الجمعة  19 تموز 2019
LOGO

حزب الله وأمينه العام والسياق الإقليمي/العربي المريب بقلم: ناجح شاهين

2019-04-27 01:54:57 PM
حزب الله وأمينه العام والسياق الإقليمي/العربي المريب
بقلم: ناجح شاهين
ناجح شاهين

بعض الناس يصر على النظر إلى حسن نصر الله ومنظمته حزب الله من زاوية الأيديولوجيا الضيقة. بهذا المعنى يتم ببساطة استبعادهما من دائرة المشروعية الثورية على أساس أنهما جزء من منظومة دينية تؤمن بولاية الفقيه...الخ الخ لكن هذا فيما نرى تبسيط مخل ومجحف.
أولا: هذا رجل لا يتكرر بسهولة
أزعم أنه لا يوجد قائد عربي في العصر الحديث يضاهي هذا الرجل في شجاعته وموهبته وذكائه وقدرته على القيادة. وهذا كله يمتزج بسحر "كاريزما" قل أن تجد له مثيلاً. 
قلة من القادة السياسيين يفهمون السياسة على نحو عميق
بالتأكيد ليس منهم جورج بوش، ولا الراحل القذافي، ولا الراحل صدام حسين الذي غررت به سفيرة أمريكا أيبرل غلاسبي بسهولة...الخ 
من بين القادة الأذكياء الذين يلفتون النظر الرئيس الأمريكي السابق باراك اوباما، ورئيس فرنسا الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران، والرئيس الروسي بوتين والصيني شي بينغ. 
ومن أذكى القادة على مستوى العالم الراحل حافظ الأسد الذي كان هنري كيسنجر يكرهه بسبب صبره الذي لا ينفد وقدرته على ضبط أعصابه وإخفاء مشاعره. كان حافظ الأسد يجلس سبع ساعات متتالية واضعاً ساقه الأيمن فوق الأيسر دون أن يتعب أو يمل. وكان يحافظ على مواقعه السياسية وحججه متماسكة طوال ذلك الوقت الكبير. بالطبع كان هذا مزعجاً لكيسنجر المعتاد على أن يغير قرار الحاكم العربي خلال دقيقتين
على الرغم من ذلك لا أظن أنني كنت في أي وقت أستمع للأسد أو لأي من أولئك القادة بغرض أن أتعلم منه: أنا متخصص، أنفقت السنين الطويلة في تعلم الفلسفة والسياسة والاستدلال والتحليل والاستنتاج. وليس بمقدور الحاكم أن يجاري الأكاديمي في معرفته النظرية بالسياسة والتاريخ
فقط نصر الله الذكي والمبدع يظل هو الاستنثاء: بصراحة كثيرا ما أستمع لهذا القائد بغرض أن أفهم أجزاء من لوحة الواقع التي يعسر علي فهمها. بالتأكيد هذا قائد يشكل فارقاً بحضوره الفذ
عندما غاب جمال عبد الناصر انفرط عقد البناء الذي أرساه فوراً. ووضع السادات خلال أشهر قليلة البيض كله في سلة أمريكا، وفكك مصانع القطاع العام ثم قام بالانفتاح ثم صالح إسرائيل....الخ
لكن السادات خليفة عبد الناصر
ترى هل نستطيع أن نحلم بأن يكون المناضل والقائد الفذ نصر الله متنبهاً إلى تربية جيل من القادة الشبان الذين يستطيعون أن يحملوا لواء الحزب ويواصلوا مسيرته في حال نجحت إسرائيل وأذنابها في اغتياله؟ 
تعرفون أن إسرائيل "تغني" هذه الأيام أغنية فحواها أن أية حرب يمكن أن تكسبها بسرعة بمجرد أن "تتخلص" من نصر الله.
بالطبع ليس السيد نصر الله لقمة سائغة لإسرائيل وعملائها. دعونا نأمل أيضاً أن السيد متنبه إلى تمتين بناء الحزب وكوادره بحيث يفاجئ إسرائيل وشبكة عملائها النفطيين في حال غيابه مثلما يفاجئهم دائماً في حضوره البطولي المبدع.

ثانيا: من ناحية الحزب نود أن نوضح أنه "يتمتع" بشعبية واسعة على صعيد الدراسات السياسية والبحثية المختلفة التي تحاول فك طلاسمه وألغازه وأحاجيه التي جعلت منه عقدة لا حل لها في عيون أجهزة المخابرات الغربية ومراكز أبحاثها على السواء.

