الإثنين  23 أيلول 2019
LOGO

العثور على الذات ... اغتيال الدونية (6) بقلم: عدنان الصباح

2019-06-08 03:34:30 PM
العثور على الذات ... اغتيال الدونية
(6)
بقلم: عدنان الصباح

يبلغ مردود مبيعات النفط العراقي سنويا حوالي 85 مليار دولار والجزائر 60 مليار وتشكل عائداته 60% من ميزانية الجزائر و97% من صادرات الجزائر اي انه فيما عدا النفط فان ما يتم تصديره فقط 3% وعائدات النفط السعودي وهي الاكبر تقدر بحوالي 588 مليار دولار سنويا وهي تشكل 90% من صادرات السعودية وتقدر عائدات النفط الليبي السنوية بأكثر من 30 مليار دولار ويبلغ اجمالي عائدات النفط العربي اكثر من 500 مليار دولار سنويا ومثل هذه الارقام اذا اضيفت لها عائدات النفط العربي في باقي الدول فان الارقام تصبح خرافية ويعود تاريخ اكتشاف النفط في الدول العربية الى العام 1932 في الجزيرة العربية واول ظهور للنفط كان في البحرين بكميات محدودة عام 1932م  بينما تم اكتشاف البترول بكميات تجارية في بئر الدمام في السعودية عام 1938م اي قبل حوالي 80 سنة ورغم العائدات النفطية الكبيرة إلا ان جميع الدول العربية لم تحاول ابدا تطوير وتنويع اقتصادها بحيث يصبح البترول مصدر تطوير للناتج المحلي الصناعي والزراعي وسواه وعلى العكس من ذلك فبعد 80 سنة من عائدات نفطية جبارة يبقى البترول هو اساس اقتصاد هذه الدول دون ان يجري تطوير حقيقي لاقتصادها لتقليل نسبة اعتماده على الصادرات النفطية ولا توجد دولة عربية واحدة ضمن الدول الصناعية او الدول المتحضرة ففي حين تملك اسرائيل الصغيرة ودولة الحرب والمعزولة وكالة فضاء منذ العام 1983م لا يوجد اي وكالة فضاء عربية على الاطلاق وتحتل اسرائيل المرتبة 18 في مؤشر الامم المتحدة للتنمية البشرية بينما كانت قطر الدولة العربية الاولى بعد اسرائيل في المرتبة 32 وتصل نسبة الامية في اسرائيل الى 2.9% وتنفق على التعليم حسب تقارير 2008 ما قيمته 27.5 مليار دولار وهي تمتلك رابع اكبر نسبة حملة شهادات علمية في العالم 6 من جامعاتها دخلت لائحة افضل مائة جامعة في اسيا و3 منها ضمن قائمة افضل 150 جامعة في العالم وتحتل الجامعة العبرية في القدس المحتلة المرتبة 67 بين جامعات العالم بينما تعتبر جامعة الملك سعود في السعودية الجامعة الاولى عربيا وتحتل المرتبة 338 عالميا  وجامعة الملك عبد العزيز في المرتبة 159 اسيويا وتعتبر دولة الاحتلال من الاعلى الدول انفاقا على البحث العلميفهي تنفق ما قيمته 4.7% من الناتج القومي بينما تنفق الولايات المتحدة 2.6% وبريطانيا 1.8% بينما تنفق السعودية مثلا 0.25% فقط ولا تصل جميع الدول