنية التي تستعمل التكنولوجيا ووسائط التواصل الاجتماعي في تحركاتها الجماهيرية.
- أدى اقتحام القوى المدنية والجمعيات والمنظمات والجماعات الافتراضية لما هو مجمتعي وسياسي إلى تشكل جديد للفعل السياسي، ينزع نحو إيجاد منظومة سياسية جديدة قوامها المجتمع المدني الفاعل في المجال الافتراضي أساساً.
 وأدت قوة الاقتحام هذه إلى انكماش الأحزاب السياسية التقليدية.
- تحولت الانترنت إلى عنصر مجدد للفعل السياسي، وأنتجت مجالات واسعة لإيجاد عالم سياسي افتراضي مواز للوقاع أتاح إمكان تعريية الواقع.
- أفرز الواقع الاتفارضي الرقمي السياسي المدني المستجد، مفهوما جديدا يمكن تسميته "النضال المدني" و"النضال المدني الإلكتروني"، الذي ما انفك يحل محل النضال السياسي التقليدي.
- أصبح الافتراضي مرتبطا في كنه وجوده وفلسفته بالمجتمع المدني وطبيعة الحراك السياسي في المجتمع.

-لم تتمكن وسائط التواصل الافتراضي في العالم العربي أن تتحول إلى سلطة ضغط فيما يتعلق بصناعة السياسات، إذ اقتصر دورها على أغراض سياسية احتجاجية تضع الأساس لثقافة مطلبية.

مداخلة نقدية

يُساعدنا كتاب جوهر الجموسي على توثيق وفهم ما حدث من استخدام لوسائط التواصل الاجتماعي إبان ثورات الربيع العربي، وتحديداً في دولة أنجزت شروط الخروج من مأزق ما بعد الثورة مثل تونس. ورغم الاتفاق مع فاعلية الوسائط الإلكترونية الحديثة وما جلبت معها من تأثير على مخرجات العملية الثورية، إلاّ أنه بالإمكان الإشارة إلى مجموعة أساسية من الملاحظات المتعلقة بجوهر وسياق الدراسة.

من أبرز تلك الملاحظات هو حصر سياق الدراسة في دولة مثل تونس ساهم إرثها الاجتماعي "البورقيبي"، في نجاح ثورتها، والذي لا يمكن أن يُشكل وحدهُ أنموذجاً دراسياً قابلا للتعميم على الدول العربية، وخاصة دول أثبتت فشلها في تخطي ما بعد الديموقراطية كليبيا، وأخرى حافظت على إرثها السابق للثورة وأعادت إنتاجه مثل مصر.

هذا الأمر يُطور لدينا أيضاً ملاحظة منهجية تتعلق بالمنهجيات المتبعة في الدراسة؛ فعلى الرغم من إشارة الكاتب إلى أنه قد اعتمد على منهجية تعددية، تتراوح ما بين المنهج الوصفي والوصفي الكمي والمنهج التوثيقي والمنهج التاريخي، إلا أن الدراسة المقدمة، كان بإمكانها أن تستفيد وتعتمد على منهجية أخرى، وهي منهجية "دراسة الحالة Case Study" لعلها تكون أصوب في التوصل لنتائج أكثر قدرة على التفسير والتحليل، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الدراسة تركز فقط على الحالة التونسية، وذلك رغم الدلالات التعميمية المشار إليها في عنوان الكتاب "الافتراضي والثورة: مكانة الإنترنت في نشأة مجتمع مدني عربي". وهذا الأمر، هو ما ساهم في خلق حالة من الإرباك لدى القارئ؛ إذ لم يتمكن الجموسي من الانطلاق من خصوصية الحالة التونسية، ورصد إمكانية تعميمها على بقية دول الربيع العربي. هذا فضلاً عن كونه لم يشرح لما فعل ذلك؛ ولما لم يفعل، وأعني التعميم في العنوان، والتخصيص في الدراسة.

من جهة ثانية، لم يكن واضحاً بالنسبة للقارئ، لماذا لم يعط الجموسي مساحةً أوسع لتعريف المجتمع المدني، خاصةً وأنه يشكل مفهوماً محورياً ومركزياً في أطروحته، ولماذا حصره في التعريف المقدم من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم- اليونسكو، وذلك على الرغم من وجود مراجعات ومرجعيات أدبية وفيرة بهذا الصدد، والتي تحدد معنى وطبيعة المجتمع المدني، عوامل نشوئه، وظروف خمولِه، ودوره في عمليات التحول الديموقراطي. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الجموسي يُحاولُ كذلك تطوير المفهوم، بتوسيع أفق مكوناته عبر إدخال القوى الافتراضية، ووسائط التواصل الاجتماعي والمؤثرين الناشطين في استخدامها، كقوى لم تكن موجودة في البنية التكوينية للمجتمع المدني ما قبل حراكات وثورات الربيع العربي، فإنه يصبح من الضرورة بمكان، توسيع نقاش فهم المجتمع المدني ما قبل ثورات الربيع العربي، وما بعدها.

