الثلاثاء  07 نيسان 2020
LOGO

رؤيا ترامب...وماذا بعد؟ بقلم د. محمد ابو حميد*

2020-02-09 02:51:27 PM
رؤيا ترامب...وماذا بعد؟ بقلم د. محمد ابو حميد*
محمد أبو حميد



أصبح الحديث عن رؤية ترامب أو ما تسمى بصفقة القرن لتسوية القضية الفلسطينية أو تصفيتها وطرد الفلسطينين من التاريخ والجغرافيا حديثاً علنياً، ولم يعد في الخفاء. والعالم في معظمه استقبل هذه الصفقة بالاستهجان والسخرية الممزوجة بالمرارة لما حملته من استخفاف بالأسرة الدولية ومن انتهاك للنظم والقرارات التي صدرت عن المنظومة الدولية (الجمعية العامة ومجلس الأمن) بشأن القضية الفلسطينية.

فما تضمنته هذه الرؤيا من تصور لحل الصراع يعيد إلى الأذهان الرؤى والمقاربات التي استخدمها الاستعمار في القرنين الثامن والتاسع عشر. زد على ذلك اللغة المستخدمة في صياغتها لا تخلو من العجرفة وتعيد إلى الأذهان علاقة العبيد بالسادة لما تضمنته من إهانة ليس للفلسطينين فحسب. بل لكل من لديه كرامة وإحساس في هذا العالم.

فناهيك عن اعتراف ترامب بالقدس عاصمة للشعب اليهودي وحرمان الفلسطينين من السيادة الوطنية على أرضهم والتنكر لهويتهم وتاريخهم الممتد عبر آلاف السنين، فإنه أيضاً اعتبر أن هذه الرؤيا لن يتم تنفيذ الشق الفلسطيني منها قبل اعتراف الفلسطينين بيهودية دولة إسرائيل. وكأنه يريد من الفلسطينين مسح ذاكرتهم و تاريخهم وهويتهم بأيديهم. ويضيف المستشار كوشنير "إذا لم يرضخ الفلسطينيون لشروطنا فعلى اسرائيل عدم الإعتراف بهم كدولة"! ويؤكد في ذات الوقت بأن على اللاجئين ان يبحثوا لهم عن دول تستوعبهم كي يتم توطينهم على أراضيها.

لاشك بأن الموقف الفلسطيني المعلن كان بمستوى الصدمة وعبر عن رفض صريح بل وتحد واضح لهذه الرؤيا المسخ التي كتبت بقلم إسرائيلي يميني متطرف وقرأها ترامب نيابة عن هذا اليمين العنصري كي يؤكد ولاءه للصهيونية المسيحية التي باتت ترى العالم وفق معتقداتها.

ولعل الرئيس ترامب اعتقد بأن الوضع العربي المفكك والوضع الدولي غير المستقر يشكلان الفرصة الذهبية لتنفيذ هذه المؤامرة ( الرؤيا). إذ أن الوضع العربي العاجز والمأزوم والمفكك والمشغول بخلافاته الداخلية، والذي أضحى بلا وزن على الساحة الدولية، كان سببا وعاملا مساندا لإعلان ترامب عن رؤيته؛ فعلى الرغم من الموقف العربي الرسمي الرافض لهذه الرؤيا، الذي جاء في إجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير في القاهرة، إلا أن سلوك وتصرفات بعض الأنظمة العربية يجعلنا نشكك في النوايا. كي لانقول يوما ..لا قلوبهم ولاسيوفهم مع علي.....

فعلى النظام العربي الرسمي أن يرتقي لمستوى الموقف الشعبي وأن يدرك بأن المخطط لا يقف عند هذه الرؤيا وتداعياتها بل يستهدف الأمة العربية بكاملها وصولا إلى سايكس بيكو جديدة تكرس الهيمنة الأمريكية الصهيونية عل موارد العرب وسيادتهم وإحالة العرب إلى حالة هلامية تبقى خارج سياق التاريخ.

ولعل من يعي أسباب إنشاء إسرائيل في قلب المنطقة العربية يدرك مخاطر هذه الرؤيا. وعليه فإن من يتساوق مع خطة ترامب فإنه سيشارك في المؤامرة على الشعب العربي ومستقبله، فالتطبيع مع الاحتلال هو مدخل لهذه المؤامرة، فغاية اسرائيل من التطبيع ونسج علاقات مع العرب تهدف إلى زعزعة الموقف العربي،  وإحداث شرخ في العلاقات العربية- العربية. وبذا تكون قد نجحت اسرائيل في خلق حالة من عدم الاستقرار في المنطقة العربية، وتكون قد حققت بالوسائل الدبلوماسية مالم تحققه بالوسائل العسكرية على مدى سبعين عاما.

إن كل هذه المخاطر تتطلب منا كعرب ترجمة الأقوال إلى أفعال ....وقبل ذلك أن يكون الفعل الفلسطيني بالمستوى المطلوب. فلم يعد الحديث عن توحيد الصف الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية مقبولا لدى الشعب الفلسطيني، مالم يترجم إلى أفعال فورية.

إن الوضع الحالي لم يعد يحتمل التباطؤ والمناكفات...فمحاولات التهرب من صياغة وحدة وطنية راسخة تنسجم مع تطلعات الشعب الفلسطيني وتحقق أهدافه الوطنية في الاستقلال وإقامة دولته على حدود 1967 وعاصمتها القدس ستؤدي إلى تراجع بل وتنصل بعض ساسة النظام الرسمي العربي من مسؤولياتهم...وهروبهم باتجاه التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي على حساب القضية القومية.

إن توحيد الصف الفلسطيني هو حجر الزاوية الذي يمكن البناء عليه ..والتأثير في الموقفين العربي والدولي... وإلا سنبقى نكسب تعاطفا لاغير....كجعجعة بلا طحن.....
 

*مؤرخ وباحث في الشؤون السياسية