في هذا السياق كان "مركز الإمارات لأبحاث السياسات" قد عقد مؤتمراً قبل سنتين لمناقشة حزب الله وقائده.  وقد أشارت رئيسة المركز إبتسام الكتبي إلى خطورة الحزب الذي "تحوّل في السنوات الأخيرة من لاعب لبناني الى لاعب إقليمي، إثر مشاركته في حروب إقليمية في سوريا والعراق واليمن". وأوضحت أن "الحلقة النقاشية تسعى الى تسليط الضوء على إيديولوجية حزب الله، وبناه القيادية والتنظيمية والمؤسساتية، وأدواره السياسية والعسكرية، ودراسة التطورات في أهدافه وأساليبه، والبحث في إشكاليات الهوية الدينية والعسكرية والسياسة لدى الحزب".
لمع اسم ابتسام الكتبي بعد أن وقعت اتفاقية مع حكومة كردستان لكي يشرف المركز "الخبير" في الديمقراطية على تنظيم الانتخابات في الإقليم، وقد كان قنصل الإمارات على الأرجح السياسي الوحيد من خارج الإقليم الذي حضر الاستفتاء. وكانت الكتبي هي الشخصية "الأكاديمية" العربية الوحيدة التي دعاها حلف الناتو إلى لقائه في قطر سنة 2004 لإعلان مبادرة اسطنبول في ذلك العام. كما أنها قادت حملة "علاقات عامة" إعلامية/تثقيفية حول قصور قطر عن إدارك تغير الولايات المتحدة بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض. بينت الكتبي بالدليل والحجة أن الزمن ليس زمن قطر وإنما زمن ابوظبي.
غني عن القول إن الإمارات تخوض حرباً سرية وعلنية ناعمة من أجل منافسة السعودية في تزعم المنطقة بعد أن قامت الدولتان بإزاحة قطر "الصغيرة الشجاعة" من الميدان والضغط عليها لكي تلتزم بحدودها. 
المؤتمر الذي يعد الأول من نوعه، شارك فيه العديد من الخبراء الدوليين، كالمحلل السياسي والعسكري لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى مايكل ايزنشتات الذي قال"إن الحزب يتذرع بشعارات المقاومة لشرعنة وجوده وشيطنة خصومه." إذا صح أن ايزنشتات هو مبدع هذه الاكتشاف "العميق" فإن أبطال المؤتمر جميعاً بمن فيهم عالمة السياسة ابتسام الكتبي إنما قاموا بإعادة فكرة الخبير الأمريكي مع تغيير الصياغة بمقدار أو بآخر.
لقمان سليم مثلاً كان مدهشاً في جرأته عندما أكد أن "الشيعة" في حاجة إلى نكبة من أجل أن "يفيقوا" من حزب الله. حزب الله "يمثل" على الشيعة في لبنان دور المقاوم، ولا بد من الحاق الأذى الفعلي بهم، وربما بلبنان كله من أجل تحقيق الصحوة من مخدر حزب الله. أرأيتم مقدار التضحية التي نحتاجها للتخلص من حزب الله؟
ابتسام الكتبي بدورها، وعلى الرغم من دورها القيادي في "الندوة" لم تقل أكثر مما قاله الخبير الأمريكي: الحزب يكذب بخصوص الدفاع عن فلسطين ولبنان بينما هو في الحقيقة ذراع مأجور لإيران. وقد تحالف مع أنظمة عربية حليفة لإيران وصولاً إلى قيامه باحتلال بيروت في ساعات. بالطبع لم تخبرنا الكتبي عن أية مشاريع لتحرير بيروت من احتلال حزب الله.
يؤدي الحزب دوراً تخريبياً في المنطقة. وقد ذهب إلى سوريا ليمارس التخريب وقتل الأبرياء، وهناك انكشف وجهه الحقيقي. ليس هناك أي شيء فعله حزب الله في حياته إلا التخريب، بينما كان يخطب ويلقي المواعظ عن النضال والجهاد ضد الاحتلال الصهيوني. 
بالطبع الندوة مهمة جداً. ولذلك قام "خبير" تلفزيون أبوظبي مقدم البرامج سهيل الزبيدي بتقديم حلقة استضاف فيها "خبيراً" شارك في المؤتمر هو الدكتور عاطف الشاعر المدرس في إحدى الجامعات البريطانية. هذا مهم بداهة لأن عالم الأنجلوسكسون هو الأقدر على تفكيك الشيفرات السياسية، إضافة إلى خبراته العريقة في الديمقراطية ورعايتها حول العالم، بما في ذلك في منطقة الخليج الواعدة بالحداثة والانفتاح والتقدم.
وصف الزبيدي حزب الله بأنه مشروع تخريب عابر للقارات، وأنه يمارس تجارة المخدرات. بالطبع قصة المخدرات يستقيها المذيع الذكي من مصدر موثوق هو الإدارة الأمريكية التي لا تكذب أبداً ولا تأخذها في الحق لومة لائم.