العربية الى النسبة التي تصلها دولة الاحتلال منفردة وقد وصلت براءات الاختراع في دولة الاحتلال في العام 2008 فقط 1166 اختراع وسجل العرب جميعا طوال حياتهم 836 اختراع وهو ما يشكل 5% فقط من عدد براءات الاختراع المسجلة في دولة الاحتلال ونقلا عن اشرف ابراهيم في مجلة " ساسة بوست " بتاريخ 7/8/2016 كتب يقول حول حركة البحث العلمي في دولة الاحتلال الصهيوني " نشر الباحثون الإسرائيليون 138881 بحثًا محكمًا، كما ترتفع جودة ونوعية هذه الأبحاث، ويمكن الاستدلال على ذلك من عدد الاقتباسات لتلك الأبحاث، ومعامل(H)  الذي يعبر عن مدى انتاجية دولة معينة للعلوم، ومدى تأثير تلك العلوم على المعرفة الإنسانية، فقد بلغ عدد اقتباسات الأبحاث الإسرائيلية مليون و721,735 اقتباس، بينما الدول العربية 620.000 اقتباس فقط، وبلغ معامل الفعالية(H)  لإسرائيل 293، بينما الدول العربية مجتمعةً 40. " وتشير الاحصائيات الاقتصادية الى وصول الناتج المحلي الاجمالي لدولة الاحتلال في العام 2015 الى 296 مليار دولار مع العلم انها تعتمد على استيراد الطاقة من الخارج 31 مليار دولار من الصادرات من قطاع الخدمات ومثلها من الصناعات و1.3 مليار دولار للصادرات الزراعية وبحسب اشرف ابراهيم ايضا – نفس المصدر – " ساهم العلماء الإسرائيليون في تقدم العلوم الطبيعية والعلوم الزراعية وعلوم الحاسب والإلكترونيات وعلم الوراثة والطب والبصريات والطاقة الشمسية ومختلف المجالات الهندسية. ويعيش في إسرائيل اللاعبون الرئيسيون في صناعة التكنولوجيا العالمية. في عام 1998 سمت مجلة «نيوزويك» تل أبيب بواحدة من المدن العشر الأكثر نفوذًا في العالم. في عام 2012 تم تعيينها كواحدة من أفضل الأماكن للشركات لبدء تشغيل التكنولوجيا الفائقة. وصاحبة المركز الثاني بعد كاليفورنيا. في 2013 كررت تل أبيب هذا الإنجاز؛ حيث صنفتها الصحيفة الأمريكية «بوسطن جلوب» كثاني أفضل مدينة للأعمال التجارية الناشئة بعد «وادي السليكون». يتم إنشاء 200 شركة ناشئة سنويًا، وأكثر من 2500 شركة ناشئة تعمل في جميع أنحاء البلاد. " اما في موضوع السلاح فقد وصلت صادرات دولة الاحتلال من صناعة الاسلحة الى 2.5 مليار دولار وحسب موقع ديفينس نيوز فقد احتلت السعودية المرتبة الثانية والإمارات المرتبة الرابعة ضمن الدول الاكثر استيرادا للسلاح في الاعوام 2010 الى 2015 وقد تكون السعودية اليوم وبعد صفقات ترامب في المرتبة الاولى تليها دولة الامارات كل هذا في حين تستورد اسرائيل 100 مليون برميل من النفط سنويا علما ان هناك اكتشافات جديدة لحقول من الغاز على شواطئ الاراضي الفلسطينية المحتلة.

