الخميس  28 أيار 2020
LOGO

حسين البرغوثي في نيويورك- كتب: عبد الرحيم الشيخ

2019-12-17 05:36:02 AM
حسين البرغوثي في نيويورك- كتب: عبد الرحيم الشيخ
حسين البرغوثي

 

الحدث - فكر ونقد

هذه شذرة إثنوغرافية موجزة، شاهدها هامشيٌّ، وحظُّه من التجربة حظُّ الهامش في تعريف المتن؛ والحاضر الأكبر فيها حسين البرغوثي، وقد كان مداوياً بالشعر والفلسفة والألم. مكانها المسمَّى نيويورك، وأمكنة أخرى، غير مسمَّاة، مفتوحة على القراءة؛ وزمانها المسمَّى العام 2016، وأزمنة أخرى، غير مسمَّاة، مفتوحة على الكتابة. وهي مقدمة قراءة طباقية لعيش الحب كإمكانية لاختبار الشعر، والإحساس بالوقت كإمكانية لاختبار الفلسفة، وانتظار الموت كإمكانية لاختبار الألم... والثنائيات الثلاث كإمكانية مركَّبة للتعافي من الفقد، تستعصي على العلمنة، وتختبر "الجمال الجانبي" للحياة كمعنى لها، قلَّما نلتقطه.

بين هبة السطر الأول وفتنة السطر الأخير... كان حاضراً، ومعه شعره وفلسفته وألمه

في العام 2016، كنتُ هناك، في مشهدية الفيلم، (936 وست إند، نيويورك، بين نهر الهدسن وبحيرة سنترال بارك وجامعة كولومبيا)، أبحث في "المقبرة الحية" عن معاني فلسطين؛ وأترجم نصاً مفقوداً لحسين البرغوثي، هو رسالته للدكتوراه (تحت النشر)، عنوانه: "الصوت الآخر: مقدمة إلى ظواهريَّة التحوُّل"؛ وأطابق بين نسختين من "مرايا سائلة"، واحدة منشورة، وأخرى مخطوطة، لمقاربة "رؤية الصوت، وسماع الصورة" في القصيدة المستحيلة؛ وأتملَّى حكمة الفيلسوف في "آخر سبع دقائق مع حسين البرغوثي" لصبحي الزبيدي، بين هبة السطر الأول وفتنة السطر الأخير... كان حاضراً، ومعه شعره وفلسفته وألمه. كان في الثانية والستين: ثمانية وأربعين فوق الأرض، وأربعة عشر تحتها، وهو الآن في السادسة والستين. كنا هناك، في "التفاحة الكبيرة" التي لا يقطع مشتهياتها إلا سكين الوقت.

و"مرايا سائلة"، أو "مونتاج أخير"، فضلاً عن كونه ورشة كتابة إبداعية متقدمة لاشَت التخوم بين الشعر والفلسفة، هو سيناريو لفيلم حول كتابة قصيدة، رقَّى فيه حسين الهوامش إلى متون على نهج "بول كلي" في الرسم. يروي الديوان قصة مخرجة سينمائية يساعدها في مونتاج الفيلم شاب أعمى، ثقيل اللسان، كثير التأتأة، يستدعي إلى الذهن شبح العراف الإغريقي ترسياس، شعره تأتأةُ حدسِهِ، ورؤاه تأتأةُ بصيرتِهِ... سنتبيَّن لاحقاً أنه  Alter ego حسين الذي لم يفصح يوماً عنه. كان المونتير، لعماه، يتحسس الصور على الشاشة بعصاه فقط، ثم يقص كل مشهد تصفه المخرجة، بعيون أصابعه التي تدور على لوحة المفاتيح. وخلال هذا المشروع السينمائي-الشعري، تطاردهما الشرطة، ويقع المونتير الأعمى في حب المخرجة النرجسية، فتقول إنها ستحبه شريطة أن يكتب "القصيدة التي في ذهنها"، والتي تشبه حديقة، أو صحراء نحاس، مكتوبة بأبجدية غريبة.

في نهاية هذه المهمة المستحيلة، وبعد العديد من السجالات والتجريب، والقص واللصق، والإقبال والصدود، يتحوَّل المونتير في إحدى الليالي، في شقتها، إلى مرآة سائلة تحت القمر، وعندما يأتي ضابط الشرطة للأستوديو، لاحقاً، للتحقيق في الجريمة، تتحول المخرجة نفسها إلى تمثال من الرخام في يدها وردة، وعلى شاشة الكمبيوتر يصعد حلزون ساحباً قوقعته، وتقفل الشرطة الملف للأبد. وقد كان دافع "استئجار" مخرجة مبصرة لمونتير أعمى، هو مساعدتها في الرقابة الذاتية على فلمها الجديد لتلافي المعاملة السيئة التي لقيتها آخر مرة استدعيت فيها لمبنى المخابرات. وقد كان لدى الشاب إحساس بأن المخرجة تُجري عليه تجربة لمصلحة الإنسانية، ربما في كتابة الشعر.  

