الخميس  14 تشرين الثاني 2019
LOGO

فلسطين قبل عشر سنوات وبعدها: نهاية أكذوبة الدولة بقلم: ناجح شاهين

2019-06-08 01:05:06 PM
فلسطين قبل عشر سنوات وبعدها: نهاية أكذوبة الدولة 
بقلم: ناجح شاهين
ناجح شاهين

مثلما أوضح كوشنير، ليس الفلسطينيون جاهزين لحكم أنفسهم. لكن من البدهي أن كوشنير ليس مهتما بدراسة مقدار النضج السياسي الفلسطيني، إنما هو معني بتوجيه رسالة ضمنية معروفة للجميع، على طريقة ماركيز في "قصة موت معلن": لا يوجد دولة فلسطينية، لأن الفلسطينيين ليسوا جاهزين للحكم. لكن الفلسطينيين لن ينضجوا أبدا، ما دام القاضي المكلف بإصدار الحكم هو جاريد كوشنير صهر الرئيس الذي ينازع نتنياهو نفسه مقعد زعامة إسرائيل، والحركة الصهيونية العالمية.

بعد ربع قرن من الوعد الذي دغدغ عواطف النخبة السياسية الفلسطينية بدولة في الضفة والقطاع، يتضح أخيرًا أن الفلسطيني ليس جاهزاً للدولة، وأن عليه أن يعيش تحت الانتداب - الإسرائيلي هذه المرة- من أجل أن يتعلم الحضارة، وأصول الحكم التي تبدأ بكلمات مفتاحية أساس من قبيل: نبذ الإرهاب، والإقرار بحق شعب الله المختار في دولة يهودية خالصة، والتخلي عن سلاح الإرهاب في غزة، والإعلان النهائي والصريح الصادر عن الجنين في بطن أمه أنه لا يريد سوءأ بإسرائيل...الخ وذلك كله غيض من فيض.

هنالك أمر آخر غاية في الأهمية: ما الذي يريده الفلسطينيون من إسرائيل بمزاحمتها على قبور الأجداد في يهودا والسامرة؟ هل المقصود فعلا هو خمسة آلاف كم مربع في الضفة؟ إن كان ذلك هو المقصود حقا، فإن سيناء تتكفل بحل المشكلة، وذلك ما يجب أن نقرأه في مزاعم منظمة العفو الدولية القائلة إن هناك شعارات يرميها الجيش المصري في شمال سيناء تدعو الناس إلى المغادرة: "إن من يخشى على حياته عليه أن يغادر المكان".  في هذا السياق قد يكون مفيداً أن نستعيد بدايات السلام الراهن المفتقر إلى ما يبدو إلى المكونات السياسية.

هل تتذكرون سلام فياض؟ كأنني أستدعي رجلا من حقبة الرومان أو الأمويين!  كان رجلا حالما وعملياً في الوقت نفسه، أراد في العام 2009 ، قبل عشر سنوات بالتمام والكمال، أن يبني الدولة بحلول العام 2011. كان يردد دائماً: "مع حلول العام 2011 سيكون لدينا دولة فلسطينية ديمقراطية حقيقية." كان المقصود بحسب تفكيره الاستراتيجي هو بناء المؤسسات، لأن الدولة ستأتي خلال سنتين بدون أن نفكر في إسرائيل.

كان صائب عريقات، الذي يبدو اليوم يائساً على غير عادته التي طورها في العقود الماضية، واثقا من نفسه كثيرا: كانت "الحياة مفاوضات" غنية بالاتصلات الدائمة مع  بان كي مون وخافير سولانا في شأن دفع المجتمع الدولي للاعتراف باستقلال فلسطين. بالطبع كان نتنياهو ملك إسرائيل الخالد الذي يحكم حتى قبل محمود عباس نفسه، إن أخذنا بعين الاعتبار فوزه سنة 1996 في مواجهة شمعون بيرس، كان يصر على أن المهم هو بناء الثقة والمحبة والنجاح الاقتصادي والتعاون الأمني...الخ أما موضوع الدولة فيمكن أن يأتي بشكل ما، في زمن ما، وعلى نحو ما، لا يعلم به تماما إلا الله/إلوهيم رب الجنود المحارب.

