الخميس  01 كانون الأول 2022
LOGO

المعارك الدبلوماسية الوهمية| بقلم: نبهان خريشة

2022-10-03 10:21:08 AM
المعارك الدبلوماسية الوهمية| بقلم:  نبهان خريشة
نبهان خريشة

رواية "دون كيشوت" للأديب الإسباني "ميجيل دي سيرفانتس"، تحكي قصة "ألونسو كيخانو" الذي كان مولعا بقراءة  كتب الفروسية، ويصدق ما يرد فيها، على الرغم من أن أحداثها غير واقعية.. "ألنسو" الذي اطلق على نفسه إسم "دون كيشوت" قرر شد الرحال كفارس، بدرع قديمة وخوذة بالية، وممطيا حصانا أعجفا هزيلا، وبمساعدة خياله الفياض، كان يحول العالم الحقيقي الى ما يتناسب مع عصر الفرسان الذين قرأ عنه في الكتب.

القيادة الفلسطينية لا تؤمن بالفروسيه ولا بالفرسان، ويتجلى هذا في كافة مواقفها بعد تشكيل بنيامين نتنياهو حكومته في العام 2009، إذ بدأت آمالها بالتوصل الى السلام، وإقامة الدولة الفلسطينية بالتلاشي شيئا فشيئا، بعد تراجع نتنياهو عن التفاهمات الفلسطينية – الإسرائيلية مع سلفه إيهود اولمرت، إلى ان أدار ظهره نهائيا عن حل الدولتين والمبادرة العربية، والمبادرات الآوروبيه والجهود الأمريكية، وبدأت القياده ببذل جهود دوبلوماسية في ساحات دولية متعدده، للضغط على اسرائيل للعودة للمفاوضات لكن دون جدوى.

وفي العام 2012 حصلت فلسطين على مركز دولة غير عضو، بصفة مراقب في الأمم المتحدة، الأمر الذي منحها الحق بالتقدم بطلب الانضمام إلى عضوية الوكالات الدولية المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، والعديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وبعد مرور أربعة أعوام، كان التساؤل: إلى أي مدى استفادت القيادة الفلسطينية من النتائج التي ترتبت على ترقية عضوية فلسطين إلى دولة مراقب في الأمم المتحدة؟

القيادة اكتفت بالحد الأدنى من الاستفادة من الحصول على مكانة الدولة بصفة مراقب، بسبب الضغوطات الإسرائيلية والأميركية، وبسبب غياب الرؤية الإستراتيجية الوطنية، للتعاطي مع المكاسب القانونية والسياسية، وفق إستراتيجية متكاملة تقوم على تدويل الصراع مع إسرائيل، إضافة إلى إستمرار رهانها على المفاوضات، وعدم سعيها الجدي للتحلل من التزامات اتفاقيات أوسلو على أساس المعاملة بالمثل، وبإتخاذ إجراءات فعلية على الأرض، كإصدار قانون الجنسية، أو إعادة النظر في شكل ووظائف السلطة، أو إجراء انتخابات برلمان دولة، بالإضافة لإستعادة الوحدة الداخليه .

وتزامنت المواقف والاجراءات الإسرائيلية المدعومه أمريكيا، مع تراجع مكانة القضية الفلسطينية عالميا وإقليميا في ظل الانقسام الداخلي، والإنشغال العربي بالصراعات في الإقليم، الأمر الذي إنعكس على السياسة الرسمية الفلسطينية، التي إتسمت بالتردد والتخبط والإنتظار، دون التحرك الفعلي للإستفاده من حصول فلسطين على مكانة الدولة بصفة مراقب.

وفي اطار سياسة التردد والتخبط، إكتفت قيادة السلطة بعد الإنضمام لميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدوليه، بالتقدم بملفات لها دون استخدام مبدأ الولاية القضائية الدولية، بما فيها تهيئة القضاء الوطني الفلسطيني، للشروع في إجراءات جدية لمحاسبة قادة الاحتلال الإسرائيلي، على الإنتهاكات الجسيمة التي إقترفوها بحق الشعب الفلسطيني، إضافة إلى عدم التقدم بمشاريع قرارات للجمعية العامة، لتعزيزحملة المقاطعة للإحتلال الإسرائيلي.

وعلى الرغم من نجاح القياده بإحباط خطة "صفقة العصر" ، التي طرحها  الرئيس الامريكي دونالد ترامب، بعدم التعاطي معها، الا أن الدبلوماسية الفلسطينية ممثلة بوزارة الخارجيه، فشلت في التصدي لإختراق الولايات المتحدة واسرائيل لتطبيع دول عربية مع إسرائيل، لأن العشوائيه والتخبط والفشل هي التي تحكم عمل الوزارة، وتجلى هذا الفشل بوضوح في اسقاط مشروع  قرار فلسطيني جامعة الدول العربية لأدانة التطبيع مع اسرائيل في سبتمبر 2020 ..         

خطاب الرئيس محمود عباس في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في سبتمر / أيلول 2022، كان أحدث المعارك الدبلوماسيه الوهمية، فهو في كثير من جوانبه تكرار لمواقف كان قد اعلنها سابقا، أكثر من مرة من على منبر المنظمة الدوليه... هذا الخطاب يمكن وصفه بـ "المرافعه القانونية"، وبالسرد التاريخي للرواية الفلسطينية، الا أنه كان قاصرا وضع حلول  أو رؤيه لبرنامج سياسي يمكن السير على هداه، فالرئيس لم يتقدم بموقف واضح من قوله "بأن إسرائيل تتنكر لقرارات الشرعية الدوليه وقررت ألا تكون شريكا لنا في عملية السلام".. وفي تناقض مع قوله هذا، أشاد عباس بتصريح رئيس وزراء إسرائيل يائير لبيد في خطابه على نفس المنبر حول تأيده لحل الدولتين، رغم أنه إستدرك بالقول إن "الاختبار الحقيقي لجدية هذا الموقف هو الجلوس إلى طاولة المفاوضات فورا" !!  ..

 

صحيح أن ميزان القوى العسكري والسياسي يميل لصالح إسرائيل، الا أن القيادة الفلسطينية تملك سلاح"السلبيه"، الذي لم تستعمله (وأشك انها ستستعمله)، وهو القول "لا"، فهذه الــ "لا" هي سلاح قوي بيد الضعيف، ودون ذلك ستظل تحارب طواحين الهواء كما فعل "دون كيشوت"...