الخميس  21 آذار 2019
LOGO

متلازمة القدس..أبد الجلاد، أزل الضحية

كتب: عبد الرحيم الشيخ

2019-02-26 05:56:58 AM
متلازمة القدس..أبد الجلاد، أزل الضحية

 

على الرغم من القناعة بعدم جدوى أيِّ محاولة فلسطينية لمناددة الترَّاهات الصهيونية حول القدس لتدشين «شرعية موازية» آتية من الماضي الأسطوري... إلا إنَّ سجال المقولات الصهيونية قد يفيد في فهم المنظومات: النفسية، والسياسية، والأيديولوجية التي يصدر عنها سلوك دولة الاستعمار الاستيطاني-إسرائيل، ومستوطنيها، في القدس وتجاها، وبخاصة في العام الأخير الذي أعقب اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل سفارتها إليها، والعام الذي تميز بتصاعد غير مسبوق للهجوم على المدينة وأهلها ومؤسساتها ومقدَّساتها الإسلامية والمسيحية.

ولكن قبل الخوض في متلازمات ثلاث تتقصَّى الأعراض المرَضية للسلوك الصهيوني، سواء كانت نفسية، أو سياسية أو أيديولوجية... لا بد من الإشارة إلى أن الهوس الصهيوني بالقدس تـَمَظْهَرَ في صور شتَّى على امتداد تاريخ اليهود، لا «التاريخ اليهودي»، في فلسطين وخارجها. ولكن هذا الهوس بلغ ذروته في يوم 7 حزيران 1967، الذي سقطت فيه القدس خلال نكسة «حرب الأيام الستة»، وتُوِّج بالسيطرة على «حائط البراق»، حيث أعلن وزير الحرب موشيه ديان «توحيد القدس، بعد تحريرها، عاصمةً أبدية لدولة إسرائيل» في خطاب شهير له وشَّاه ببعض عبارات «التسامح» في منح الحرية الدينية لأتباع الديانتين المسيحية والإسلامية- «إخوته في المواطنة»، لا ضحاياه، من الفلسطينيين الذين حرمتهم إسرائيلُ الدولةَ والعودةَ وتقريرَ المصير.

وبعد قرابة عام، في 12 أيار 1968، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عيد «يوم القدس» الذي يتم الاحتفال به في 28 أيار حسب التقويم العبري (المتغيِّر)، والذي صار في 23 آذار 1998 «عيداً وطنياً» بإقرار الكنيست، يمكن تغيير توقيته حسب الحاجة. تستند فكرة «توحيد القدس»، بالإضافة إلى الواقع السياسي للسيطرة اليهودية على «الشطر الغربي» والعربية على «الشطر الشرقي» حتى نهاية حرب العام 1967، إلى آية في المزمور 122 (ترنيمة المصاعد لداوود): «تقف أرجلنا في أبوابك يا أورشليم-المدينة المبنية كمدينة متصلة كلها». في حين جاء إعلان «يوم القدس العالمي» متأخراً قرابة عشر سنوات من قبل الإمام الخميني بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979، لتكون الجمعة الأخيرة من رمضان، حسب التقويم الهجري الإسلامي، أو ما تعرف بـ«الجمعة اليتيمة»، «يوم القدس العالمي» الذي تنطلق فيه المسيرات الحاشدة في أنحاء العالم (الإسلامي) احتجاجاً على استمرار الاحتلال الصهيوني للمدينة.

متلازمة القدس النفسية

على الرغم من أن الأعراض المرَضية التي يطلق عليها «متلازمة القدس Jerusalem Syndrome» لا تخصُّ أتباع ديانة إبراهيمية بعينها، إذ تنطبق على المسلمين والمسيحيين واليهود، إلا إنها تُظْهِرُ مقدار التعبئة الدينية العنصرية في حالة كون مصابيها من المستوطنين اليهود، وهو ما ينعكس يومياً في سلوكهم الفاشي سواء في اقتحامات الحرم القدسي، أو في الاعتداءات على الفلسطينيين، أو في السيطرة على الممتلكات العربية بالقوة وطرد أصحابها منها.

