الأحد  29 آذار 2020
LOGO

بلاد لـ آمنة الأشقر

المقاومة على أشكالها تقع

2020-02-03 11:30:02 AM
بلاد لـ آمنة الأشقر
تعبيرية

 

اليوم أعود إلى البلاد.

في الواقع، هي ليست البلاد بالمعنى الحرفي للكلمة. لكنه مصطلح تعلَمت استخدامه من أولاد العرب الأميركان. بالنسبة إليهم، كل ما وراء البحار هو "ذا بلاد" بتفخيم اللام. وقد كان لهذه الكلمة وقع خاص على سمعي وفي قلبي أيضا. "وشو يعني" إن لم يكن المخيم هو البلاد ولم تكن بيروت هي البلاد، الكلمة أشبعت فيني – ولو مجازاً – جزءاً كان يتوق لأن تكون له بلاد يعود إليها.

جلست بالقرب من البوابة رقم 48، أنتظر رحلتي بينما أقرأ رواية (أم سعد) قبل الرجوع إلى المخيم. بها أبرر لنفسي أولاً أن رجوعي إلى المخيم عين الصواب وأنه - أي رجوعي – ليس ضرباً من ضروب (الهبل) كما قال لي معظم من علم بعودتي. أقنع نفسي بأن كل واحد منا في هذا الصراع مجبر على دفع الثمن. بعضنا يدفعه بسنيّ العمر داخل الأسر، وآخرون يدفعونه بأعضاء الجسد. وثلةٌ أخرى يكون الدم هو ثمن عضويتها في هذا الصراع.

وبما أنني خلقت فلسطينية وقررت الإبقاء على فلسطينيتي فاستحق علي رسم الاشتراك. وهو ما ندفعه باللجوء وكل ما يترتب عليه من أوجاع وآلام بمختلف المقاييس. هو ظلم، ظلم فاحش. لكن من قال إن العدل يسود العالم؟

 فالحرية نضال مستمر، ومحرك تلك الاستمرارية هي المعاناة.

حان وقت ركوب الطائرة.

في الصف أمامي رجل كبير في السن يتحدث إلى من يبدو عليها زوجته.

لم تكن معالم اللغة التي يتحدثان بها واضحة، لكن سرعان ما تبين لي أنها العبرية. شعرت باشمئزاز فتراجعت بردة فعل لا إرادية مبتعدة عنهما، فإذا بزوجين آخرين كبيرين في السن ورائي يتحدثان العبرية أيضا.

لا إله إلا الله على هاليوم.

وصلت إلى موظفة الخطوط الجوية. ناولتها تذكرة سفري. مررتها على الآلة أمامها. فأصدرت الآلة صوتاً مزعجاً غريباً وهو ما يعني وجود خطأ ما في تذكرتي. حاولت الموظفة مرة ثانية فصدر عنها الصوت نفسه. مرة ثالثة وأخيرة والنتيجة ذاتها.

نظرت الموظفة إلي ثم إلى تذاكري وارتسمت على وجهها ابتسامة وقالت:

أنت ذاهبة إلى بيروت، عليك التوجه إلى بوابة رقم 70.

أما هذه الرحلة فمتجهة إلى تل أبيب.

على بعد موظفة وممر وطائرة، تقع البلاد. ليست بيروت، وليس المخيم بل البلاد.

صمت برهة من دون الإتيان بأي حركة. فتنحنح الرجل المسن ورائي متململاً. التفت ونظرت إليه وكانت زوجته تقف إلى جانبه. ومع أن الجميع يصر على أنهم أولاد عمنا، إلا أن الرجل ورائي لم يشبه أبو محمد فوال مخيمنا، ولا أبو علي اللحام علماً بأن أبو علي أشقر وعيناه خضروان . وزوجته لم تشبه زهرة الخياطة ولا إم أحمد صاحبة محل الخضروات.

في الواقع لم يشبها أياً ممن في المخيم.

ارتسمت على فمي ابتسامة استجداء "لا بأس، لا مشكلة لدي بأن أستقل هذه الرحلة".

فضحكة الموظفة ببراءة مستفزة وقالت "لا، لا الأفضل لك العودة إلى بلادك".

 "نعم، أعلم..."

 

النص جزء من المجموعة القصصية "حب في المخيم" الصادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية.