الخميس  25 نيسان 2019
LOGO

حول العشق والثورة بقلم: ناجح شاهين

2019-01-26 02:24:15 PM
حول العشق والثورة
بقلم: ناجح شاهين
ناجح شاهين

أتمنى عشقاً خالص لله

وطيب فم خالص للتقبيل

وسيفا خالص للثورة

(مظفر النواب)

الثورة والحب في بلادنا يعاملان كما لو كانا أفعالاً، أو بالأحرى أحداثاً جنونية منفلتة من كل ضابط أو عقال. ولذلك فإن الثورة "تنفجر" أو "تندلع" مثلما البركان دون خطة واضحة، وتسير على غير هدى خبط عشواء إلى أجلها المحتوم. وقد لاحظنا كيف كان أجلها المحتوم في ثورة 1936، وفي انتفاضة 1988، وفي حراك الشعوب في مصر وليبيا وتونس وسوريا حزيناً إلى درجة الفاجعة.

الحب أيضاً حدث مفاجئ لا علاقة له بالعقل. وتختصر فكرته ب "الوقوع في الحب" من النظرة الأولى أو ما أشبه. لا تفسير لما يجري على الأغلب. لكن مع بعض الصبر سوف يتضح أن ذلك الحب بدوره سيصل إلى نهايته المأساوية قريباً: مشكلة الأحلام أنها تنكسر لحظة تحققها بالذات.

قد يبدأ الحب بنظرة عذبة ساحرة أو بكلمة رقيقة. وربما يبدأ الحراك الثوري بفعل بطولي فردي، أو رد فعل "غاضب" على استفزاز قام به العدو من طراز جريمة جولدشتين في الحرم الإبراهيمي في العام 1996 أو حادثة المركبة في غزة 1988 أو دخول شارون إلى الأقصى في العام 2000. لكن بعد لحظة الانطلاق لا بد من وقود لمتابعة المسيرة، وإلا دخلنا في حالة المراوحة في المكان: لا يمكن للزخم الذاتي أن يستمر إلى ما لا نهاية، لأن هناك قوى مضادة تعمل ضد الانطلاقة الأولى لفعل الحب أو الثورة. روتين الحياة وتفاصيلها التافهة تأتي على توهج الحب، وفعل العدو المعاكس سوف يحتوي الحراك الثوري التلقائي ويطفئه ما لم يكن هناك خطة لرفده بمقومات الحياة والصمود.

لا بد إذن من تعهد نبات الحب والثورة بالرعاية وإلا ذوى وجف ومات. ولا يجوز أبداً الركون إلى أنه سيستمر من تلقاء ذاته متوهجاً. وعلى الرغم من التشابه بين الحالتين (أليس فعل الثورة في ذاته تجلياً للحب بمعنى من معانيه؟) فإن هناك اختلافاً يصب في مصلحة الحب بين الجنسين يرجع إلى قدرة هذه الأخير على الاعتماد على قوة الدفع الغريزي الجنسي. لذلك نلاحظ أن كثيراً من الأزواج ينفصلون عندما ينخفض مستوى الهرمونات في الدم، إذ "يكتشفون" فجأة أنهم لم يعودوا "يحبون" بعضهم بعضاً.

فعل الحب وفعل الثورة على الحقيقة يحتاجان إلى بناء مقصود بطريقة ذكية ومبدعة لمراكمة "المشروع" مع مراعاة التفاصيل الدقيقة المحيطة بجوانبه كلها في كل لحظة وموضع. وإذا لم يتم ذلك على نحو مبدع وخلاق، فإن ما نحصل عليه هو تجمد المشروع في أحسن الأحوال وانكفائه في أرذلها.

ليس الحب إذن معطى مضموناً في جيبنا بعد ولادته. بالعكس ليس أسهل من موته وهو في المهد. وليس الحراك الثوري، خصوصاً الشعبي منه مضموناً بمجرد أن يبدأ. لكن الناس في بلادنا –بما في ذلك النخب على ما يبدو- تظن العكس. سرعان ما يذوي الحب بعد الزواج بوقت قصير، وسرعان ما تخبو الانتفاضة وتتحول إلى فعل محدود يستطيع العدو التعايش معه بسهولة بعد انطلاقته بقليل.

لكن الأشد رعباً هو أن أي "واقعة" تتوقف عن النمو تغدو عبئاً يفكر الجميع في التخلص منه سراً وعلانية. ولذلك تبدأ المرأة ويبدأ الرجل في التفكير في كيفية وضع حد لعلاقة مرهقة لا تقدم شيئاً لإغناء الحياة وصبغها بالحيوية والسعادة. ولذلك أيضاً يبدأ الناس في انتظار انتهاء الحراك الثوري الذي لا يفعل شيئاً باستثناء "تنغيص" مسار حياتهم اليومية. أليس هذا ما حصل قبيل "أسلو" عندما مل الناس في فلسطين ويئسوا إلى حد الرضا بأي مخرج من الوضع المنغص الذي ما عاد يرجى منه شيئاً. لقد وصل الأمر بالناس حداً أن قوى "المعارضة" لم تتمكن من تجنيد مئة شخص ليتظاهروا ضد مشروع "أوسلو". وعندما اقتنع الناس بعد سنين أن ما حصل كان كارثة سياسية، كان الوقت قد فات.

لا بد من بناء وعي صلب راسخ قوي البنيان وواسع الانتشار كيما نتمكن من السير مسيرة كافية، وهي مسيرة في درب مليء بالأشواك والآلام: درب الحرية واستقلال فلسطين، بل العرب جميعاً ليس مفروشاً بالورد. على العكس تماماً، إنه مليء بالحفر والألغام المزروعة من جهات نتوقعها، وجهات قد لا نتخيلها في أحلامنا.