ولعل «متلازمة القدس النفسية»، التي تصف مجموعة من الاضطرابات الناجمة عن التأثر بالقدس كجغرافيا مقدسة نتيجة لأفكار ومعتقدات تستحوذ على الفرد خلال وجوده في المدينة، وتدفعه إلى سلوك غير سوي، قد تفيد في فهم السلوك المرَضي العدائي للمستوطنين المقيمين في القدس أو الزائرين لها. وقد «اكتشف» هذه المتلازمة هاينز هيرمان، أحد مؤسسي علم النفس العيادي الإسرائيلي في ثلاثينيات القرن العشرين. ورغم الاختلاف على عدم تسجيل المتلازمة كمرض عقلي في «الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية»، وظهور دراسات تدحض علميَّة المتلازمة في العام 2000، إلا أن ذلك لم يمنع الأطباء ومراكز العلاج النفسي من استقبال حالات هذه المتلازمة التي يمكن للمصاب بها، فضلاً عن الإفراط في أداء الشعائر الدينية، والرغبة في التجوال الطويل في القدس، أن يظن أنه المسيح المنتظر، وما يترتب على ذلك من تبعات تكون عدائية في غالبها.

لا شكَّ بأن وصف الاضطرابات للمصابين بـ «متلازمة القدس» وإن صحَّ لتفسير سلوك الأفراد، لا تبريرها، فإنه لا يصحُّ، بالتأكيد، لتفسير سلوك الدولة، ككيان سياسي. هنا، يسحب بعض الأكاديميين الصهاينة استعارة «متلازمة القدس النفسية» على ما يصفونه بـ «متلازمة القدس السياسية» التي سنشتقُّ منها، لاحقاً، «متلازمة القدس الإيديولوجية». سأستعرض هنا أطروحة للمؤرخ الإسرائيلي ديفيد بلحسن، لا لقيمتها المعرفية ولا لسجالها، بل لفتح النقاش حولها فلسطينياً. وبلحسن هو يهودي عربي ملحد من أصل تونسي، ولد في تونس في العام 1951، ودرس في باريس، وبعد ثورات الشباب في العام 1968، جاء إلى فلسطين مستوطناً، حيث أسس كمونة زراعية في صحراء النقب، ومارس «رياضة التنقيب عن الآثار»، الرياضة الأشهر لدى الصهاينة. تخصص في فقه اللغة العبرية والإخراج السينمائي، وحظيت أسطوريات اللاهوت التوحيدي الإبراهيمي، وبناه اللغوية، بجل اهتمامه.

متلازمة القدس السياسية

ينطلق بلحسن في تشخيصه لـ «متلازمة القدس السياسية» من الاضطرابات غير المسبوقة التي ولَّدها اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالقدس عاصمة لإسرائيل في 6 كانون الأول 2017؛ ونقل سفارتها إليها في 14 أيار 2018؛ وما تلا ذلك من غضب في الشارع الفلسطيني والعربي والعالمي، واحتجاجات من قبل مجموعة دول العالم الإسلامي في الأمم المتحدة؛ وما قابل ذلك كله من تأكيد إسرائيلي على يهودية الدولة والعاصمة واللغة، بلغ ذروته في «قانون القومية» العنصري في 19 تموز 2018. يرى بلحسن في تأكيد يهودية الدولة والعاصمة واللغة، ردة فعل صهيونية طفولية تحيل على «اللاشرعية» بأكثر ما تحيل على «الشرعية»، ويصفها بـ «متلازمة القدس السياسية». ثم يفسِّر تشكُّلها على مستويات ثلاث: أدبي، ولغوي، وتاريخي، ناعياً الإصابة بها، وداعياً إلى الشفاء منها.

على المستوى الأدبي، يشير إلى أن القدس ذُكِرَتْ مئات المرات في الـ «تناخ» (العهد القديم المكوَّن من ثلاثة أجزاء: التوراة، والأنبياء، والكتب»، إلا إنها، ولمفاجأة الكثيرين، لم تذكر مرَّة واحدة في «التوراة» أو (خَاميشاه خُمشيه تُوراه). ويوافق بلحسن المفسِّرين أن تبرير ذلك يكمن في أن القدس، كحاضرة يهودية، لم تكن قائمة في عهد إبراهيم وموسى النبيَّين، رغم تحفُّظه على أن القدس صارت كذلك في عهد الملك داوود. وعلى المستوى اللغوي، يقدم بلحسن مقاربات إيتمولوجية لاسم «يروشاليم» ينفي عبرها الأصول العربية التي تحيل على «مدينة السلام» أو «تركة الله» أو «مدينة سالم»، ويؤكد أنها من أصل عبري صرف، مؤدَّاه: إرساء أسس المعبد لإله القمر الكامل، إله الغسق، «يرو-شاليم» المبنية على أسفل التلِّ، وأعلاه.