الناتج المحلي الاجمالي للدول العربية يفوق ما قيمته 15 الف مليار دولار سنويا في حين لا يصل الناتج المحلي الاجمالي لدولة الاحتلال الصهيوني الى 300 مليار دولار بما يشير الى ان الناتج المحلي الاجمالي العربي يفوقها عشرات المرات فأين يكمن الخلل اذن ولكي نجيب على سؤالنا هذا لا بد من العودة الى مؤشر مدركات الفساد الدولي والذي اصدرته مؤسسة الشفافية الدولية بتاريخ 29/1/2019 عن نتائج العام 2018 الى تصدر دولة الدنمارك كأكثر الدول نزاهة وحصلت على  88 نقطة بينما حصلت دولة الاحتلال على 61 نقطة ولحسن الحظ فان دولة عربية واحدة سبقتها في ذلك وهي دولة الامارات العربية المتحدة اذا حصلت على 70 نقطة بينما حصلت الاردن على 49 نقطة في حين وعمان على 45 نقطة والسعودية على  49 نقطة ومصر 35 نقطة اي ان جميع الدول العربية عدا الامارات كانت دون خمسون نقطة وهي الدرجة الدنيا.

الكم الهائل من الناتج المحلي العربي الذي يقابله حالة فساد غير واضحة اصلا والأرقام لا تدلل على الحقائق فلا يوجد شفافية حقيقية في ارقام الدول النفطية كالسعودية تحديدا وبحسب الامير خالد بن فرحان آل سعود المنشق عن العائلة المالكة والمقيم في المانيا وحسب ما اورده مقال مشترك لكل من نيكولاس كوليش ومارك مازيتي على لسانه قائلا " عامّة الشعب لديهم من الأموال الآن أقل من ذي قبل، بينما لم تتأثر أملاك العائلة المالكة. قدرٌ كبير من أموال الدولة لا تُدرج في الميزانية، وهو أمر يقرّره الملك وحده. " وهذا ينسحب ايضا على عديد الدول العربية ان لم يكن جميعها بحيث تعتبر ميزانية الدولة ميزانية خاصة للحاكم ويمكن اعتبار العراق النموذج الاسوأ للفساد بعد الاحتلال الامريكي فحسب دراسة اعدها الخبير في شؤون الطاقة نزار حيدر الذي يعمل في قسم البحوث بشركة (دي تي آي) الأمريكية لشؤون الطاقة " أن خسائر الاقتصاد العراقي في قطاع النفط بلغت نحو 493 مليار دولار مابين عامي2003-2011 وهي خسائر ناجمة عن سوء الإدارة والتخطيط وتعطل المشاريع وتأجيلها، كما أن هذه الأسباب أدّت في الوقت ذاته إلى ضياع 8.5 مليون فرصة عمل محتملة كان من الممكن أن ترفع دخل المواطن السنوي من 3500 دولار إلى 18 ألف دولار سنوياً". وتابعت الدراسة تقول "خمس سنوات قد أهدرت قبل أن تتوصل حكومة المالكي إلى الخطوة الضرورية لتحريك عجلة الإنتاج النفطي للوصول إلى معدلات إنتاج مقدارها 3.1 مليون برميل في نهاية عام 2011، و3.7 مليون برميل في عام 2012 ". وقدّر حيدر الخسائر الناجمة عن تأخر المشاريع الإنتاجية للنفط ب "227 مليار دولار بين أعوام 2006-2011 و 538 مليار دولار بين أعوام 2012-2016 في حالة محافظة أسعار النفط على معدل سعر يعادل 80 دولارا للبرميل الواحد". وأشار حيدر إلى أن "خسائر العراق الاقتصادية من تأخر مشاريع الغاز الطبيعي تقدّر بما مجموعه 52.9 مليار دولار بين عامي 2006 و 2011 و 147 مليار دولار بين عامي 2012 و2016"، وستصل الخسائر الإجمالية إلى 5.3 ترليون دولار مقتربة بذلك من خسائر العراق الاقتصادية نتيجة الحروب التي خاضتها البلاد إبان عهد صدام حسين والبالغة نحو 7.8 تريليون دولار".

قطعا لا ينقص العرب الخبراء والإحصائيين والمخططين الاستراتيجيين وواضعي خطط التنمية المستدامة وإدارة المال العام والقدرة على تنويع مصادر الثروة واستثمار الاموال بما يضمن تنوع اعمدة الاقتصاد الوطني والقومي إلا ان الموانع اكبر واخطر من ان يتم تجاوزها والاهتمام بتحقيق ابتكار وإبداع في ادوات وطرق الاستثمار والتنوع وصولا الى التنمية المستدامة والأمر برمته عائد الى الخوف المتبادل بين الحاكم والمحكوم فمن جهة يسعى الحاكم لمنع المال عن معارضيه ويهبه للفاسدين المطبلين طمعا بحمايته كما يسعى لمنع المعرفة عن شعبه ليسهل عليه حكمهم وفي نفس الوقت لا يثق المحكومين بحاكمهم ولا بأدواته وهم يرون الفساد ويتنفسوه في كل مناحي حياتهم مما يجعلهم يخترعون مبررات لفسادهم هم لحماية انفسهم من ظلم الحاكم وبطانته الفاسدة وبالتالي يتحول الحكم بأركانه من فاسد الى مفسد وتصبح التنمية مرفوضة من الجهتين الحكم والمحكومين وكل له مبرراته فالحاكم يعتبر التنمية قوة لا يريدها بيد المحكومين والمحكومين يعتبرون المال مسلوبا اصلا فلينهبوا ما وقع بين ايديهم وبذا تضيع البلد وتضيع ثرواتها بين انياب حاكم ظالم لا تعنيه المعرفة ولا التطور بل الجهل والتخلف لتسهل سيطرته ومحكومين فقدوا الثقة بكل شيء حتى بقدراتهم.

