الخميس  02 أيار 2024
LOGO
اشترك في خدمة الواتساب

هابرماس الأسطورة يعانق جائزة الشيخ زايد للكتاب/ بقلم: ناجح شاهين

2021-05-05 12:27:46 PM
هابرماس الأسطورة يعانق جائزة الشيخ زايد للكتاب/ بقلم: ناجح شاهين

"الإمارات توظف جوائزها لتلميع صورتها، وإخفاء واقعها القاتم القائم على الاضطهاد والقمع ومصادرة الحريات وقتل الأبرياء في اليمن".  

رفض ستيفن هوكنج المشاركة في مؤتمر في الكيان الصهيوني. 

ورفص جان بول سارتر جائزة نوبل عندما منحت له سنة 1962 بدلا من منحها له عندما اعتقلته السلطات في سياق معارضته لحرب الجزائر قبل ذلك بست سنوات. 

لكن نجيب محفوظ تلقى الجائزة بفرح كبير على الرغم من معرفته أنها جائزة سياسية لا إبداعية، وأنها على صلة بكامب ديفيد وأبطاله من قبيل السادات وبيغين وكارتر. 

الفلسطينيون والعرب من المشارب وألأقطار المختلفة كانوا طوال العقدين الأخيرين يتراكضون على موائد الخليج القطري والإماراتي، يحلمون بشغف بالحصول على الجوائز والعطايا. لا ضير في ذلك أبدا، فالمثقف يظل خادم السياسة والمال. وينطبق ذلك للأسف حتى على المثقف "الغربي/ الليبرالي" عاشق الديمقراطية والحريات كما تتجسد في التطبيق الأوروبي والأمريكي على السواء.

على الرغم من كل شيء يمكن قوله حول جاهزية المثقف للبيع، ها هو يورغن هابرماس الأسطورة يتراجع حتى وهو في سن الخرف عن القبول بجائزة ممنوحة من محمد بن زايد ومن يقوم على خدمته. وقد أحس الرجل بما يكفي من الحرج ليشرع في الاعتذار عن تسرعه في القبول متذرعاً بأنه فكر في البداية في القبول دون أن يمعن النظر في طبيعة المؤسسة التي تمنح الجائزة التي تزيد قيمتها المالية على 200 ألف دولار. وجد هابرماس بعد قليل من التيه اتجاه الوصلة الذي يخبره أن قبول الجائزة من نظام دكتاتوري يخنق الحريات ويقتل الناس في اليمن وينحاز للاستعمار العالمي يتناقض مع مبادئه. أما الشاعر/الروائي/المبدع الفلسطيني فلم يجد غضاضة في تقبيل أيدي الأمراء الذين يصافحون الصهيونية ويسفحون دماء اليمن على السواء. وحتى عندما رأى الشاعر/المبدع/الروائي طائرات دولة إسرائيل وهي تحط في مطارات الإمارات، حتى وهو يرى بأم عينه بناء التحالف الاستراتيجي التام بين الإمارات وإسرائيل، لم تطاوعه روحه أن يتخلى عن بهجة الإقامة في برج خليفة والتمتع بالعطايا السخية. 

ربما أن السياق الثقافي يؤدي دوره في إبقاء "ضمير" المثقف حياً يرزق، إذ عندما بدا أن هابرماس على وشك أن يزيغ بصره بسبب شهوة الشهرة والمال، وهو من هو في مستوى الفكر والفلسفة، لكزه مهماز دير شبيغل بقسوة. أما الفيلسوف الإنجليزي باري ديفد ستوكر فعلق بصوت عال بما فيه الكفاية لإيقاظ العجوز الأسطورة: "لا أظن أن من المعقول أن يتقبل هابرماس جائزة من ولي عهد الإمارات أو من لجنة تمثله وتأتمر بأمره". 

"ولوضع الأمور في صيغة لطيفة نقول إن الإمارات لا ترتقي إلى المثل التي يعبر عنها هابرماس فيما يتصل بالديمقراطية والقانون والحيز العام والمداولات الحرة المفتوحة. الإمارات أوتوقراطية وتنتهك حقوق الإنسان بشكل منتظم ونسقي.

