الثلاثاء  23 تموز 2019
LOGO

لماذا نحنُ جواسيس؟

2019-07-03 08:44:00 AM
لماذا نحنُ جواسيس؟
رولا سرحان

 

السؤال، أو التساؤل بحد ذاته، قبيح، لما فيه من صيغة التعميم، ولما فيه من واقعية فجة وجارحة، لكن الفجاجة أحياناً، تُحفِّزُ الرغبةَ  في الإنكار أو في الدفع باتجاه النفي، للوصول لربما إلى حالة من التفكير والتفكّر. والنفي والإنكارُ، هي حالٌ من أحوال الفلسطيني، الخائفِ دائماً من مواجهةِ سؤال مهم يأتي على نحو الإطلاق والفجاجة بطريقةٍ محددة وواضحة ومباشرة وصريحة، تماماً مثلما كان خائفاً دوماً من مواجهة ذاته، في أن يحكي حكاية "تهجيره" أو "هروبه" أو "طرده" أو "قتله"، فاستساغ العمومية التوصيفية لكلمة "نكبة"، فصارت الكلمة دالةً ومدلولاً؛ لعله لرغبة في التخلص من عبء المسؤولية عن التاريخ الماضي وعن الواقع الحالي أو لعدم مقدرة على توصيف ما حدث.

والأمر، هنا، يُطلقُ، مفهوما اجتماعياً سياسياً مهماً: "التمييع" بمقوماته الشاملة للسيولة، أي الجريان بسهولة، والقابلية للتشكُّل تحت الضغط والتحوُّل بمؤثر خارجي من حالة إلى حالة، فنقول "سيولة نقدية" أي "وفرة نقدية" أو قابلية للتحويل من عملة نقدية إلى أخرى، والكلمة بمدلولاتها اللغوية، تحملُ صفةَ "الهينة"، بمعنى السهولة وبمعنى الاستهانة والهوان، وبمعنى البطء.

وحالة "التمييع" فلسطينياً، سالت فجَرَت حتى عمت ففاضت؛ من حالة "تمييع الحسم في قضايا أساسية، تمييع المقاومة، تمييع مواجهة الانفراد بالسلطة، تمييع القرار الوطني، تمييع الإرادة الشبابية، إلى تمييع العلاقات الاجتماعية في العائلة النووية، فتقوم المرأةُ بفعلِ الرجلِ ويقومُ الرجلُ بفعل المرأة، وصولاً إلى تمييع التواصلُ داخل المجمتع، فيقذِفُ اللئيم الكريمَ حتى يهن، لتظل حالتنا المائعة سائدة، مثل حالة الفأرة التي وقعت في قدر سمنٍ، فقال ابن عمر: إن كان السمنُ مائعاً فأرِقهُ، وإن كان جامساً فألقِ ما حوله. والجامسُ هو الجامد أو الصلبُ، الذي يصعب التقاطه للمؤثراتِ الطارئة عليه، ويصعبُ اكتسابهُ لخصائص غير ما فيه لانعدام خاصية تنافذيته.

لذلك تكون حالة الميوعة والمياعة والتمييع هي الأسهل للنفاذِ للقوم ولأخلاقهم؛ ولأصحاب الأوطان ولدفاعاتهم.

فيكون ابن المناضل جاسوساً، ويكون القائدُ كابوساً، وابن الحظ منحوساً.