الأربعاء  22 أيار 2019
LOGO

الامتحان وغياب التفكير في المدارس الفلسطينية بقلم: ناجح شاهين

2019-03-02 12:09:39 PM
الامتحان وغياب التفكير في المدارس الفلسطينية
بقلم: ناجح شاهين
ناجح شاهين

غالباً ما يدور الحديث في بيوتنا ومدارسنا حول كيفية الحصول على العلامات العالية. ويتركز التفكير معظم الوقت على اختيار السلوكيات التي تمكن التلميذ من الحصول على الدرجات العليا. ويذهب البعض مذهباً لطيفاً يدعو فيه الطلبة إلى طرح الامتحان السابق جانباً، ونسيان كل ما يتعلق به من أجل التفرغ للامتحان الجديد، وعدم إضاعة الوقت في مراجعة أسئلة الامتحان السابق، لأن ذلك الامتحان ومادته ومعلوماته وكل ما يرتبط به قد مضى وانقضى، وما عاد يرجى منه شيء.

الامتحان الفلسطيني على ما يبدو مكتف بذاته، ولا يهدف إلى غير العلامة، وهو محاط بهالة مريعة تجعل دور الأهل والمعلمين تدريب التلاميذ أساساً على كيفية الإجابة على أسئلة الامتحان. وبالنسبة للامتحانات العامة فإن حالة الاهتمام الناجمة عن الرعب تتضاعف مرات عدة، وكانت تصل قمتها بالطبع في امتحان الثانوية العامة الذي كان يحيل البيت كله إلى معسكر للتسميع والتذكر والحفظ الصم، والأفئدة والعقول مشحوذة عن آخرها باتجاه مساعدة التلميذ على الحصول على أعلى علامة ممكنة. ولذلك كان مؤلف الكتاب المذكور أميناً فيما يخص الغاية المثلى من العملية التعليمية في المخيال الفلسطيني العام: الحصول على العلامات الكافية للنجاح، والتخرج، والتنافس على الوظيفة. من هنا غاب عن نصه أية إشارة لفكرة ديمومة أثر العملية التعليمية-التعلمية وانتقال نواتجها إلى مراحل تعليمية لاحقة أو إلى الحياة العملية، حتى لو اقتصر ذلك الناتج على المعلومة ذاتها. لو كان الامتحان المحلي يقيس شيئاً غير المعلومات-المعطيات في أبسط أشكالها، لما فكر المؤلف في نصيحتنا بأن ننسى كل شيء بعد انقضاء الامتحان: ليس بإمكان أحد أن ينصحني بأن أنسى معرفتي بالشطرنج بعد انتهاء لعبة ما، والسبب واضح، ذلك أننا في مواجهة مهارة لا تزول إلا بإهمالها عقوداً من الزمن.

والواقع أننا لا ننفرد بهذا الرأي وسط مجتمع الباحثات والباحثين في المستوى الفلسطيني المحلي، إذ يوجد حالياً –هل نقول لحسن الحظ؟- تيار واسع ناقد للمارسة السائدة في التعليم، وينبه هذا التيار على محدودية عملية القياس والتقويم المحلية، واقتصارها على امتحان لا يهتم إلا بنفسه، إن جاز لنا هذا التعبير. ونورد في هذا السياق قراءة مركز القطان للامتحان بمناسبة مناقشات أجراها منذ بضع سنوات حول نظام التوجيهي "الجديد": "تبنى فلسفة التعليم الفلسطينية الحالية على قاعدة التعليم من أجل الامتحان، أي أن الغرض الرئيسي من العملية التعليمية هو القياس والفرز وترتيب وتبويب الطلاب...تصبح عملية التعليم مجردة وخالية من أي معنى شخصي أو من أي اتصال وترابط بين ما يتعلمه الطالب وما يعيشه." ربما أن هذه الهالة التي يتمتع بها الامتحان العام والتوجيهي خصوصاً هي ما تسبب في أن تجد إحدى الدراسات أن نسبة الطلبة الذين يعانون القلق الحاد من امتحان التوجيهي قد بلغت 75.5%، بينما عانى 35% من القلق المتوسط، واقتصر القلق الخفيف على 7.5%. وهو ما يعني أن الطلبة جميعاً يعيشون تحت رعب الامتحان بدرجات عالية. وفي دراسة اثنوغرافية حديثة صدرت عن المركز نفسه يجد الباحثون أن المعلمين يكرسون وقتاً لا بأس به لتنبيه الطلبة إلى المحتوى الذي "قد" يأتي في الامتحان، وتصل الأمور إلى حد تنبيه الطلبة في العاشر أو التاسع مثلاً إلى الامتحان الذي سيتعرضون له في التوجيهي.

