الثلاثاء  23 نيسان 2019
LOGO

لحظة مصارحة بقلم: نور عودة

وعلامة رفعه الفكرة

2019-03-27 12:11:47 PM
لحظة مصارحة
بقلم: نور عودة
نور عودة

عندما تطورت الانتفاضة الثانية وبات واضحاً أن إسرائيل تنوي استغلال التصعيد والتعاطف الدولي معها للانقضاض على الضفة الغربية وتحديداً القدس، حلق ياسر عرفات للمرة الأخيرة بطائرته المروحية ليستقر في رام الله حيث خاض معركته الأخيرة ببسالته المعهودة واستشهد دفاعاً عن وحدانية الأرض والمصير. أدرك الختيار أن قطاع غزة سيتعرض لعنف إسرائيلي شديد لكنه وفي حكمته المعروفة كان على يقين بأن عنوان المعركة كان وسيبقى القدس ومصير أهلها وقدرة الشعب الفلسطيني على البقاء مزروعاً في كل زوايا الضفة الغربية رغم العنف المنهجي الممارس ضدهم بشكل يومي حتى يتمكن من إجهاض المشروع الاستعماري الذي يهدف إلى اقتلاعهم من الأرض والزمان والذاكرة.

اليوم، انقلبت هذه الصورة المشرفة على رأسها، فوحدانية الأرض والمصير في خطر لأسباب فلسطينية وهناك من يصر على الانتصار على الوطن. فالخطر المحدق لا يقتصر على الخطة الأمريكية المزمع نشرها قريباً وتوحش اليمين الإسرائيلي بل إن الخطر الحقيقي الذي يواجه مصيرنا كشعب وقضية هو الإصرار على المشروع الحزبي لكينونة مسخ في غزة. حركة حماس ملتزمة بمشروعها التنظيمي على حساب الكل الوطني وهي مستعدة لاستغلال الواقع الإنساني الكارثي الذي ساهمت في خلقه في قطاع غزة لتحقيق الحكم المستدام في جزء من الوطن على حساب القضية والهوية الوطنية.

من واجبنا جميعا أن نسأل من الذي أطلق الصاروخ على محيط تل أبيب قبل عدة أيام ولماذا ولمن تعود باقي الصواريخ اليتيمة التي تطلق هنا وهناك وكأن هناك من يريد فرض التصعيد؟ من المسؤول عن "الخلل الفني" المزعوم وراء الصاروخين السابقين على تل أبيب؟ وكيف أصبحت الصواريخ الكبيرة هذه يتيمة ودون تبني اليوم وكيف بات إطلاقها "مضراً بالمصلحة الوطنية"؟ وما هو تعريف المصلحة بالنسبة لحماس اليوم؟ وما هي دوافع هذه الرقصة العرجاء مع إسرائيل التي تقامر بالدم الفلسطيني حتى ترسل رسائل غير مفهومة وتغذي حملة الانتخابات المسعورة في إسرائيل، مسلمة بالفرضية اليمينية أن أسهم أي مرشح لا تعلو إلا على حساب الدم الفلسطيني؟

تصرفات حركة حماس لم تترك مجالا للشك بأنها مستعدة لتهديد اثنين مليون فلسطيني بالدمار والموت على يد إسرائيل إذا ما طالبوا بالحد الأدنى من العيش الكريم تحت حكمها ومستعدة لاستخدام عباءة المقاومة لإبرام اتفاق قوامه الهدوء مقابل الحكم وليذهب الشعب وقضيته إلى الجحيم! ولا يأتي السعي المحموم لهذا الاتفاق من فراغ. فالسياق السياسي الأوسع يجعل من السعي لانتزاع اتفاق حمساوي إسرائيلي خطراً استراتيجياً وحقيقياً على "القضية الوطنية".

