الأحد  30 تشرين الثاني 2025
LOGO
اشترك في خدمة الواتساب

التفكير خارج صندوق الدولة

2025-11-30 10:41:17 AM
التفكير خارج صندوق الدولة

 

اعتمد الفلسطينيون، ومنذ عهد الكفاح بالندقية إلى عهد النضال بسلمية، سياسات القفز السياسي الحر، أي القفز إلى الغاية مباشرة، تحديدها وتبنيها، وجعل كل غاية مطلبا سياسيا يُلحق به الشعبي تلقائيا دون مشاورة أو محاورة. وهو ما يفضي بالنتيجة إلى تحويل كل تطلع أو غاية سياسية إلى صندوق مستحكم الإنغلاق على الفلسطيني، لا يستطيع الخروج منه، وكل محاولة للخروج منه تستتبع تداعيات كارثية، إما على شاكلة إنشقاقات، أو انقسامات. وهو ما يضعف الفلسطيني عموما، ويجعله قاصرا في منظور العرف الدولي. والتاريخ الفلسطيني المعاصر حافل بهذه الأمثلة، وتماما مثلما يحدث اليوم مع مشروع الدولة الفلسطينية الذي تريد القيادات الفلسطينية، ومنذ عقود طويلة، القفز إلى تحقيقه دون أن تملك فكرة أو رؤية واضحة عن أولوياته، مخضعة إياه إلى حالة من التجريب، أو لربما التخريب السياسي المستمر.

فما بين المقاربات المختلفة لإحقاق الدولة التي بدأت بالمقاومة، ومن ثم التفاوض، ومن ثم العمل الدبلوماسي، وما استتبعها من ضرورات الإصلاح الذاتي المستدام، كانت الدولة بمثابة المعامل الرياضي، أي الثابت أو القيمة غير المتغيرة حسابيا في رياضيات السياسة الفلسطينية. فصارت أقرب إلى المانترا، أو المتلازمة الخطابية العالقة على اللسان، والتابعة لمستجدات الوقائع التي لا يتحكم فيها الفلسطينيون بتاتا. فيصبح المطلب محكوما بكل العوامل الخارجية المحيطة التي يعدل الفلسطينيون سياساتهم على أساسها لكن دون سياسة استراتيجية بآليات عمل وخطط وطنية حقيقية، وإنما بتبنِ أعمى لتلك المفروضة خارجيا.

وبالتالي، يفقد الثابت قيمته، ويتم الحط من معناه الأخلاقي والسياسي، ويخلق رد فعل شعبي غير مبال به، لأنه تحول إلى ممارسة خطابية استهلاكية يعوزها بالأساس المضمون التحرري والسيادي الحقيقيان. وهو ما جعل من مطالب العيش اليومي السؤال الوطني الأول بامتياز؛ ففي غزة اليوم، فإن مطلب الخيمة أعلى من مطلب الدولة، وفي الضفة، فإن مطلب ضمان الراتب الشهري أهم من ضمان الدولة دبلوماسيا إلا لهذه الغاية. 

ولعل عملية الإنعاش السريع الذي حظي به مشروع الدولة من فورة الاعترافات الأخيرة، وبالتلميح الأمريكي الأخير ضمن قرار مجلس الأمن الخاص بتشكيل "قوة الاستقرار الدولية" في غزة، قد ضخ الدماء في شرايين عملية الإصلاح الداخلي من جديد، وكأن الإصلاح كان يوماً شرطاً للتحرر وقيام الدول، وصب كل جهود الرسمية الفلسطينية واستنفر بعض مؤسساتها وشخوصها للتفاعل معه، ولكن دون النظر في مسألتين أساسيتين هما في صلب هذه الاعترافات. الأولى، وهي أن هذه الاعترافات لم تأت نتيجة ممارسة دبلوماسية فذة للرسمية الفلسطينية، بل بنتيجة من دماء غزة التي كانت تسيل وما زالت، وخلقت أفقا تضامنيا غير مسبوق مع القضية الفلسطينية، وأعادت تقعيدها في سياقها التحرري، وشكلت عامل ضغط، بل واستحياء، على الحكومات الغربية. والثاني، أنها تأتي كجزء من تفاهمات إقليمية ودولية أوسع لإعادة تشكيل الخارطة السياسية والأمنية للمنطقة. وفي كلتا الحالتين، فإن المسألة متعلقة برفع وزر الفلسطينيين الأخلاقي عن الضمائر والمصالح.

وبالتالي، فإن من البديهي التفكير بأن مشروع الدولة إنما يُستدعى ويوضع على الطاولة إما في سياق إعادة تظهير المظلمة التاريخية للفلسطيني، أو بتشكيل الفلسطيني لرقم صعب في المشهد الإقليمي بنتيجة من هذه المظلمة. وهي معادلة رياضية ليس بالصعب فهمهما، حيث أن معناها كامن في ذلك الاستثمار الواعي للتضحيات الجسام التي قدمها الفلسطينيون على مدار صراعهم مع مستعمرهم، وقدمت على مدار عامين ماضيين بتضحيات غير مسبوقة، وأسفرت عن هذا التحشيد الأخلاقي المتزامن مع توجهات مصلحية سياسية.

وهو ما يستلزم التفكير خارج الإطار التقليدي الذي كرس "الدولة" كقيمة ثابتة، وليست كنتيجة. وبمعنى، ضرورة بناء برنامج سياسي وطني جديد يكون فيه "تحرير الإنسان الفلسطيني" هي القيمة الثابتة، والدولة هي القيمة التابعة أو النتيجة. ودون عكس المعادلة وإحداث هذا التحول في الفكر والعمل السياسي الرسمي، فإن الدم الفلسطيني سيظل وقودا مجانيا لعملية اجترار سياسي لنفس المعطيات وبنفس النتائج.