يفترض أن الامتحان قد وضع ليقيس مدى تحقق الأهداف من العملية التربوية. ولذلك فإن ما يقيسه الامتحان يعني قصداً أو سهواً أن المقيس هو القصد والغاية من التعليم. وبالطبع لا يعني ذلك أبداً أن القائمين على التعليم لا يمتلكون بالضرورة أية غايات أخرى. ربما توجد غايات أهم بكثير ولكنها تكون غايات مستترة تخدم السياسة والاقتصاد أكثر ما تخدم التعليم. ولذلك فإننا لا نتردد في القول بأن نمو شخصية الطفل-الإنسان الفلسطيني عموماً، وتطور مشاعره وانتمائه بوصفه مواطناً، واكتسابه مهارات وقدرات عامة ومتخصصة تؤهله للمشاركة في صناعة الواقع بأبعاده المختلفة بما في ذلك واقع الإنتاج العلمي والمجتمعي، هي أمور تهم في اعتقادنا العاملين في حقل التربية في فلسطين، ولكن ذلك الاهتمام الضمني، لا ينعكس في أشكال القياس والامتحان السائدة، مما يعني أن الاهتمام المشار إليه هو أمر ضمني، قد لا يكون حاضراً في الوعي التربوي على نحو نشط وفاعل. ومن هنا يقتصر الامتحان في النظام التعليمي المحلي، خصوصاً بعد المراحل المبكرة من بستان وتمهيدي، وربما الصف الأول على قياس الجوانب المعرفية دون غيرها. ولكن هذه الجوانب ذاتها يتم اختزالها في معظم الأحيان إلى المعلومات التي تحفظ بعد تقديمها من قبل المدرس للتلاميذ وبالاستناد إلى نسخة واحدة للحقيقة يقدمها الكتاب المقرر. وعندما يحين الوقت "الموعود" يستذكر التلاميذ المعلومات المخزنة ويكتبوها في دفتر الإجابة. ولذلك فإن فشل الطلبة في أي امتحان إنما يعني عدم قدرتهم على تذكر المعلومة. ولذلك أيضاً يمكن، مثلما هو الحال في نظام التوجيهي السابق والحالي، أن يتقدم الطلبة لامتحان إكمال بعد وقت قصير من الامتحان الأول، ودون حاجة إلى أي تدريب جديد. ذلك أنهم يقومون بدراسة المعلومات ومحاولة حفظها مجدداً. وبالطبع لسنا في حاجة إلى تفصيل القول في ذلك إذ أن كل من له احتكاك بالعملية التربوية في بلادنا يعرف من خلال خبرته الملموسة أن الطالب الذي لم يوفق إلى النجاح في امتحان التاريخ أو اللغة العربية أو غير ذلك يحتاج إلى انفاق بعض الوقت من أجل تذكر المحتوى على نحو أفضل. غني عن القول إن فحصاً يقيس مستوى الأداء في اللغة لا يمكن أن تتغير نتيجته خلال شهر من الزمن. ذلك أن إحداث فرق حقيقي في لغة أحدنا يحتاج وقتاً لا يقاس بالأيام والأسابيع وإنما بالسنوات. ولا بد أن تطوير مهارات التكفير، على سبيل المثال، يحتاج بدوره إلى وقت طويل، ولا يمكن للتلميذ في معظم الحالات أن يحقق قفزة في معرفته بالتفكير وطرائقه المختلفة دون مساعدة محترفة من "خبير" في هذا المجال في المستوى العام للتفكير، وفي المستويات المخصصة لكل فرع معرفي على حدة. ليست مهارات التفكير الناقد، والمنطقي، والتركيبي، والتحليلي، والإبداعي من بين أنماط عديدة للتفكير ملقاة على قارعة الطريق. بل هي مهارات تحتاج إلى تدريب مكثف ومقصود يستمر سنوات وسنوات، ولا بد له من عناصر متكاملة في المنهج من أجل أن يتحقق ويصبح جزءاً من بنية التلميذ المعرفية.

ومن نافلة القول إن معرفة المعلم بطرق قياس التفكير مهارة قائمة بذاتها. وقد وجد البحث بشكل متكرر أن المعلم المدرب على تدريس مهارات التفكير قد لا يستطيع بشكل تلقائي أن يفحص وجود هذه المهارات لدى التلميذ عند كتابة الامتحان. وهذا يعني أن تدريس التفكير شيء، وقياسه شيء آخر لا بد أن يتم تدريب المعلم عليه بشكل صريح وكافي. هناك إذن أوليات لا بد منها قبل الشروع في التفكير الجاد في التغيير: أولاً لا بد من أن تعي إدارة الجهاز التعليمي أن هدف التعليم هو خلق المواطن الجميل المنتمي لوطنه والمنتج للمعرفة، وأن تبدأ في إعداد البيئة والمقررات والمعلمين على هذا الأساس، وهو أمر سيحتاج إلى توظيف الكثير من الموارد المالية والمهارية، أخيراً يمكن الوصول إلى تطوير الامتحان الذي يبحث عن تمثل التلاميذ للمهارات الضرورية للإبداع والتكفير وإنتاج المعرفة. لكن هذه السيرورة تحتاج بالطبع إلى عقدين من الزمان في الحد الأدنى. هذا إن شئنا أن نحتفظ بشيء من التفاؤل.