الخميس  04 آذار 2021
LOGO

أوقفني"المتشرد" على إيقاع أغاني "الثورة" في مهرجان وين ع رام الله

2017-08-23 11:51:08 AM
أوقفني
رجل مستلقي على الأرض (صورة توضيحية)

 

 

الحدث- ريم أبو لبن

 

لم يستيقظ على إيقاع أغاني "الثورة" في مهرجان المدينة السنوي، ولم يكف برداءه الأسود الممزق عن التقلب يميناً ويساراً بحثاً عن رائحة الطعام المتدلية من أحدى نوافذ البلدة القديمة في مدينة رام الله.

 

هذه المدينة التي تبدل أثوابها سنوياً لترتدي هذا العام ثوب "الفرح" رغم استسلامها لأغاني الثورة الفلسطينية القديمة والتي ولجت إلى عقول من حضر مهرجان وين ع رام الله لموسمه الثاني بعنوان "محطات".

 

"محطات" قالوا بأنها تنقلك إلى أحداث سياسية ماضية. وقلت هي تدور بي في عجلة قد أوقفتني عند محطة "المتشرد" بحسب وصف المجتمع له، فهو يستقلي يومياً بجسده المنهك بالقرب من ميدان راشد الحدادين في رام الله، وقد يكتفي باستراق النظر تجاه المارة، وبصمت يقول كما يقول مسافر في باص: "لا شيء يعجبني أريد أن ابكي".

 

لا أعلم ماذا يخبئ ذاك الرجل الذي نُسيت ملامحه، وهل غنى بصمت أغاني الثورة تماشياً مع فرح من أحاطوا به؟ وهل يتمتع أساساً بحاسة السمع؟ وهل احتساءه "الكحول" كما يقول البعض قد نقله إلى عالم لا يدرك معانيه ولا حتى يدرك معنى الحياة؟

 

تسابقت الأيدي الصغيرة لإنقاذ ذاك "المتشرد"غير معروف الهوية، غير أن من يعرفه يقول: "هكذا هو دائماً، مستلقي وتفوح منه رائحة (عفنة) وبيده الكحول".

 

تشبث أحد الأطفال (10) سنوات بقميص صديقه القريب منه ظناً منه بأن الرجل "المتشرد" حسب الوصف قد مات. في حين كان صديقه  منشغلاً في استراق النظر وتعداد عدد الحاضرين في المهرجان، ويغني بحماسة  على ايقاع ( كورال الثورة) " طالعلك يا عدوي طالع، من كل بيت وحارة  وشارع".


 
لم ينهي الطفل من غناء إحدى أغاني الثورة التي اشتهرت خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006 (حرب تموز) حتى ُسمع صوت سيارة الاسعاف القادمة من بعيد، وكان يعتقد الأطفال حينها بأنها "المنقذ" لذاك "المتشرد".


 
ركضو مجتمعين تجاه سيارة الإسعاف،  وقال أحدهم :"عمو شوف شو ماله .. اعملو شي !". ودون أن يتلفت المسعف للمستلقي على الشارع، وقال من بعيد كما يقول سائق في ذاك الباص: "ابْكِ وحدك ما استطعتَ". وقد يعود بك هذا المشهد إلى طبيب قد شخص حالة مرضية بعينها دون أن يستمع للمريض ويدرك ألمه، فقد يعتمد في التشخيص على حاسة قد تجاوزت الحاسة "السادسة" لديه.


 

وقال المسعف مبتسماً: "اتركوه هذا دايماً سكران ..هيك حالته". ولم يفترق الأطفال وازداد عددهم وأحاطوه بالغطاء بعد غياب المسعف، وكأنهم يحاولون بذلك حمايته من برد رام الله مساءً.

 

قال أحد المراة من أمام "المتشرد": "هذا يوسف اخر يا رام الله".

 

استوقفني يوسف. وعن أي يوسف نتحدث يا أبي؟

نعود للعام الماضي، حينما انقطع الصوت الذي كان يتردد بشكل دائم بين أزقة وشوارع مدينة رام الله ويردد عبارة "يا تيربو رام الله، يلا شد". لقب فرضه المجتمع الفلسطيني على الشاب المتوفى يوسف بدر السوداني البالغ من العمر 38 عاماً حتى لحظة وفاته، إذ كان يعرف بقوة يده المتحركة كسرعة البرق. غير أنه بعد اجراء تشريح لجثته تبين بأنه توفي بسكتة قلبية، بعد تضخم عضلة قلبه.

 

وقد قيل عنه بأنه تناول حبة مخدر دون أن يعلم وقد أذهبت عقله وتسببت له بمشاكل صحية في جسده مما جعله يسير مسرعاً في الشوارع يتخبط يميناً ويساراً دون أن يدرك ماذا يفعل.

 

توفي يوسف دون أن يلتفت إليه أحد. و قد أصبح البعض بتساءل بعد وفاته لماذا تركتم يوسف وحيداً حتى عند مماته؟

 

هي وحدها العدسات المعلقة في المحال التجاري من رصدت حالة صراع البقاء التي عاشها يوسف أثناء موته، إذ كان يحاول يوسف الصمود أمام حالته "الهستيرية"، ولكنه كان يسقط كل مرة، ويعاود المحاولة، وفي نهاية المطاف... سقط يوسف على الأرض.

 

 أما من حوله ينظرون إليه دون حراك، ظناً منهم أنه مقلب في إحدى الكاميرات الخفية، أو أنه يمازحهم كما كان يفعل دائما، ويوهمهم بتوقفه عن التنفس، ولكن هذه المرة سقط بسكتة قلبية ولم يعاود الصعود.

 

هو لم يعاود الصعود فعلاً ومات .. ولم يجد احداً بقربه كي يحاول معه ويقنعه بالصعود مجدداً. إذا لماذا ننتظر أن يقول ذاك "المتشرد" كما قال يوسف مخاطباً اباه: "انت سميتني يوسفاً، وهم أوقعوني في الجُب، واتهموا الذئب .. والذئب أرحم من إخوتي".