يسهب بلحسن في المستوى التاريخي متسائلاً عن معاني وجود القدس كمدينة كنعانية-يبوسية قبل داوود. ولكنَّه يركِّز على حكمة داوود في إرساء القدس كعاصمة سياسية وحسب بأربع خطوات: فهو، أولاً، ينفي أن يكون الإله الكنعاني سبباً في تسمية المدينة؛ وثانياً، ينفي أن يكون اليبوسيون حتى «شعباً غريباً-عَاْمْ زَاْرْ»، بل يصفهم بالشعب الناطق بالعبرية لكن غير المنتمي لأسباط بني إسرائيل، ويستدلُّ أنهم اكتسبوا حتى اسمهم من هزيمتهم على يد الملك داوود الذي أخضعهم (הביס אותם هِبِيْسْ أُوْتَامْ)؛ وينفي، ثالثاً، أن يكون داوود استجاب لرغبة الرَّب بوضع هيكل للعبادة بين نابلس والخليل (تحقق بعد خمسين عاماً علي يد ابنه سليمان كما تفيد الأسطورة)، بعد أن تعب الرَّب يهوه من التنقل بين معابد اليهود... وأخيراً، يؤكِّد بلحسن أن داوود قام لسبب سياسي محض، لا ديني، هو كسر المركزية السياسية لنابلس والخليل في مملكتي يهودا والسامرة، بإعلان القدس عاصمة سياسية مركزية له ولليهود.

بعد هذا الجهد التأويلي، يقفز بلحسن 2000 عام ليحلل التبعات السياسية لهذا الركام اللاهوتي/اللغوي/التاريخي، الذي أنتج ما يصفه بـ «متلازمة القدس السياسية»، وهي المتلازمة التي تورطت إسرائيل عبرها في خطاب دفاعي عن أحقيَّتها بالقدس جرَّاء مركزيَّتها في الديانة اليهودية قبالة مركزيَّة، تكاد تكون، مماثلة لها في المسيحية والإسلام. ويعزو بلحسن هذا التورُّط إلى الإلحاح على المركزيَّة الدينية-الروحانية العالية للقدس في الميثوس الصهيوني والإيثوس الإسرائيلي اللذين انعكسا في سياسات عَمَلانِيَّة تم تنفيذها على الأرض.

متلازمة القدس الإيديولوجية

إن التحليل الذي يقدِّمه بلحسن لـ «متلازمة القدس السياسية»، يشكِّل بحدَّ ذاته متلازمة ثالثة، هي: «متلازمة القدس الإيديولوجية» التي لا ينتبه لوقوعه فيها، وتورُّطه بها على نحو فاشي مكشوف. فهو يمارس التشبيح الإيديولوجي الذي ينتقده من خلال سرقة خطاب الأصلاني الفلسطيني عبر الدعوة إلى نزع هالة القداسة عن المدينة حتى لا تتنافس دولة إسرائيل، واليهود من خلفها، مع أتباع الديانتين المسيحية والإسلامية اللتين تحتلُّ فيهما قصص السيد المسيح والنبي محمد في القدس مكانة مركزية لدى المسيحيين والمسلمين، ليس في فلسطين وحسب، بل وفي العالم. يقود هذا، وفقاً لبلحسن، إلى «ادعاء حق لهم في القدس، ما يحيلها إلى كيان مدوَّل، وتتحول القدس فيه إلى جغرافيا كونية، فاتيكان-مكة-شرق-أوسطية يجد كل امرئ له فيها موضع قدم، ويطالب بسيادة على جزء من أرض إسرائيل».

يتندَّر بلحسن على هذا «الادعاء»، زاعماً أنَّ القبول به يماثل قيام أحد المؤمنين بثورية القديسة جان دارك، بمطالبة الحكومة الفرنسية بالسيادة على أجزاء من مدينة «رُوَاْ» الفرنسية. هكذا، وببساطة، يحوِّل بلحسن، الولاءات الدينية والقومية للمسلمين والمسيحيين الفلسطينيين (وغيرهم) ومخيالهم الديني بأكمله إلى محض إعجاب عابر بالأنبياء والقدس كإعجاب الناس بجان دارك ورُوَاْ! كما يؤكِّدُ أنه «لا يمكن قبول أي كولونيالية أو إمبريالية باسم الدين»، متناسياً أنه ينطق باسم كولونيالية دينية يهودية، إذ يقول: «أرض إسرائيل لنا. كلها لنا. ومثلها القدس لنا. كلها لنا. وليس لأي شعب آخر مقدار ذرة من الحق في القدس من ناحية سياسية ودولانية وتاريخية».