إسرائيل لا تجد حرجاً من المجاهرة بمخططاتها وأهدافها المتمثلة في الإبقاء على الانقسام والاستيلاء على الضفة الغربية، بما فيها القدس، دون أن تدفع ثمناً سياسياً مهما كان بخساً. وشكل صعود دونالد ترامب إلى سدة حكم فرصة ذهبية لليمين الإسرائيلي المصمم على استغلال كل دقيقة من وجود هذه الإدارة لاستكمال مشروعه الاستعماري وترسيخه كحقيقة غير قابلة للتغيير. بالمقابل، تمنح إدارة ترامب اليمين الإسرائيلي الهدية السياسية تلو الأخرى غير مكترثة بأن اعترافها غير القانوني بسيادة إسرائيل في القدس والجولان السوري يقوضان المنظومة الدولية برمتها، بل إن هذه الإدارة وبعض أركانها البارزين معنيون بإعادة صياغة خارطة العالم الجيوسياسية وإعادة تعريف قواعد العلاقات الدولية من البوابة الإسرائيلية وبما يرسخ شريعة الغاب.

إسرائيل معنية في استمرار الوضع القائم في قطاع غزة ولهذه الغاية، قامت بإرسال تطمينات وقطع تعهدات لتسهيلات غير مسبوقة لحركة حماس تضمن لها الإبقاء على حكمها وتوفير مصادر دخل متعددة في ذات الوقت. ويشارك جزء من المجتمع الدولي في ضمان هذه الترتيبات مع نتنياهو تحت مبررات مختلفة أهمها استحالة استمرار الوضع الإنساني الكارثي على ما هو عليه وضرورة ضمان الاستقرار النسبي في القطاع وعدم المجازفة بانهيار حكم حماس وترك فراغ أمني هناك لما سيشكله هذا الفراغ من تهديد أمني لإسرائيل. في ذات الوقت، يستعد كوشنير وفريقه التعيس للإعلان عن خطتهم التي يراد منها تحقيق هدفين استراتيجيين؛ الأول يتمثل بالقضاء على القضية الفلسطينية بشكل كامل وإنهاء إمكانية قيام أي دولة فلسطينية وضرب الكينونة السياسية الفلسطينية بلا رجعة وبما يسمح بقيام شكل هزيل من أشكال الحكم الذاتي المحدود في ثلث أراضي الصفة الغربية وحكم ذاتي منفصل وأوسع شكلياً في القطاع مع ضمان استمرار الانقسام بين الحكمين. الهدف الثاني والأهم بالنسبة لفريق ترامب هو تحقيق النصر الساحق لإسرائيل والمتمثل بتطبيع علاقاتها مع العرب وضم الجولان وثلثي الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية وفرض هذا الواقع المنحرف على الأسرة الدولية مهما كان الثمن.  

واقع الانقسام مصدر ضعف ووهن للشعب الفلسطيني وقد كلفنا أكثر مما يمكن تحمله. وقد تحمل شعبنا في قطاع غزة الظلم والظلمات ووقف وحيداً يواجه منظومة دمرت نسيجه الاجتماعي وزرعت الأحقاد وقتلت الأمل وامتهنت كرامة الفلسطيني الحر العزيز. مليوني فلسطيني في قطاع غزة، غالبيتهم لا تعرف من الحياة سوى الحصار وحكم حماس وشبح الحرب الذي لا يزول ورغم كل ذلك، لم يفقدوا وجهتهم ولم يقبلوا اختزالهم في الهوية المسخ الجديدة تحت عنوان "شعب غزة". من حق هؤلاء أن ننتصر لهم بعد طول خذلان. من حقهم أن يطالبونا جميعا بالانتصار لهم ولإنسانيتهم وحقهم في الحياة. ومن واجبنا أن نواجه الحقيقة القاسية بأن أماني شباب غزة الآن تقتصر على الخلاص الفردي المتمثل في الهجرة بعد أن أوصدت كل أبواب الأمل أمامهم وبعد أن أدركوا أن مشروع كسر الحصار لحكام غزة سيأتي على ما تبقى من هويتهم الوطنية وأحلامهم بالحرية. هم مستقبل هذا الوطن الذي يأن من الظلم وواجبنا أن نضمن أن ينتصروا حتى لا يُهزم الوطن.