الأربعاء  19 حزيران 2019
LOGO

من عبدالله عزام إلى إسماعيل هنية بقلم: عدنان الصباح

في ذكرى رحيل الشهيد الشيخ احمد ياسين لا تحاولوا كسر درعكم فتنكسروا

2019-03-22 03:02:54 PM
من عبدالله عزام إلى إسماعيل هنية
بقلم: عدنان الصباح
عدنان الصباح

حتى هزيمة حزيران عام 1967 كنت تلميذا في مدرسة برقين الإعدادية للبنين حين كان الشيخ عبد الله عزام رحمه الله مدرسا لمادة الزراعة في تلك المدرسة التي ظل بها حتى الحرب حين أصبح مطلوبا لقوات الاحتلال وطوال سنوات خدمته في المدرسة كان رحمه الله نموذجا يحتذى في كل سلوك فلم يشاهد أبدا إلا قائما بواجب أو فاعلا لخير فهو إما مساعدا لزملائه أو حانيا على تلاميذه أو متطوعا لخير مع جيران المدرسة ومحيطها أو معلما في غرفة الصف لا يضيع لحظة واحدة من دقائق الحصة أو معنا في الحقل يعمل وإيانا يدا بيد فينكش ويزرع ويلتقط العشب ويبني السلاسل دون كلل أو ملل وعند وقت الإفطار كنا نشاركه إفطاره المكون عادة من خبز الطابون البلدي بالزيت والزعتر أو الزيتون أو البندورة البلدية اللذيذة قبل أن تدخل الهرمونات إلى خضرواتنا وقليلة هي المرات التي احضر بها الجبن أو اللبنة على اعتبار أنها أغلى وأكثر ندرة من باقي المكونات وكان يحضر إفطاره معه من بيته كل يوم من بلدة السيلة الحارثية والتي كان يأتي منها ويعود إليها في معظم الأحيان مشيا على الأقدام وكنا نعلم جيدا انه يبدأ مسيرته الصباحية من بيته إلى المدرسة ليصل قبل الجميع بعد صلاة الفجر مباشرة, لم أره أبدا يرتدي غير بدلة الكاكي ولم اسمع منه يوما إلا كل كلمة خير وحب وقد كنت معجبا به وبسلوكه وتعامله حد أني كنت اعتبر نفسي واحدا من مريديه ومعدودة هي المرات التي قام بها إماما لنا في أوقات صلاة الظهر فقد كان يقدم عليه من يتوسم به القدرة من المدرسين أو العاملين أو الطلبة إلى أن جاء يوم وكنت أسير بجانبه بعد خروجنا من المدرسة في طريق عودتي إلى البيت وكنت أصر برغبة رغم رفضه المتكرر بان احمل له شنطته حتى نفترق إلى أن وافق في احد الأيام النادرة وسلمني الشنطة بعد ان اخرج منها كتبه لتصبح خفيفة لاستطيع حملها بسهولة ولا زلت حتى يومنا اذكر فرحي بذلك الانجاز إلى أن رآنا أخي الأكبر وكان طريق المدرسة قريبا من بيته فامسك بي وحاول ضربي لولا حماية الشيخ عبدالله لي وقد فهمت متأخرا أن أخي كان قريبا من حزب يختلف مع مبادئ الشيخ وقد منعني أخي من مرافقة الشيخ مع أنني لم استجب أبدا لطلب أخي الذي أحبه بالتأكيد لأني كنت أكثر معرفة بالشيخ وسلوكه وفعله وعن قرب ولذا لم انقطع عن مرافقتي للشيخ حتى اندلاع الحرب في حزيران 1967م واحتلال كامل تراب بلادنا وغياب الشيخ عن المدرسة ويعلم الجميع باقي مسيرة الرجل فقد ظل مقاتلا ضد الظلم والطغيان والاحتلال حيثما سنحت له الفرصة وسواء اختلفت معه أو اتفقت فيما بعد ولكنني اعلم جيدا مما سمعت عنه وعن مسيرته انه ظل وفيا لمبادئه وظل يحتمي بالناس ويحميهم يقاتل عنهم ومعهم  وينتمي إليهم لا يقاتلهم ولذا لم يكسروه إلى أن اخترق الأعداء صفوفه ونالوا منه إدراكا منهم لحجم خطورته عليهم فهو يوما لم يساوم ولم يركع إلا لله كما كان يقول دائما لنا.

ذات يوم وكنا في غرفة الصف حين جاء إليه من يهمس بأذنه ورأيناه يغضب فجأة كما لم نراه من قبل ولمعت عيناه الجميلتان بشرر عجيب وخرج من غرفة الصف مسرعا فما كان مني ومن بعض التلاميذ إلا أن خرجنا من خلفه نركض ومعنا بعض المدرسين ثم الأهالي دون أن يعلم احد إلى أين نحن ذاهبون وكل ما دار في أذهاننا أن هناك حدث أزعج شيخنا المحبوب فقد كان رحمه الله كالأحنف بن قيس " إذا غضب غضبت له ألف من تميم دون أن تدري لماذا " وأخيرا وصلنا منهكين إلى وسط مدينة جنين حيث مقر الإخوان المسلمين وقد تم الاعتداء عليه وتكسير محتوياته ونثرها في الشارع العام فساعدناه على جمعها وإعادة ترتيبها ولم ينسى أن يهتم بعودتنا امنين إلى بيوتنا.

ما أعادني لهذه الذكريات البعيدة هو ما جرى في غزة في الأيام الأخيرة من طريقة التعاطي مع حراك " بدنا نعيش " فالناس الذين أرادوا الصراخ بهتافهم جائعين فعلا وهم نفس الناس الذين انتخبوا حماس واتوا بها إلى السلطة ومكنوها من المجلس التشريعي ومن الحكومة ومن غزة لاحقا أيا كانت المسميات لتلك الحالة وهم نفس الناس الذين صمدوا معها في حروب غزة وهدمت بيوتهم وجرحوا واستشهدوا وجاعوا وناموا في الشوارع ملتحفين السماء ولاحقهم الجوع والمرض ولا زال فهل كان يجوز ضرب هؤلاء والتعامل معهم بهذه الطريقة مهما حدث وهؤلاء هم درع المقاومة التي تريدها حماس وتعلن عن أنها طريقها الوحيدة فأي مقاومة ستنتصر أو ستصمد دون ناسها والناس دائما وأبدا هم درع كل ثورة وصدر كل مقاومة ووقودها الحقيقي فلا نصر بحزب ولا بجماعة دون قناعة الناس وإيمانهم بها والتفافهم من حولها وقبول اختلافهم وتفهم قناعاتهم ومطالبهم.

أبدا لا يكفي الإعلان أن رام الله خلف الحراك أو أن مخابرات السلطة من تدبر ذلك أو حتى فتح أو أي جهة كانت لتستطيع حماس إسكات أصوات الجائعين والمتعبين والغاضبين من عامة الناس فلم يستطع بن علي الصمود باتهام الإخوان ولم يستطع مبارك الصمود باتهام الإخوان ولا الأصابع الخارجية ولن يستطيع احد شيطنة الشعب أيا كانت قدراته وأيا كان تعداد عناصره ولا قوة جيشه فالشعب حين يصرخ تصل صرخاته كل الآذان وشعب كشعبنا صغير ومتماسك لن تجد فيه من سيذهب حتى النهاية بقمع شعبه وهو ما لم يحدث مع جيش مبارك في مصر ولا جيش زين العابدين في تونس وبالتالي فان الاستماع جيدا لصوت الناس والاستجابة لمطالبهم هي الطريق فإما أن نطعمهم ونكسيهم ونسترهم بسقف إن أمكننا ونرفع الحصار عنهم بكل ما أوتينا من قوة وإلا فلنجوع ونعرى ونلتحف السماء قبلهم وأكثر منهم ولا نغادر من معبر رفح ولا لغيره ما دام ذلك غير ممكن لكل غزي ولا نغفو لحظة دون أن تستعيد الضفة غزة وتستعيد غزة الضفة لعلنا نستعيد الجليل ونعيد المنشورين في الأرض بلا ارض إن أردنا فعلا أن نعلن نصرنا على الأعداء ونعطي شعبنا وبلادنا حريتهم.

أهل غزة هؤلاء الذي يصرخون بجوعهم حموا قيادات حماس من الموت في كل حرب وحموا انجازات حماس ووقفوا معها في كفاحهم المشترك وهم لا زالوا معها في مسيرات العودة وساحات الصمود والكفاح لم ينحنوا أبدا كما تعلموا إلا لله فلماذا سعت حماس لإجبارهم على الانحناء لعصيها وكيف لها غدا أن تطلب منهم معاودة الصمود ومعاودة الالتفاف من حولها على برنامج المقاومة التي تعلنه صباح مساء, كيف يطالبون بقبول الجوع وهم يرون قيادات لا تجوع, كيف يطالبون بالصبر على بيوت العراء وهم يرون بيوتا كاملة الدفء, كيف يطالبون بقبول العتمة وهم يرون بيوتا تشع, كيف يطالبون بقبول الأسمال لباسا وهم يرون البزات الرسمية داكنة اللون والتي تدلل أن أصحابها لا يعرفون غبار حواري وزقاقات مخيمات غزة, كيف يطالبون بتحمل الجوع وهم يرون وجوها نضرة, كيف يطالبون بالمشي حفاة وهم يرون السيارات الفارهة.

الناس كل الناس هم درع الحماية والحياة لأية ثورة, والناس كل الناس هم من يعطون السلطة قوتها وقدرتها على الحكم, وإلا فان من يحاول كسر درعه يكون قد قرر الانكسار لنفسه ومن يعتقد أن بإمكانه أن ينوب عن الشعب وعن الوطن واحدا موحدا فهو واهم وأي حكم وأية مقاومة وأية ثورة تلك التي يمكن لها أن تجد شعبها من حولها دون أن تدرك أن دمعة طفل غزي واحد بات ليلة واحدة جائعا بلا حليب هي مسئوليتهم ودون أن يتنازل القائد عن قوت يومه لصالح أطفال شهيد جاعوا ودون أن يرسل بزجاجة زيته الأخيرة ليضيء بها قنديلا في بيت جريح ودون أن يتنازل عن بزته الرسمية ما دام هناك مواطن واحد لا يمكنه الحصول على مثيلتها ببساطة ودون أن ينزل عن راكوبته ليمتطيها عجوز متعب ودون أن يترك فراشه الوثير لينام به مريض محتاج وعندها فقط يمكن لمثل هذا القائد ومثل هذا الحزب أو الجبهة أو الجماعة أو الحركة حين يدركون ان محاولة كسر درع الشعب انتحار عندها فقط يمكنه أن يعلن النصر مسبقا وسيأتيه حتما.