الأحد  22 أيلول 2019
LOGO

عن الرئيس ومستشاريه

2019-08-20 08:50:40 AM
عن الرئيس ومستشاريه
رولا سرحان

 

"ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عالَ (فَقِر) من اقتصد"

في الحديث المنسوب إلى النبي محمد عليه السلام، حكمة لربما فهمها الرئيس محمود عباس متأخراً، والتي تأتي إثر قراره الذي أصدره بالأمس بشأن إقالة مستشاريه ووقف كافة مخصصاتهم. إذ تشير المعلومات الأولية إلى أن سياق اتخاذ القرار يأتي نتيجة للأزمة المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية بسبب وقف دولة الاحتلال الإسرائيلي تحويل أموال الضرائب المستحقة للفلسطينيين.

وفيما يبدو الأمر مشجعاً وحقيقياً، فإنه في الوقت ذاته يبدو وكأنه تحقيق لعبارة "الترصُّد أنفعُ من تفسير الكتب"، إذ تثير مسألة وقف مخصصات المستشارين مجموعة مهمة من التساؤلات والافتراضات، والتي رغم كونها خطوة متأخرة جداً في الاتجاه الصحيح إلا أنها تظل منقوصة لنقص التفاصيل، بسبب صعوبة النفاذ إلى المعلومات والحصول عليها. ذلك لأن الحكومات المتعاقبة على رقابة الصحافة والصحفيين لم تقم بخطوة واحدة باتجاه التأكيد على التزامها بالقانون الأساسي بشأن حرية الرأي والتعبير المسنودين بنص دستوري يؤكد على أهمية إقرار قانون الحق في الحصول على المعلومات المرمي على رف مجلس الوزراء بإهمال تام.

لذا، فإننا لا نستطيع تقدير حجم أهمية خطوة الرئيس الحالية، لأننا لا نستطيع الإجابة على تساؤلات مهمة من قبيل: من هم مستشارو الرئيس؟ ما هي أسماؤهم؟ كم عددهم؟ ما هي مسمياتهم الوظيفية؟ ما هي خدماتهم الاستشارية التي يقدمونها لسيادته؟ كم يبلغ حجم النفقات التشغيلية من مرتبات وعقود وإجراءات لوجستية لضمان استمرارية خدماتهم الاستشارية؟ هل يشمل  القرار إقالة جميع المستشارين أم أن آخرين قد تم استثناؤهم؟ أما السؤال الأهم فثلاثي التقسيم، وله صلة بمدى فاعلية أولئك المستشارين، وهل فعلاً يأخذ الرئيس بمشورتهم، أم أن المشورة تأتي من آخرين لهم أدوار مختلفة يقومون بها؟

إن المعرفة هي حياة الحقيقة، تماماً مثلما الإدراك إما أن يكون مدعاة للسكون أو الحركة، إلا أن نسبية معرفتنا بشأن كل ما يتعلق بمكتب الرئيس، تحولت، تقريباً، إلى معدومة، فضلاً عن أنها تخضع للانطباعات الأولية التي تحولت إلى انطباعات بديهية سالبة.

ولا يمكن للبداهة الانطباعية أن تكون من أخلاق الأمم والشعوب، لأنها تقوم على ذوي السجايا الهينة اللينة الخاضعة للتقلبات والمؤثرات الخارجية، لذا لا يمكن لها أن تتبع منهاجاً قادراً على تحويل قيادة تلك الأمة إلى أبطال، ولا المستشارين إلى محاربين.

وفي سبيل ألا تخيب الاستشارة ولا يضل سائلها، يقول الجنرال مارمون في كتاب النظم العسكرية عن رجال العمل، أي المستشارين، إنهم أولئك الذين يحسنون فهم الفرد بين السجية والعقل المحكومَين بالإرادة فـــ "عندما تستحوذ السجية على العقل ويكون للعقل بعض الاتساع يسار إلى هدف معين ويؤمل في بلوغه، وعندما يستحوذ العقل على السجية بغير الرأي والخطط والوجهة بلا انقطاع لنظر العقل الواسع إلى المسائل بوجهة جديدة في كل آن، ولولا تدخل الإرادة في تلك التقلبات لتذبذب الإنسان بين مختلف الاتجاهات من غير أن يستقر على واحد منها، وهو بدلاً من أن يدنو من الهدف يبتعد عنه، في الغالب، بتردده فيضل".