بالطبع استجاب هابرماس بسرعة واضحة غير قادر على إخفاء مقدار الخجل الذي أحسه. قال إنه فكر  للحظة أن فوزه بالجائزة قد يمهد الطريق لترويج كتبه في المنطقة العربية مما يخدم قضايا الانفتاح والديمقراطية والحرية في الحيز العام. لكنه عاد بسرعة عن ذاك التوجه متذكراً أن الإمارات توظف هذه الجوائز لتلميع صورتها وإخفاء واقعها الفعلي القائم على الاضطهاد والقمع ومصادرة الحريات والمساهمة في قتل الأبرياء في اليمن وغيرها.  

يقول هابرماس: "عندما قبلت الجائزة لم أفكر في الترابط بينها وبين النظام السياسي هناك. لقد كان قراراً خاطئاً ولا بد من تصحيحه". الإمارات بلد يضطهد العمال الهنود، ويقمع الحريات العامة، ويشارك في قتل اليمن المسكين ضمن التحالف السعودي، ويطم الوادي على القرى بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين بمبادرته "الجريئة" إلى بناء الشرق الأوسط الجديد بزعامة إسرائيل من أجل مواجهة إيران وسوريا والمقاومة مع التضحية الضرورية بفلسطين وحقوقها بدون أي تردد. 

عندما رفض صنع الله إبراهيم جائزة الدولة سنة 2004 قائلا إن جائزة يمنحها النظام المصري لا يمكن أن تشرفه صفق له رئيس اللجنة بالذات محمود أمين العالم. كان موقفا مميزا لم يتم تبنيه كثيرا. العكس هو الصحيح، كان إميل حبيبي قد مهد الطريق ناعماً طرياً بقبوله جائزة إسرائيلية. بعد ذلك ذهب شيخ الطريقة عزمي بشارة إلى قطر وتبعه خلق كثير. لكن هناك من وقف في الجهة الأخرى الأكثر نقاء على ما يبدو والتي يمثلها محمد بن راشد ومحمد بن زايد. العديد من مثقفي فلسطين والوطن العربي لهثوا وراء الجوائز الإماراتية بأنوعها المتواضعة والفاخرة على السواء. كان موقف صنع الله أوضح بكثير من موقف هابرماس. لكننا بحكم العادة نستعين بنجومية مثقف غربي فاخر لبيان تهالك المثقف العربي. 

كيف يمكن أن يتعاطى "المثقف" العربي الذي لا مجال لديه لأن يتظاهر ولو لدقيقة واحدة أنه لا يعرف الخليج، مع هذه الأنظمة القروسطية الفاسدة؟ أيكون معها، أم ضدها، أم يمارس الحياد الملتبس؟

المشكلة أن المثقف هو الشخص الذي ينتقل من حيز الوظيفة الحيادية إلى حيز الانغماس –بالتبشير على الأقل- في القضايا العامة من قبيل السياسة والاقتصاد والصحة والتعليم. هل من واجبنا أن "نتسامح" مع الشعراء والروائيين من باب أنه يحق ل "المبدع" ما لا يحق لغيرة؟ كلا. المبدع يتحمل مسؤولية أشد، لأنه "يعيش" في داخل دائرة الهم العام تماماً.

ربما نستطيع أن نتسامح مع مدرس مسكين يريد أن يطعم "عياله" خبزاً عن طريق العمل في مدارس رأس الخيمة وخور فكان. وربما نستطيع أن نتسامح مع عامل فلسطيني يقضي الساعات الطوال على الحواجز من أجل أن يعمل في داخل "إسرائيل" ويعود لأسرته بقوت يومها.

نعرف أن المبدع/العالم/المفكر/والمثقف قد ارتبط مصيره بالبلاط عبر التاريخ: البلاط هو من يملك الموارد اللازمة لمكافأة المثقفين، ولكن عصرنا اكتشف مثقفاُ ثورياً يعيش من أجل قضايا الشعوب والمضطهدين، ويدفع الثمن الغالي لقاء ذلك.

وهكذا قد لا يكفي أن يتورط المرء في الشؤون "العامة" حتى يصبح مثقفاً، إذ لا بد من أن تكون لديه المعرفة والدراية والرؤية النظرية التي تجعل لآرائه قيمة "التنوير" ونقد الأوهام والأيديولوجيا. وعندما ينحاز المثقف للحق والعدل والخير والتقدم نعده مثقفاً ثورياً، أما خلاف ذلك فإنه "كلب حراسة" هنا أو هناك على حد تعبير الفيلسوف/المثقف سارتر.