لكن السلطة الفلسطينية لم تكن تكترث لذلك؛ كانت تتقدم بقيادة تلميذ البنك الدولي والولايات المتحدة النجيب سلام فياض دون أن تلقي بالا إلى نتنياهو: فليفعل نتنياهو على الأرض ما يشاء، ما دمنا نسجل المزيد من الانتصارات الديبلوماسية. كان الانضمام لمنظمة التجارة الدولية هو الأمر الأهم. قد يفشل الشبان الذين يترعرعون الان في "كنف" دونالد ترامب في إدراك أن تلك المنظمة كانت إحدى المقدسات الكبرى في السياسية الدولية قبل أن يرجمها ترامب بالحجارة ويلقي عليها القاذورات في وضح النهار. عبر باسم خوري وزير الاقتصاد الوطني في حكومة فياض عن ذلك بالقول إن السلطة الفلسطينية تحلم بالانضمام الكامل لمنظمة التجارة الدولية لأن ذلك يشكل "المحرك نحو الإصلاح وبناء الدولة."

كان ذلك زمن الوهم الليبرالي الفلسطيني المخلص أو الكاذب بامتياز. وقد بدا في لحظة من اللحظات أن سلام فياض وحكومته إنما ينطقون باسم المنظمات غير الحكومية وجون لوك ومنظمات حقوق الإنسان جميعاً؛ كانت الشفافية والديمقراطية ورفض الفساد واقتصاد السوق هي المسلمات الأساس في نظام إقليدس الاقتصاد الفلسطيني. 

كسرت إسرائيل الشريرة بقائدها اليميني (يا الله لو أن اليسار كان في السلطة كانت أشياء كثيرة قد تحققت! كان يردد أنصار فياض دون ملل وبالإيقاع الحالم نفسه) حلم الانضمام إلى منظمة التجارة الدولية وساندتها الولايات المتحدة وهي تحت قيادة الرئيس الأكثر ليبرالية ويسارية في  التاريخ الأمريكي/ باراك حسين أوباما. كان الاعتراض بالطبع وجيها: لا تستطيع السلطة أن تغير وضع الضفة الغربية بدون الاتفاق مع إسرائيل، هذا ما ينص عليه أوسلو ذاته الذي تستند إليه السلطة في شرعية وجودها. كانت السلطة مكبلة طوعا أو كرها باتفاقية أوسلو بينما كانت إسرائيل تنتقي منها ما تشاء قبل مجيء سلام فياض، بل ومحمود عباس نفسه بزمن طويل.

 هدد الملك الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن أي إجراءات أحادية من جانب السلطة ورئيس وزرائها الليبرالي المتفوق بلغته الإنجليزية وتدريبه في أمريكا والبنك الدولي، ستؤدي فقط إلى انهيار إطار الاتفاقيات، وسوف يؤدي إلى خطوات منفردة من الجانب الإسرائيلي.

كذلك رد الوزراء الإسرائيليون كلهم بغضب على محاولات سلام فياض لفرض الدولة أمرا واقعا، وإن يكن على الورق فحسب. بينوا جميعا أن الانفراد الفلسطيني سوف يقوض كل شيء. لكن ماذا كانت تريد إسرائيل أكثر من فياض؟ كان فياض هو الممثل الرسمي تقريبا لبشار المصري مؤسس روابي والعكر مدير شركة جوال... أي أنه كان يمثل "الأعمال الناجحة" التي تسعى إلى السلام والهدوء بأي ثمن. فهل كان "اليمين" الإسرائيلي ينتظر عبد العزيز الرنتيسي أو وديع حداد لكي يتصدق عليه بالدولة على أجزاء ما من أرض 1967؟!

كان واضحا في ذلك الزمن بما يكفي لمن يريد أن يبصر أن إسرائيل قد حسمت أمرها، وانها لن تعطي الفلسطينين دولة ولا من يحزنون. حتى أن "الربيع" العربي الذي اكل الأخضر واليابس في المشاريع القومية العربية الكبرى والصغرى لم يكن قد أطل برأسه بعد. ولكنه سيأتي بعد قليل، قبيل انتهاء ساعة ولادة دولة سلام فياض سنة 2011.

بالطبع كانت "اللعبة" الفلسطينية تستند إلى فكرة أن القدرة على متابعة العلاقات الدبلوماسية مع مؤسسات مثل منظمة التجارة الدولية يرسل رسالة للشعب الفلسطيني بأن السلطة قادرة على العمل بشكل مستقل على المستوى الدولي. وهذا التصور مهم لحشد الدعم الشعبي للمسار الدبلوماسي للسلطة الفلسطينية. ولأن الفلسطيني لا يثق بإسرائيل شريكا في المفاوضات، كان لا بد أن تتم الدبلوماسية على جبهات عديدة إذا أريد لها أن تكون ذات مغزى، والأهم من ذلك، هوأن الانضمام لمنظمة التجارة الدولية يرسل رسالة واضحة للجمهور الإسرائيلي بأن السلطة تسعى إلى السلام في سياق حل الدولتين.