إن تمكن الجموسي من المزاوجة بين ما هو سوسيولوجي وما هو تقني، وتقديم "خلطة" تجمع الاثنين معا، تعيدنا للتساؤل من جديد حول منهجيته، وعلى الرغم من أن الجموسي، قد استعان بمسحٍ استبياني، لعينة قد لا تعبر عن تمثيلٍ حقيقي، وهو ما أشار له الكاتب بنفسه من عدم تمثيلها العلمي للواقع العربي، فإنه استطاع بشكل عام أن يؤكد الفرضية القائلة بأن الجمع بين شبكة العلاقات الإنسانية والتقنية المكونة للواقع الافتراضي، بإمكانه أن يسهم في نشوء مجتمع مدني جديد.

وهذا يقودنا إلى تساؤلٍ مهم يتعلق بدور المجمتع المدني وتوظيفه لوسائط التواصل الاجتماعي ودور الإثنين في عمليات التحول الديموقراطي، وهي مسألة في غاية الأهمية لم يتم التركيز عليها في أطروحة الجموسي بما يكفي. إذ، وعلى الرغم من، استخلاص الجموسي في خاتمة كتابه أن العالم الافتراضي في العالم العربي لم يستطع أن يتحول إلى سلطة في تشكيل الرأي العام ومجموعات الضغط، كما هي الحال في البلدان الغربية، فإن الجموسي لم يشرح لنا لما لم ينجح في أن ينطلق المجتمع المدني العربي ما بعد الثورات إلى دور أبعد، أو لماذا لم يؤد هذا التدخل إلى تحول ديموقراطي في دول عربية أخرى، أو في أضعف تقدير لماذا لم يتتبعه في الحالة التونسية التي هي موقع الدراسة هنا.

من جهةٍ ثانية، لم يطرح الجموسي  مسألة في غاية الأهمية تتعلق  بـ "الآخر"، الذي هو كل ما لم يشمله الجموسي تحت تعريفه للمجتمع المدني، أو بالإمكان حصره هنا كمثال، السلطات السياسية الناشئة ما بعد الثورة، أو السلطات التي أعادت إنتاج نفسها. بمعنى، السلطات السياسية التي نشأت في خضم الربيع العربي، التي لم تترك العالم التواصلي الجديد لا حكرا على منظمات المجتمع المدني وعلى الناشطين الأفراد، وإنما اقتحمته بكل قوة، إن لم يكن بكل مقدراتها التقنية والبشرية، ما أدى إلى خلق حالة ما عُرف بـ "الثورات المضادة". إذ يثيرُ هذا الأمر - مسألة استخدام السلطات السياسية للعالم الافتراضي-  تساؤلاً بشأن حجم تأثيرها في تعطيل عملية نشأة مجتمع مدني جديد في العالم العربي، قوامه كما يقول الجموسي المشاركة بقوة في الفعل السياسي.

وإذ يُحسبُ للجموسي، أنه يقدم طرحاً رصدياً في محاولة تفسيرية لحالةٍ ما زالت قيد الحراك، فإنه بالإمكان القولُ كذلك أنه يُسجَّلُ للكاتب طرحه موضوعاً سجالياً ما زالت النقاشات والتحليلات الأكاديمية جاريةً بشأنه، فهو بذلك يقدم أرضيةً تؤسس للانطلاق منها، من نجاحاتها وإخفاقاتها في إنتاج معرفةٍ عربية عن واقعنا العربي.

 

 

 

 [1]  جوهر الجموسي: حاصل على الدكتوراة في علم الاجتماع، وهو أستاذ مختص في علم اجتماع الاتصال بالمعهد العالي لفنون الملتيميديا في تونس. وهو رئيس الجمعية التونسية لقانون الإنترنت، وعضو في المجلس العلمي لمخبر البحث في "الثقافات والتكنولوجيا والمقاربات الفلسفية. أصدر عدة كتب منها: الثقافة الافتراضية (2006)؛ المجتمع الافتراضي (2007)؛ مدخل إلى قانون الإنترنت والملتيميديا (2010).