كيهودي فاشي ملحد، يكمن الحل من وجهة نظره في إجراء وحيد، وهو: تجريد القدس من هالتها الدينية، والتوقُّف عن اعتبارها عاصمة سياسية لإسرائيل رغم أنها رمز الصهيونية التي أخذت اسمها منها، واختيار رقعة أخرى لبناء عاصمة إدارية جديدة. فالقدس، بالنسبة له، «ليست أكثر قداسة من ديمونا ومسادا ونابلس والخليل وجبل جرزيم وجبل طابور ولا من كل موشاف وكيبوتس في أرض إسرائيل». ولذا، فهو يدعو إلى نزع القداسة عنها وتحويلها إلى عاصمة ثقافية علمانية، ونقل العاصمة السياسية إلى مكان آخر تماماً، وربما إقامة مدينة عاصمية جديدة، في سهل بيسان، حيث يكون المركز السياسي الدولاني لإسرائيل.

ينطلق بلحسن في دعوته من فاشيته القومية الصهيونية، لكن برواية غير دينية لملكية المكان والسيطرة عليه في إطار معرفي استعماري استيطاني يسرق فيه خطاب الأصلاني رغم كونه هو يهودياً عربياً تونسياً؛ ومن تخوُّفه من منافسة أتباع الديانات التوحيدية الأخرى؛ وخشيته من قيام حرب عالمية ثالثة حال أقدمَ متطرفٌ على تفجير أحد مساجد الحرم القدسي. وبالتالي، فالقدس، بالنسبة له، هي قنبلة موقوتة، وفوهة بركان، إن لم يتم نزع قداستها، ستنفجر وتكون الخطر الأكبر على الإنسانية، وعلى اليهود بخاصة.

أبد الجلاَّد، أزل الضحيَّة

لست هنا في معرض الرد على فاشية هذا الطرح، ولا مساجلته في سرقة خطاب الأصلاني، الذي لا يُعدُّ استثناءً من حالات استعمارية مشابهة استخدمت الخطاب نفسه... لكن ربما يكون من الأفضل استدعاء قصتين طريفتين للرد عليه، لهما دلالات ثقافية وتاريخية وسياسية هامة بالنسبة للفلسطينيين، الأقل تورُّطاً في المتلازمات الثلاث.  

في طرفة أولى، سخر الشهيد الراحل ياسر عرفات من قدرة الإعلام على صناعة المفارقات بين المخيالات المتصارعة لليهودية والمسيحية والإسلام، على مستويات: النص الديني، والتجربة التاريخية، والخطاب السياسي. لم يكلِّف عرفات نفسه في بحث مسألة «الغيرة» والأقدمية في أرض فلسطين، رداً على مشاورات رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرئيل شارون مع قائد أركانه شاؤول موفاز بقتل عرفات أو إبعاده عن فلسطين عبر منحه «تذكرة باتجاه واحد»، حتى لا يتحوَّل (إن قتلته إسرائيل) إلى بطل. ففي أعقاب إعلان عرفات «عدواً» لإسرائيل واقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلية لرام الله ومحاصرة المقاطعة في 29 آذار 2002،  قال في مقابلة مع قناة الجزيرة في 2 نيسان 2002: «هل هذا وطنه أم وطني؟ أنا هنا قبل شارون. نحن هنا حتى قبل النبي إبراهيم.  ولكن يبدو أنهم (الإسرائيليين) لا يفهمون التاريخ ولا الجغرافيا. أنا سأذهب من هنا فقط إلى القدس».