على إثر الانقسام بين فتح وحماس، توافرت فرصة للعمل الأمني المشترك الصارم في الضفة الغربية مما أدى إلى فترة من الهدوء. وقد امتدح في ذلك الوقت رجال مثل عمار العكر وبشار المصري ذلك الهدوء الذي عدوه إنجازاً سمح بالفورة الاقتصادية التي يمكن لفياض أن يفخر بها. وقد ابتهج ملك إسرائيل نتنياهو بذلك الهدوء والنمو الذي يجسد رؤيته للسلام الاقتصادي على افضل وجه. في المقابل كانت عملية الرصاص المصبوب تقوم بإرجاع عزة إلى ما قبل القرون الحديثة. وقد كان من ثمار السلام الاقتصادي المزدهر في الضفة على ما يبدو أن تفاعل الناس مع الرصاص المصبوب كان فاترا بالفعل. ولا بد أن ملف ريتشارد غولدستون الذي اشتركت السلطة في طويه مع إسرائيل وأمريكا لم يغب عن الأذهان بعد.

كانت الساحة مهيأة بالفعل لنجاح سلام فياض وتحوله إلى أسطورة تشبه نلسون مانديلا. ولم يكن هناك في الطرف الفلسطيني من يعارض أية تسوية تحمل في إطارها كلمة دولة. لكن إسرائيل كانت لا تريد ذلك: كان وقف الاستيطان في إيرتس يسرائيل المقدسة هو الثمن الذي لا يمكن لإسرائيل أن تدفعه. وقد فشلت قيادة أوباما/هيلاري كلينتون "اليسارية" في إقناع إسرائيل بوقف الاستيطان. النتيجة واضحة تماما: لا للدولة الفلسطينية التي ستوقف الاستيطان.

عبر عمار العكر في ذلك الزمن عن الأمل الفلسطيني الذي شمل الأطياف كلها بفضل وجود أوباما (تقول إحدى "الأساطير" إن نشطاء من الجبهة الشعبية قد سافروا إلى أمريكا من أجل دعم حملة أوباما) بالقول إننا كنا متفائلين عندما جاءت إدارة أوباما ولسوء الحظ فقد تلاشى الأمل بسبب اختيارها الضغط على الجانب الفلسطيني بدل. إن أمريكا لا تفعل الكثير لوقف الاستيطان. .

وفي الجوهر كان رجال مثل العكر والمصري ونديم خوري صاحب مصانع بيرة الطيبة، وتجار الحجارة والسيراميك ...الخ يتصدرون المشهد السياسي والاقتصادي الفلسطيني وكانوا من "المرونة"  بمقدار السعي لبناء تجارتهم في إطار حدود الاحتلال بدلا من إسقاط الاحتلال تمهيداً لبناء تجارتهم. وفي ذلك الوقت كان الازدهار واضحا للعيان بما يسمح بالتبجح حول الفرق بين نموذج الضفة ونموذج غزة. كان الاستثمار الأجنبي بما فيه العربي (قطر ومشروع روابي على سبيل المثال) والدعم الأوروبي للسلطة والمنظمات غير الحكومية مرئيا من جنين إلى الخليل، وكان تمرير التسوية بدون اشتتراطات كثيرة ممكنا بالفعل.

لكن استمرار الاستيطان والتمنع الإسرائيلي حتى في ظل باراك أوباما جعل العام 2011 هو عام الحسم بالفعل، ليس بالنسبة لبناء الدولة، وإنما للحلم/الأكذوبة الفياضية. بعد ذلك بالطبع سينشغل العالم كله بمن فيهم الفلسطيني نفسه بالثورات/الفوضى التي ترعاها الولايات المتحدة وإسرائيل وبلاد النفط العربية، وهي التي ستقود إلى تحول ما كان مضمرا أيام سلام فياض لأن يصبح صريحا/معلنا في زمن رامي الحمد الله ومن بعده محمد شتية.

لكن السلطة بالطبع لا خيار لها إلا انتظار جودو، ومواصلة الألعاب المعتادة، حتى يقرر اللاعبون الآخرون إنهاء اللعبة، غالبا بطرد الفريق الفلسطيني من الملعب المقام على أرض الآباء والأجداد. لقد تم استهلاك الوقت اللازم الذي كان يتحدث عنه شامير حول مفاوضات لا نهائية تنتهي بتفريغ فلسطين كلها، لكن شامير لم يكن يحلم بهدية التاريخ التي سرعت سيرورة الحدث على نحو مذهل: جاء "الربيع" العربي فطم الوادي على القرى الفلسطينية والعربية كلها. ولا جرم أن المقاومة الثورية الشجاعة القادرة على قلب اتجاه الأحداث في هذا الزمن بالذات، هي أشبه بالقبض على كتل الحديد المذاب، وليس الجمر المحترق.