أَنْتهي من ترجمة "الصوت الآخر" ومقارنات "مرايا سائلة"، مساء 16 آذار 2016، وأنزل درج العمارة، لأن المصعد تم تعطيله، لألتقي وجها لوجه بالنجم ويل سميث، في الطابق الثاني، وأجد ردهة مدخل العمارة قد تحوَّلت إلى استوديو مليء بالمخرجين والمونتيرات، وأصادف الحسناء كيرا نايلتي! لم أتساءل إن كان الاستغراق الروحي والذهني في فيلم "مرايا سائلة"، (الذي كان حسين يحذرنا منه، في صبانا، ويحثُّنا عليه، في آن معاً، لتطوير أحلامنا لتصير قصائد أو أوهام تؤسس لحقائق نسينا كونها كذلك) قد أدخلني في ذهان سينمائي، إذ تذكرت إعلاناً من قبل إدارة العمارة يبلغ الساكنين أن فيلماً سيجري تصويره عما قريب. أواصل السير للبقالة المجاورة، التي ستظهر لاحقاً كمشهد آخر في الفيلم قيد التصوير، والذي عرفت، بعد السؤال، أن عنوانه Collateral Beauty  وترجمته الحرفية: "جمال جانبي"، وسيعرض في موسم الأعياد أواخر ذلك العام.

لم أنتظر ظهور "الجمال الجانبي"، لكنني حين شاهدته أول مرة، في فلسطين، تعززت قناعتي أن الفقد، بمعنى الغياب، هو علَّة السرد، من "الله" إلى "سواه". وللسرد، أو "التحويل"، كما يدعوه حسين في "الصوت الآخر" سُبله، العسيرة، ككتابة الشعر "انتقاماً لليد الفانية"، والعيش بالتفلسف تطبيباً للروح الطريدة، والاحتفاء بالألم قنطرةً للآخر "الضروري".

"الجمال الجانبي" هو كل ذلك: فيلم من إخراج ديفيد فرانكل، يروي قصة إعلامي شهير من مدينة نيويورك، كاريزمي الشخصية، هو هاورد (ويل سميث)، يفقد ابنته-أوليفيا بنوع نادر من سرطان الدماغ، ويفقد مع رحيلها قدرته على التواصل السوي مع محيطه: من زوجته-مادلين، إلى مرؤوسيه وشركائه في المؤسسة، التي لم يعد يحسن فيها إلا بناء مصفوفات الدومينو وهدمها، كأنها الحياة: ويت (إدوارد نورتون) الذي انفصل عن زوجته بعد خيانته لها، ويخسر التواصل السلس مع ابنته التي حظيت أمها بحضانتها؛ وكلير (كيت وينسليت) التي تفشل في تأسيس عائلة، وتبحث عن متبرع بنطفة لتنجب ولداً؛ وسايمون (مايكل بينا) الذي يصارع السرطان، ويحاول إخفاء ذلك عن زوجته وشركائه في العمل. لكن هذه المآسي الفردية لشركاء هاورد الثلاثة، لم تحل دون تحوُّلهم إلى "خبراء نهش" كما يصف حسين أمثالهم في "الضوء الأزرق"، "يقتاتون على قوى" رئيسهم وشريكهم في العمل رغم ما يعانيه من مأساة الفقد، وتوحُّش الحداد، إذ لم يعد يهمهم إلا عودته للتعامل "السوي"، مهنياً، كي لا تنهار الشركة.

وحين يفشلون في إعادته إلى حياة "السواء"، يؤجِّرون محققة خاصة، تتبع هاورد، وتتمكن من "استرجاع" رسائل يودعها في صندوق البريد على رصيف مقابل لعمارته السكنية، يتبيَّن أنه كتبها لـ: الحب، والوقت، والموت. هنا، تبلغ الشرَّانية أوجها حين يدبِّر الثلاثة مؤامرة هي عبارة عن أحبولة ذهنية يتعاقدون لإيقاع "صديقهم" فيها مع مجموعة مسرحية، تجسد فيها شخصية الحب-إيمي (كيرا نايلتي)، وشخصية الوقت-رافي (جاكوب لايتمور)، وشخصية الموت -بريجيت (هلين ميرين). وتبدأ جولات التلاعب الذهني من قبل هؤلاء بهاورد، إذ يواجهونه، كل على انفراد، برسائله التي أرسلها لهم، وحصلت عليها المحققة الخاصة بطريقة غير قانونية، ليتأكد أنهم أشخاص حقيقيون، وينوِّعون في أساليب مواجهته بين الترهيب والترغيب، في حين تصوِّر المحققة الخاصة هذه اللقاءات لتوثيقها واستخدامها، فيما بعد، لكسب قضية قانونية ضد هاورد يثبتون فيه أنه غير سوي عقلياً، بعد أن يزيلوا الشخصيات الثلاث من التسجيلات رقمياً.

