الإثنين  17 حزيران 2019
LOGO

خطابات النصر والهزيمة في تل أبيب بقلم: رائد دحبور

2019-04-12 12:50:02 PM
خطابات النصر والهزيمة في تل أبيب
بقلم: رائد دحبور
رائد دحبور

جرت العادة في الثلاث عقود الأخيرة وبعد إغلاق صناديق الاقتراع وظهور نتائج العينات الانتخابية التلفزيونية النموذجية أن يكون هناك خطاب نصر انتخابي واحد يلقيه زعيم الحزب الذي تعطيه نتائج العينات تفوقا وفارقا ملحوظا على ما سواه.

هذه المرة وبعيد إعلان نتائج تلك العينات كان هناك خطاب نصر رقم ( 1 ) ألقاه الجنرال السابق بني غانتس زعميم حزب " كحول لفان - أزرق أبيض " في الساعة الحادية عشرة والنصف من مساء الثلاثاء؛ اعقبه خطاب النصر رقم ( 2 ) الذي ألقاه بنيامين نتنياهو زعيم حزب الليكود؛ فقد أعطت نتائج العينات التلفزيونية كلا الحزبان مقدارا متساويا من المقاعد - 35 مقعدا لكل منهما - ولم تتغير النتيجة كثيرا في اليوم التالي مع فرز أكثر من 97% من أصوات الناخبين؛ حيث بقيت نتائج المظاريف المزدوجة الخاصة بأصوات الجنود خارج الحساب؛ وهي الأصوات التي علق عليها كل من نفتالي بنيت و إيليت شاكيد - رؤساء حزب اليمين الجديد - آملهما لاجتياز نسبة الحسم وهو الأمر الذي لم يحصل.

في مقابل خطابي النصر كان آفي غاباي - زعيم حزب العمل - قد ألقى خطاب الاعتراف بالهزيمة المنكرة لحزبه في الانتخابات؛ حيث كانت تعطيه نتائج العينات أقل من سبعة مقاعد؛ وبالمقارنة مع آخر انتخابات جرت في عام 2015 وأعطت حزب العمل بقيادة إسحق هرتصوغ وقتها 24 مقعدا؛ فقد بات واضحا أن هذا الحزب العتيد الذي بنى الدولة قد أصبح في طريقه المؤكد نحو الاندثار التام ومعه ربما كل ما يعرف بكتلة اليسار التقليدي - وهذا أول استخلاص دراماتيكي مهم لجهة قراءة أولية لنتائج الانتخابات الأخيرة.

لقد أفلح الجنرال بني غانتس في حشد مجموعة من الجنرالات في صدارة المشهد الانتخابي والسياسي ضمن تشكيل ما عرف بحزب أزرق أبيض وذلك بالتحالف مع يئير لبيد زعيم حزب ييش عتيد - هناك  مستقبل - كتشكيل يعبر عن مركز مزيج - يسار يمين إن صح التعبير - وذلك على يسار الكتلة اليميمنية الكبيرة بزعامة الليكود.. وفي الوقت الذي أفلح فيه غانتس بذلك إلا أنه عمليا قد حطم معسكر اليسار بالمعنى التقليدي ولم يفلح في الوقت نفسه في اختراق معسكر اليمين وفي اجتذاب أصوات جمهور الحريديم - المتدينين - نتيجة اتفاق التناوب بينه وبين يئير لبيد المبغوض جدا من قبل ذلك الجمهور.

بكل الأحوال.. كان خطاب النصر الأول لبني غانتس يعبر عن النشوة بالنتائج التي حققها خلال بضعة شهور في حشد كتلة سياسية وفي اجتذاب كتلة قطاعية من الجمهور الإسرائيلي في مواجهة الليكود من خلال وضع مجموعة من الجنرالات في الصدارة وعبر التحالف مع لبيد بما

أتاح له رفع نصيبه من الأصوات بمقدار ما لين تسع وعشر مقاعد؛ وقد بدأ غانتس بشكر نتنياهو على أدائه كرئيس - سابق - للحكومة؛ لكنه قال لنتنياهو في معرض ذلك: يجب عليك انتظار نتائج كومة كبيرة من الأوراق في ملفات الفساد الخاصة بأدائك. وأعرب عن اعتقاده بأن الكثيرين من الأحزاب الفائزة سيوصون رئيس الدولة بأن يوكل له تشكيل الحكومة القادمة، وكان الجمهور يهتف له: نحبك.. نحبك.