اين نذهب اذن اموال العرب النفطية وغير النفطية ولماذا لا يجري استثمارها وتوزيعها بهدف خلق اقتصاد انتاجي حقيقي يساهم اولا في حماية الثروة مستقبلا وسد الفجوات الاجتماعية والحد من البطالة ولا يجري تخطيط استراتيجي طويل المدى لخلق تغير جذري وحقيقي في مستقبل الامة الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بما يجعل من الامة تابع دائم لغيرها ومستنقع تنمو فيه كل انماط الفساد ومكان خصب للصوص الامبرياليين يسهل عليهم سرقة كل شيء من ثروة مادية وبشرية بحيث يجوز القول انه لا مبدع عربي على الاطلاق لم يجد ملاذا له في الغرب بما في ذلك حتى المعارضين السياسيين والكتاب والمفكرين ويعود الامر في الاساس الى غياب حرية الفكر والإبداع وبالتالي فان اساس كل شيء هو اطلاق الحريات للتفكير والإبداع والاعتقاد حتى يتسنى للجميع الإيمان حقا بما يفكرون لا الإيمان الكاذب بما يريده السلطان او السلطة ايا كانوا وفي سبيل ترسيخ ذلك فانه لا بد من ان تخصص نسب مناسبة من الانتاج المحلي العربي لصالح التعليم والبحث العلمي فمن غير المعقول ان تكون الدولة المعادية الرئيسية في المنطقة وهي دولة الاحتلال الصهيوني تنفق على البحث العلمي ما يوازي الدول العربية مجتمعة ولو فصلنا في الانفاق نفسه لأطل الفساد برأسه بشكل بشع بحيث يتبين لنا ان لا بحث علمي اصلا ولا علماء بل موظفين اداريين لا يفعلون ما يستحق ان يرقى الى مستوى البحث العلمي وقد فصلنا ذلك سابقا عن الفروقات الكارثية بين العرب ودولة الاحتلال الصهيوني.

نحن بحاجة اذن الى اطلاق الحريات انفاق مناسب على البحث العلمي والتعليم, تشجيع على التفكير النقدي الايجابي الفاعل وحمايته, خطط استرتيجية بعيدة المدى لتنوع الناتج المحلي وتشجيع الزراعة والصناعة والاستفادة الانتاجية الحقيقية من الثروات الوطنية لكل بلد كل ذلك في سبيل الخروج من حالة التخلف والتبعية والدونية التي نعيشها ونحسها دون ان نفعل شيئا في سبيل التخلص منها ونحن نعلم بالتأكيد ان في سبيل ذلك فنحن بحاجة لإعادة بناء الانسان نفسه بأخلاق الانسانية ودولة المواطنة المدنية التي تنتظم وفق قوانين ودساتير ديمقراطية حية قادرة على حماية الانسان ودفعه للإبداع والتطور والإحساس بانتمائه لبلد ووطن حقيقي لا وطن وبلد السلطان الذي لا يرى في مواطنيه سوى مصفقين ومرتزقة لدى دولته وحكمه ويظهر هو بدور المانح ويظهر الشعب بدور المتسول على بابه وليس العكس بحيث اصبح الشعب خادم السلطان وجبروته لا اكثر لا اقل حتى بات البعض يعتقد ان هذا حق العي للسلطان لا لصوصية لثروات الوطن والشعب وان الحاكم بأمره لا علاقة له بإرادة الله بل لصمت المحكومين وتنازلهم عن حقهم الانساني بأبسط صوره ودون ان يكون الفرد سيدا ضمن جماعته سيظل الفرد الحاكم سيدا على افراد معزولين لا حول لهم ولا قوة.

ان اخطر الامراض التي نعيشها والتي سببت التخلف وغياب الابداع والابتكار والتخطيط والقدرة على تنويع الاستثمار وخلق اقتصاد انتاجي حقيقي يؤسس لمجتمع عصري فاعل هو غياب العقل النقدي عند العرب.