 

يلجأ هاورد إلى "مجموعة دعم"، سائدة في السياق الأمريكي، لأناس فقدوا صغارهم، تقودها امرأة تدعى مادلين (هي زوجته التي ليس بوسعه التعرف عليها لعطب محدود أصاب ذاكرته)، لكنه لا يتمكن من الحديث عن مصابه. في نهاية المطاف، يُستدعى هاورد إلى جلسة مع محامي مجلس إدارة الشركة، وزملائه اللدودين، حيث يواجهونه بالتسجيلات المعدَّلة رقمياً، لكنه يرد على زملائه بلطف، ويذكرهم بماضيهم، وإحسانه لهم، وما يعرفه عنهم من أسرار... فيعترفون بفعلتهم، ويعتذرون. لكنه، يوقِّع على الأرواق القانونية التي أرادوها، كما يوقع إقرارا بوفاة ابنته كشارة على التسليم بالفقد. تُحلُّ تأزمات الحبكات الجانبية في الفيلم (بعد أن يدفع المتآمرون لـ"الحب، والوقت، والموت" أجرة أدوارهم في المسرحية!)، فيحسِّن ويت علاقته بابنته؛ وتبدأ كلير بخطوات عملية لإنجاب طفل؛ ويعترف سايمون لزوجته بمرضه واقتراب رحيله. فيما يزور هاورد قائدة مجموعة الدعم مادلين في بيتها، عشية عيد الميلاد، وهناك تعيد عليه قصة ابنتها أوليفيا ذات السنوات الست عبر شريط مسجل، يظهر هاورد نفسه وهو يلاعب ابنته، حيث يستعيد ذاكرته ويتعرف على زوجته ثانيةً، ولا يعودا "غرباء" بعدئذ، وبخاصة بعد اختفاء "الحب" و"الوقت" و"الموت"، كشخوص استيهامية، من المشهد تماماً، فيما يبقى "الجمال الجانبي" برسم مزيد من التحديد.

أوجز حسين حدود الفرح والحزن في الحياة بالمزاوجة بين "وفرة الشعر" و"قلَّة الحب"

ربما كان تزامن تصوير الفيلم الأمريكي، مع تصوُّر الفيلم الفلسطيني محض مصادفة؛ وربما كان اشتراك الفيلمين في الموضوعات الأثيرة (الحب والوقت والموت) محض مشتَرك إنساني... لكن حسين البرغوثي كان حاضراً، ليس في "آخر سبع دقائق" وحسب، بل وفي اقتراحاته العديدة لاكتشاف "الجمال الجانبي" للحياة، إذ سأله المخرج صبحي زبيدي، عما يفرحه، فعبَّر عن غبطته ووفرة حظِّه لأنه عاش في زمن محمود درويش الذي قال عن فلسطين: "أنت أرضي التي حوَّلتني سماء،" وأعلن أن درويش أحاله "من طفل أرضي إلى طفل سماوي." وفي الرد على ما يحزنه، قال: "قلَّة الحب في هذا العالم." أوجز حسين حدود الفرح والحزن في الحياة بالمزاوجة بين "وفرة الشعر" و"قلَّة الحب"، ومضى... وكذلك واجه هاورد الحب، برسالة مختصرة: "عزيزي الحب: وداعاً". لكنه لم يكترث بشعرية الأديان في توصيف حال الراحلين في الجنة بعد أن اصطفى الله "أزهاره" من "حدائق الأرض" إلى "رياض السماء" ضمن خطته الكبرى لمصلحة العباد؛ ولم يلتفت لـ"رومانسية" والت ويتمان في "الاختلاف، بالموت، عما يتوقعه الآخرون"، ولا لـ"تفاؤلية" ديلان توماس في دعوته إلى"الغضب على موت الضوء". كان الحب في كل شيء، لكنه لم يره بعد غياب موضوعه الأثير-ابنته.

 يمكن للشعر، بوصفه فلسفةً دجَّنها الألم، أن يكون تداوياً لأجل الآخر

وفيما سخر حسين، متندِّراً أن: "أسوأ ما في الموت توقيتُه"، الذي يحكم نهايات جدل السيد والعبد في مطحنة التاريخ، عاب هاورد على الموت جبنه، إذ هو محض "نمر من ورق، مثير للشفقة"، لا يوثق به: لأنه بلا مروءة، ولا يقبل المقايضة: "خذني، يا موت، واترك ابنتي". أما "الوقت"، الذي نعى حسين على الإنسان عدم الانتباه له، والمرور على هذه الأرض "دون ترك أثر"، فقد أدرك هاورد أنه لا يشفي الجروح، بل يدمِّر كل شيء، ويحيل الجمال إلى تراب، وأنه "لا شيء"... حاصل القول، أن الكتابة عند حسين، والشعر منها بخاصة، هو فعل تغيير تؤدِّيه الروح، وتترك به الذات أثراً عبر فعل "التحويل". هنا، وهنا فقط، يمكن للشعر، بوصفه فلسفةً دجَّنها الألم، أن يكون تداوياً لأجل الآخر، الضروري، ومنه.