في المقابل تأخر نتنياهو في منزله في القدس كثيرا بعد خطاب غانتس وذلك قبل أن ينزل إلى حدائق المعرض في تل أبيب حيث مقر حزب الليكود الانتخابي - وقد علق متحدث بإسم الليكود أن نتنياهو يجري الاتصالات من منزله لتوضيب حكومته القادمة من خلال الاتصال بأحزاب كتلة اليمين وذلك قبل أن يصل لإلقاء خطاب النصر الخاص به - فهو يريد أن يضع الحكومة في جيبه قبل أن يلقي الخطاب - وربما تشي لغة الخطاب التي ابتدرها نتنياهو بما يؤكد ذلك؛ فقد ضمن نتنياهو بأن توصي أحزاب كتلة اليمين - إضافة إلى حزب " كولانو " بقيادة موشيه كحلون وزير المالية السابق والمنشق عن الليكود أصلا - رئيس الدولة بأن يوكل لنتنياهو أمر تشكيل الحكومة القادمة.. وقد استقبل نتنياهو من قبل الجمهور بعبارات وهتافات من قبيل: أهلا بك يا رئيس الحكومة السابقة والقادمة.. إنك ساحر.. إنك الساحر.

تعليقا على ذلك أنهى نتنياهو خطابه بشكر عقيلته سارة وأبناءه الذين تحملوا كل تلك السموم المبثوثة عبر وسائل الإعلام والدعاية - على حد تعبيره - ووعد بأنه سيكون رئيسا للحكومة للمرة الخامسة على التوالي؛ وهو الأمر الفريد في تاريخ إسرائيل.. وأردف نتنياهو: لقد منحنا الرب دولة من أقوى دول العالم؛ وسيواصل الرب فعل ذلك من أجل أبدية دولة إسرائيل، وهذه الحكومة ستكون حكومة يمين مع كونها حكومة الجميع.. الجمهور ذكي ويعلم وهناك إنجازات مبيرة لم يتم نشرها وهناك تحديات أمنية واجتماعية واقتصادية؛ وهناك تحديات داخلية وخارجية، وهناك مسيرة تطبيع مع الدول العربية.

بالإجمال؛ فالذي يبدو حتى الآن أن خطاب النصر الخاص ببني غانتس كان خطابا مستعجلا منتشيا أكثر من اللازم وهو - أي الخطاب -  وإن استند إلى خمس وثلاثين مقعدا في الكنيست فقد كان ينقصه قاعدة من اليقين بالقدرة على تشكيل حكومة مع فارق أكثر من عشر مقاعد بين قاعدته الائتلافية المحتملة من أحزاب المركز وبقايا اليسار المنقرض وبين قاعدة نتنياهو شبه المؤكدة من الأحزاب اليمينية والدينية؛ وقبل أن يلقي خطابه قالت له عضوة مركز الليكود " غيلا غالمئيل ": لا تعول على هذه الفرصة السخيفة واستعد للجلوس أربع سنوات في المعارضة وستكون بذات التركبية.. لن تكون هناك حكومة وحدة؛ ستكون هناك حكومة يمين.. وتكليف غانتس بتشكيل حكومة سيكون تشويه لرغبة الجمهور ".

 وهو ما سيحصل فعلا - من وجهة نظر تحليلية - على ما يبدو وربما بعوامل أكثر استقرارا وخاصة بعد أن استجاب المستشار القانوني " أفخاي منلديلبيت " لوكلاء دفاع نتنياهو بتأجيل جلسات الاستماع في ملفات الفساد امتثالا لنتائج الانتخابات التي أعطت في جانب من جوانبها ثقة الجمهور لنتنياهو؛ والتي أكدت وفي الجانب الآخر زعامته لكتلة اليمين ولخزانها الديمغرافي القطاعي الضخم؛ وأكدت قدرته على قيادة الليكود - الحزب المستقر غير الطارىء كغيره من أحزاب المواسم الانتخابية - في ظل تمكنه من إزاحة منافسيه كجدعون ساعر و ميري ريغيف على صعيد الليكود و نفتالي بنيت على صعيد معسكر اليمين - وذلك على سبيل المثال.