الأحد  25 أيلول 2022
LOGO

المجلس الوطني بين المشاركين والمقاطعين/ بقلم: نبيل عمرو

2018-03-21 12:31:47 PM
المجلس الوطني بين المشاركين والمقاطعين/ بقلم: نبيل عمرو
د. نبيل عمرو
 

كنت وما زلت حريصاً على أن تبقى مؤسسات منظمة التحرير قيد العمل، وأولها وأهمها بالطبع هو المجلس الوطني، الذي يعترف العالم كله به كبرلمان لكل الفلسطينيين أينما وجدوا.

 وهذه ميزة وفرها الفلسطينيون بكفاحهم وذكائهم، وإيجابية تفاعلهم مع المعادلات الدولية، ولو راجعنا مسيرة المجلس الوطني في دوراته المتعاقبة، لوجدنا انه عبّد الطريق الكفاحي الحديث، ببرامج وأدبيات احترمها العالم، سواء قبل بها أو عارضها.

 وحين نستعيد الاجتماعات الكبرى للمجلس، فإننا نكتشف أن ارقى مستويات الديمقراطية تجسدت فيه، وليس أدلّ على ذلك من أنه حين كانت تنقل جلساته على الهواء في وسائل إعلام الدول المضيفة، كانت الشوارع تخلو من المارة، وكانت عناوين الصحف في اليوم التالي تتجاهل أحداث البلد حتى لو كانت كبيرة، لمصلحة إشهار الديمقراطية الفلسطينية التي كان قد وصفها ياسر عرفات في حينه "بديمقراطية البنادق".

المجلس الوطني الذي أسس وحمى هذا النوع من الديمقراطية الصعبة، كان يضم في عضويته أهم الفعاليات السياسية والفكرية والثقافية والنقابية، ولأن الفصائل المقاتلة كانت الذراع الضاربة للظاهرة الفلسطينية؛ فقد حظيت بمحبة واحترام جميع الأعضاء، ومنحت أولولية في القرار مهما كان حجمها، كانت الجبهتان الشعبية والديمقراطية أشبه بتوأمين سياميين لفتح، الديمقراطية هي المنظر اليساري لبراغماتية فتح، والشعبية المنظر الثوري للمسيرة بإجمالها، وحين اضطر الفصيلان إلى إيجاد مسافة بينهما وبين فتح في وقت ما، ظلت منظمة التحرير بالنسبة لهما خطاً أحمر يُمنع المساس بها، وحين عقد اجتماع مفصلي في عمان وكانت الجبهتان واقعتان تحت ضغط وجودي في سورية وليبيا، أوجدا لنفسيهما هامشا حيوياً لا يفقدان من خلاله دعم الضاغطين عليهما لمقاطعة المجلس، ولا يفقدان كذلك دورهما التاريخي في حماية المنظمة ودعم قرارها المستقل.

الجبهتان الديمقراطية والشعبية لا تقاس مكانتهما بعدد أعضائهما، ولا حتى بعدد العمليات العسكرية التي قاما بها على امتداد المسيرة الطويلة، فهنالك ما هو أعمق من هذا المقياس، هو تعود الوعي الجمعي الفلسطيني على وجود هاتين الجبهتين في صلب المعادلة الوطنية التي تحتويها منظمة التحرير، وكلما كان يجري حديث عن عقد دورة للمجلس، كان الفلسطينيون يسألون، هل ستشارك الجبهتان أم تقاطعا، وغالبا ما كان يأتي الجواب بالمشاركة، وإن كانت هنالك مقاطعة فلم تكن نهائية بل لم تؤذي أبدا مكانة منظمة التحرير وصدقية تمثيلها لكل الشعب الفلسطيني.

 ولأننا الآن بصدد عقد دورة جديدة وضرورية للمجلس الوطني، فقد ظهرت مؤشرات أولية أقلقت الفلسطينيين حين فُهم منها أن هنالك مقاطعة محتملة، ومهما قلنا أن المقاطعة ربما تكون خيارا ديمقراطيا من بعض الجوانب، إلا أننا لا ننكر أن ضلعا من الجسد خرج من مكانه.

ما زال الوقت معنا في تكثيف العمل من أجل ان يكون مجلسنا الضروري، الذي اتخذ قرار بعقده في الثلاثين من الشهر القادم، مكتمل النصاب العددي والنوعي، فكل التحفظات التي تساق للمقاطعة على صدقية مطلقيها، تظل قابلة للمعالجة حين ندرك أهمية انعقاد المجلس لمراجعة الحالة السياسية وتوجيه رسالة وحدة للعالم وتأمين شرعية الاعتراف بالمنظمة ممثلا وحيدا للشعب الفلسطيني.

نحن لا نتحدث هنا عن تسوية مطلوب من المجلس أن "يبصم عليها"؛ فكل ما هو معروض الآن مجمع على رفضه، إذاً.. فإن المضمون السياسي للمجلس لا خوف ولا غبار عليه، وحين يكون الأمر كذلك، تضعف حجة المقاطعة وتقوى حجة المشاركة في هذا الظرف العصيب.

تحدثت عن الجبهتين لأنهما من صلب منظمة التحرير، ومن جيش الحراسة اليقظ للدفاع عنها وعن مكانتها، ولا استبعد أبداً جبهتين مهمتين بذات القدر، هما حماس والجهاد الإسلامي، فإن لم تحسم حجوم المشاركة بالعدد، فبوسع هاتين الجبهتين ان تشاركا ولو بتخفيف حدة المعارضة، والابتعاد عن التوصيفات المرهقة للساحة الفلسطينية، كالقول إن المجلس يعمق الانقسام، وهم يعرفون أن بوسع المجلس أن يكون أكثر فاعلية من غيره في إنهاء هذا الشرخ القاتل.

لقد أعلنت حماس والجهاد وآخرون مقاطعتهم للمجلس المركزي، إلا أنهم جاؤوا وتحدثوا وكان لكلامهم وقعا طيبا عند الأعضاء، وإن كنت آمل بمشاركة فعالة في الدورة القادمة، إلا أنني وإن تعذر ذلك فقادم الأيام سيتكفل مع جهد مواظب بجمع الشمل في مجلس جديد صار أكثر ضرورة وإلحاحا من القديم.