المثقف يقع في أزمة عميقة عندما يخرج من دائرة التأثير المجتمعي عن طريق العزل والمحاصرة. وهنا يمكن له أن ينزلق إلى البحث عن الوظيفة، ويضع "دوره" في خدمة من يستطيع أن يدفع له ثمن حياة الرفاه التي يعتقد أنه يستحقها بحكم امتيازه المعرفي الكبير الذي يشمل طيفاً واسعاً من قضايا الدولة والمجتمع والأمة. وهنا قد ينحاز المثقف إلى الظلم أو إلى الاستعمار أو يكتفي بالصمت والتجاهل متظاهراً بأنه لا يمتلك الوقت للقضايا العامة بسبب انشغاله بدور أكبر أهمية هو دور المبدع. وهذه لعبة قديمة/جديدة يتقنها الفنانون والشعراء الذين يتذرعون بأن الإبداع لا يترك لهم الوقت للسياسة على الرغم من أن معظمهم يقضون الساعات الطوال في الحانات والملاهي والأنشطة الزائفة التي تلبس لبوس الإبداع.

وإذا فقد المثقف الشجاعة فإنه يغدو بلا قيمة، أو أن قيمته تنحدر على نحو خطير يقوض دوره الناقد الفاضح للزيف الأيديولوجي. ولكن الشجاعة ذاتها تغدو ملتبسة في بعض الأحيان. ولكي نوضح ذلك بشكل بسيط نقول إن المثقف الذي ينتقد سوريا منذ عقد من الزمن ليس شجاعاً حتى لو كان نقده "صحيحا" من الناحية المعرفية: إن نقد سوريا لا يكلف المرء شيئاً، بل إنه يجلب له المنافع والدعاية والهبات المالية وربما وظيفة مجزية في مركز بحثي أو مجلة هنا أو هناك. أما المثقف الذي ينتقد الخليج والصهيونية والاستعمار العالمي فإنه شجاع حتى لو كان نقده "خاطئاً" من النواحي المعرفية، فهذا النقد يكلف صاحبه الجوع وفقدان الامتيازات على أقل تقدير. وقد يكلف بالطبع أكثر من ذلك.

بقي أن نشير إلى معضلة أخيرة تميز مثقف عصرنا الراهن: إن أدوات الانتشار والترويج والتواصل في جلها يمسك بها قطاع الرأس مال المالي والبترودولار في المستوى الكوني، وعندما يستضيف هؤلاء مثقفاً ما فإنهم يطلبون منه أن يقول رأيه في الموضوع كذا في ثلاثين ثانية، بالطبع هذا يشوه الصورة وينتقصها في أهون الأحوال، ولكن المثقف مضطر أن يقبل بدعوة القناة التي تستضيفه كي لا يبقى خاملاً لا دور له ولا أثر. بالطبع هناك خبراء تقدم لهم مساحات هائلة من الزمن المتلفز لكي يتبسطوا في طرح رؤاهم التي تجسد مصلحة الدولة أو الطبقة المسيطرة...الخ. وهؤلاء الخبراء بالطبع يقضون وقتاً طويلاً على الشاشات لا يسمح لنا بتخيل أنهم يجدون أي وقت للقراءة أو الكتابة أو التفكير. لذلك فإن أقصى ما يفعلونه هو قول ما يقولونه دائماً بأشكال متعددة. ربما يجدر بنا أن نتذكر الوقت الذي كان يقضيه المفكر "العربي" عزمي بشارة على الشاشات المختلفة قبل أن "يعتزل" في سياق الأزمة القطرية/الخليجية الأخيرة. إننا نعيش في زمن هؤلاء الخبراء، وهو نفسه الزمن الذي اشترى فيه برنار هنري ليفي جريدة "ليبراسيون"، وحولها إلى ناطق رسمي باسمه وباسم الصهيونية العالمية. أين يجد المثقف الثوري منبراً حراً يقدر على استيعابه؟ إنه أحد القابضين على الجمر في هذا الزمن الذي يشتد رداءة يوماً بعد يوم. ولا بد أن هذا الزمن يشكل اختبارا رهيبا للمثقفين وصدق نبوتهم أكثر من أي وقت مضى. هذا الوقت الذي يضطر فيه المرء أن يختار بين التمتع بنزهة قضاء الحاجة في حمام مصنوع كل ما فيه من الذهب الخالص، وبين تسول ثمن السيجارة وربعية العرق التي لا يستطيع المثقف أن يعيش بدونها.