وفي طرفة أخرى، أثناء لقاء جمع الشهيد عرفات مع الملك حسين- ملك الأردن ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق- إسحق رابين، رئيس أركان جيش الاحتلال في حرب النكسة 1967، في برنامج Larry King Live على شبكة CNN الأمريكية بُعيد توقيع «اتفاقية السلام الأردنية-الإسرائيلية» في وادي عربة في العام 1994. دار النقاش حول المسائل الإشكالية في الصراع العربي-الفلسطيني مع إسرائيل، حول قضايا الدولة والعودة وتقرير المصير. أدلى كل منهم بدلوه، لكن حين سألهم مضيف البرنامج عن القدس- «السؤال الصعب»: أجاب الملك حسين، بدبلوماسيته المعهودة، مشيراً إلى أن القدس هي موئل الديانات الإبراهيمية الثلاث، وأنها ينبغي أن تكون، حسب مقررات الشرعية الدولية، وبخاصة قرار التقسيم 181 في 29 تشرين الثاني 1947 «كياناً مستقلاً مداراً دولياً» Corpus Separatum.  أما رابين، فأعاد الأسطوانة المشروخة التي استأجرت الأبدية من الله، مؤكداً أن القدس ستبقى عاصمة أبدية موحَّدة لدولة إسرائيل، مشيراً إلى أنه مولود في القدس لعائلة يهودية. وأما الراحل عرفات، وقد استفزته إجابة رابين، فأكد أن القدس ينبغي أن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية، وسأل رابين: «وماذا يعني أنك ولدت في القدس يا سيد رابين؟ فقد ولدتُ، ومئات الآلاف من أبناء شعبي، في القدس. وحتى وإن ولدتَ في القدس، فقد ولدت قبل قيام دولة إسرائيل في العام 1948، «ولذا فأنت فلسطيني!»...كان البرنامج قد شارف على الانتهاء، فداعب مقدِّمُه (اليهودي) لاري كينغ رابين بالقول: «سيد رابين: أنت فلسطيني!».

أشك في أن الراحل عرفات كان قد سمع بهرطقات الفاشي ديفيد بلحسن، لكنَّه كان بلا شك واعياً لأهمية الأسطورة في اللاهوت الوطني الفلسطيني دون أن تكون مكوِّنه الوحيد كما في الحالة الصهيونية. لكنَّ إجابات الشهيد عرفات تفتح وعي المساجلة للمقولات الصهيونية على استعارة أخرى، للفلسطيني الذي يبدو كمقيم دائم في الأزل، وللصهيوني الذي يبدو في حالة انتظار دائم للأبد الذي لن يبلغه.

ففي الميثولوجيا المصرية القديمة، ثمة رمز لثعبان يلتف على شكل دائرة، ويلتهم ذيله باستمرار، يُطْلَقُ عليه «أوروبوروس»، وعلى الرغم من أن دراسات الأسطورة تفسره كرمز للتجدد والاستمرار. يمكن سحب هذا الرمز الأسطوري على الواقع السياسي للصهيونية التي لم يعد «التاريخ يطاردها ويلحق بها»، كما شخَّص، مرة، بنيامين بيت هالحمي. ذلك أن من شأن استعارة هذا الرمز-الثعبان، الذي يلتهم ذيله بصورة دائمة ودامية، أن يكثِّف المتلازمات الثلاث: النفسية والسياسية والأيديولوجية، لأزلٍ صهيونيٍّ لم يَكُنْهُ، وأبدا لن يَكُوْنَهُ.

هنا، ربما لا يجدر أن يكون رهان الفلسطيني على اختناق الثعبان بذيله، حين تأكل الصهيونية ذاتها، بل ربما يحتاج الثعبان إلى قوة خارجية تفصل رأسه عن ذيله. أي قوة تفصل اللاهوت، عن الأسطورة القومية، وتفصل الاثنتين عن البنية الدولانية للاستعمار الاستيطاني الصهيوني. فالتحدي الفلسطيني، إذن، هو النجاح في امتحان عدم المماثلة، لا في امتحان المماثلة، وتجنُّب محاولة اقتسام الأزل مع الثعبان الصهيوني. فالشرعية الفلسطينية أسَّسها، ولا يزال، «الحضور» الفلسطيني المتواصل على الأرض، مقابل «التأويل» الصهيوني المنقطع عنها.  قد يصح للضحية الفلسطينية أن تتمرس في أزل فلسطين، لكنه لا ينبغي لها أن تنافس الجلاد الصهيوني على الأبد، بل أن تغادر تلك الدائرة نحو تدشين شرعية «الوجود بالقوَّة»، بعد أن دشَّنت شرعية «الوجود بالفعل»، فلسفياً وسياسياً. هنا، وهنا فقط، يمكن للقدس أن تسقط من فم الثعبان الصهيوني لتصير فلسطينية من غير سوء.