أسعدني أن تلفزيون أبوظبي ينتقص حزب الله انطلاقاً من التشكيك في موقفه من القدس، وهذا يعني أنهم ما زالوا في الإمارات يعطون للقدس أهمية شكلية ما، على الأقل يستعملونها وسيلة للتأثير في الرأي العام العربي، وهو ما يشي بأنهم يعتقدون أنها ما تزال قضية راسخة في الوجدان العربي.
د. عاطف الشاعر ضيف البرنامج الخبير، بين أن حزب الله انطلق في ساحة عنيفة ثم سيطر على الساحة من خلال تنافسه مع أمل. وهو يدين بالولاء للفقية ولإيران. وهذا من الأمور البديهية. إنه جزء من المنظومة الإيرانية. 
ما الداعي لبقاء حزب الله بعد أن تحرر لبنان من إسرائيل؟ هكذا يطرح الموقف الإماراتي. انتهت المعركة وكان على الحزب أن يسلم سلاحه. ولكنه لم يفعل، وهذا يؤكد تماماً أنه حزب مشبوه.
بالطبع "إسرائيل" الموجودة في مكان ما في "الشرق الأوسط" لا تضر الإمارات في شيء، (أم أن الإمارات قد فككتها مثلما فعلت مع شيفرة حزب الله دون أن نتنبه إلى ذلك؟). وهي متفقة مع إسرائيل في أن الذرائع التي تسوغ وجود حزب الله قد انتهت، وأن على الحزب أن يتفكك. 
مذيع ابوظبي "يلقن" الدكتور الضيف ما يقول. نحن في الزمن الذي يتفوق فيه "المذيع" تقريبا على الخبير.. يأخذ الضيف الراسخ في علم الديمقراطية الإماراتية على الحزب أنه أيد النظام السوري الديكتاتوري. ويتفق مع مذيع أبوظبي في أن حروب حزب الله ضد إسرائيل قد انتهت. وهو للأسف ما يخالف وجهة نظر طيف واسع من المشتغلين بالسياسة والفكر السياسي الذين يظنون أن حرباً كبيرة مقبلة حتما بين الحزب والدولة العبرية. لكن لا بد من ضرب مشروعية الحزب عن طريق البرهنة على أنه: 
- أداة إيرانية شيعية 
- وأنه يتظاهر بالعداء لإسرائيل 
- وأنه يريد الهيمنة على لبنان والتدخل الإقليمي من أجل خدمة المشروع الإيراني 
- وأنه يدعي أنه يريد أن يحرر القدس عبر صنعاء ودمشق ...الخ وهو ما يثير السخرية بالفعل.
في المقابل ماذا تفعل دول الخليج للبرهنة على أنها عروبية؟
تتبنى رؤية أمريكا سياسياً واقتصاديا، وتتبنى إسرائيل وتتحالف معهما ضد سوريا وايران وحزب الله وصولا إلى التضحية بفلسطين والترويج لصفقة القرن. 
حسناً ماذا نفعل ونحن نضيع بين حزب الله "عميل" إيران، ومركز الإمارات للسياسات عميل أمريكا وإسرائيل؟ 
نرغب في أن نمضي بعيداً في الاتفاق مع جوهر "التحليل" الإماراتي لنقول إن هناك فعلاً مشروعاً إيرانياً تشكل سوريا وحزب الله أجزاء منه. وهو مشروع يتحالف مع روسيا والصين وفنزويلا وحتى كوريا الشمالية. وهناك في المقابل المشروع الأمريكي/الصهيوني الذي تتبناه وتتبعه دول الخليج.
ترى هل يتوقع خبراء الإمارات والخليج والسعودية وصناع سياستها أن ينحاز المواطن العربي للحلف الصهيو/أمريكي بذريعة أن الحلف الآخر شيعي أو ديكتاتوري بالنظر إلى أن حلف الخليج يعبق بالروائح الديمقراطية ونقاء الإسلام السني الصحيح.؟ 
الجواب واضح فيما نحسب: لن ينضم إلى حلف الخليج الصهيوني/الأمريكي إلا مرتزق منتفع. ومثل هذا الشخص قادر دون شك على العمل لحساب أية جهة معادية لوطنه وأمته وإن تكن أجهزة الاستخبارات الاستعمارية ذاتها.
تفضل الإمارات احتضان شركة "بلاك ووتر" التي لم تعد تجد مزبلة تقبل بها. وتستفيد من خبرات هذه الشركة القذرة السمعة والممارسة من أجل مواجهة "خطر" حزب الله على المشروع الأمريكي وذيوله في "إسرائيل" والخليج. 
وفي هذا السياق يتساءل سهيل الزبيدي في نهاية حلقته "التحليلية": هل يقبل الشعب اللبناني بحزب الله العميل الذي يعيده إلى ما قبل التاريخ؟
ونحن بدورنا نسأل: إلى متى يصبر الشعب العربي في الإمارات والمحميات القروسطية في جزيرة العرب على هذه الأنظمة التي أصبحت لا تفتقر إلى "الشجاعة" لإعلان تحالفها الصريح مع الصهيونية من منصات تل ابيب ونيويورك ناهيك عن أبوظبي والرياض؟

حاشية: أعلنت إسرائيل أنها ستشارك على امتداد ستة أشهر في "اكسبوتيك" دبي الذي سينطلق قريبا، ولم يتم نفي الخبر من أية جهة في الإمارات، ولا نتوقع أن يتم ذلك النفي لأن إسرائيل بعد دخول وزيرتها الجميلة إلى مساجد الإمارات أصبحت بالفعل بلدا صديقا، أو شقيقا إذا اخترنا طريقة تعبير الإعلام الخليجي.