الخميس  02 نيسان 2020
LOGO

"دون كيشوت المطبِّع"/ بقلم: محمد حجاز

2020-02-26 10:35:29 AM
أ. حسن حجاز

 

 كتب د. حسن أبولبده في صحيفة الحدث الفلسطينية في ٢٥/٢/٢٠٢٠ مقالاً بعنوان "دون كيشوت وتحرير فلسطين" دافع فيه عن أعضاء لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي واعتبر الحملة ضدهم ظالمة. ورغم ما تربطني بالأخ حسن أبولبده من علاقة صداقة طيبة وكذلك زمالة حيث كان مديري لسنوات في بورصة فلسطين، وكان بحق من أفضل المدراء الذين أداروا البورصة، إلا أنني أختلف معه فيما ذهب إليه، وأحببت أن أعبر عن اختلافي على مقالته بمقالة مغايرة، مع قناعتي أن الاختلاف لا يفسد للود قضية.

دون كيشوت المطبِّع

بداية فإننا لا نستطيع أن نضع العلاقة اليومية مع الاحتلال في سلة واحدة، فمثلاً لو اقتحم جيش الاحتلال بيتي فإن الأمر مختلف عن دعوتهم لاحتساء فنجان قهوة في بيتي، وعليه فإن "غزوات الدوريات والاقتحامات الليلية لجيش الاحتلال الغاشم" كما جاء في المقال المشار إليه يختلف عن غزوات الوفود الصهيونية إلى مطاعمنا ومؤسساتنا وربما مستقبلاً لبيوتنا، لأن الأولى تتم بفعل القوة المسلحة فيما الثانية تتم بإرادتنا وبدعوة منا.

يستشف من المقال أن شعب فلسطين كان دوماً مع التطبيع، ولم يكن التطبيع قضية مهمة في حياته تحت الاحتلال، واكتشف فجأة أنه ضد التطبيع، علماً بأن شعبنا كان دوماً ضد التطبيع رغم التداخل المعقد مع سلطات الاحتلال، فكان دوماً وقبل نشوء سلطة الحكم الذاتي يجرّم كل من يظهر على التلفزيون الإسرائيلي أو يتعاون مع مؤسسات أكاديمية صهيونية، وحتى بعض القيادات التقليدية التي كانت تطبع في ذلك الوقت، جاءت الانتفاضة الأولى لتتجاوزهم وتهمشهم عبر القيادة الوطنية الموحدة. وحتى بعد أوسلو، الذي ذلل عمليات التطبيع، كانت هناك قطاعات واسعة لا تتعاطى مع البرامج الأمريكية والأوروبية التي تهدف إلى تكريس التطبيع تحت مسميات التعايش والتعامل مع الصراع وكأنه مجرد سوء فهم ومشكلة تواصل.

لم يكن في الماضي يتوقف أحد عند الاتصالات التي يجريها أبوعمار مع الإسرائيليين أو يكترث للاتصالات والقنوات السرية مع الإسرائيليين التي كان يكلف بها المرحوم عصام السرطاوي أو أبومازن أو غيرهم، لأنها كانت تتم بنوع من الكتمان وعلى نطاق ضيق جداً ولأهداف محددة. ولكن في الفترة الأخيرة جرى توسيع هذه الدائرة لتشمل مؤسسات تمثيلية مثل بلديات وجامعات وبأعداد كبيرة لتخرج هذه الاتصالات عن مبتغاها الأساسي، ما أدى إلى تمييع الموقف الوطني من التطبيع وإلى محاولة ضرب المناعة الوطنية وإلى إحداث شرخ وتشويه في الوعي الفلسطيني وإلى حَرْفِ البوصلة النضالية. كما تأتي هذه الحملة التطبيعية في ظل تهافت غير مسبوق من النظام الرسمي العربي نحو التطبيع مع العدو الصهيوني، مستغلين مشاهد التطبيع الفلسطينية لتبرير هذه الهرولة أمام شعوبهم، ولسان حالهم يقول أنهم لن يكونوا ملكيين أكثر من الملك. وكلنا يعلم أن تطبيع المسؤولين العرب سيكون بالضرورة على حساب حقوقنا وسيضعف التضامن العربي مع قضيتنا، كما أنه يساهم في تعزيز اليمين الصهيوني المسيطر.

إنَ صفقة نتنياهو- ترامب التي أطلقوا عليها "صفقة القرن"، لن توقفها الأقلية الصهيونية من المعارضة، بل بحاجة لنضال مختلف واستعداد للتضحية وتغيير في النهج وتوجه جدي للتواصل الفعال مع العالم الخارجي من رأي عام ونخب سياسية. ولكن هذا يتطلب تغييرا في الفلسفة السياسية وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية وإصلاح مؤسسات السلطة وعلى رأسها وزارة الخارجية التي أصبحت مرتعاً لأبناء المتنفذين والموالين بغض النظر عن عنصر الكفاءة. وعملية الإصلاح تتطلب تغييرات ثورية في سفاراتنا وممثلياتنا في الخارج التي لا يقوم معظمها بدوره المنشود وبعيدة كل البعد عن النضال الوطني ضد الاحتلال. إن حشد العالم مع قضيتنا، كما فعلت قيادة السود في جنوب أفريقيا، يتطلب مخاطبة هذا العالم بخطاب سياسي مناسب، في حين أن جلّ خطابنا السياسي موجه للمجتمع الصهيوني، لذا تجده خطاباً استجدائياً وبائساً وركيكاً ومخيباً للآمال، ويعبر عن روح مهزومة، ويتجاهل كل الدنيا خارج فلسطين.

أمّا موضوع أن المناكفات جزء من هذه الهبة ضد التطبيع، فإن الخلاف هنا لم يكن بين أحزاب أو مراكز نفوذ، ولكن كان ضد فئة صغيرة من قبل معظم حركة فتح واليسار الفلسطيني والقوى الإسلامية والمستقلين.

إن المنحى التصعيدي وصلابة الموقف ضد موجة التطبيع الجديدة ليست وليدة وجود وسائل التواصل الاجتماعي، بل جاء رد الفعل قوياً ليس بسبب الموقف التاريخي الرافض للتطبيع فقط وإنما ساهمت عوامل أخرى في قوة الرد الشعبي والنخبوي. فقد جاءت موجة التطبيع حيث الشارع الفلسطيني محتقن ضد صفقة نتنياهو- ترامب في ظل عدم وجود استراتيجية للقيادة الفلسطينية ذات الشرعية المتآكلة لمواجهتها، فبدل التوجه نحو تحقيق الوحدة الداخلية وإنهاء الانقسام، توجهت القيادة بخطابها ووفودها نحو تل أبيب. وما زاد الطين بله أن من يريد تكريس التطبيع هم أشخاص لم يكلوا أو يملوا من صب الزيت على نار الانقسام أمثال "فضيلة" الهباش. كما أن محاولة "جرجرة" تجمعات وشخصيات فلسطينية أكثر نحو مسلسل التطبيع قد شكّل استفزازاً إضافياً، ناهيك عن تزامن ذلك مع ازدياد وقاحة النظام الرسمي العربي في تسريع وتيرة التطبيع.

إن وسائل التواصل الاجتماعي، ورغم ما يكتنفها من مظاهر سيئة وسموم وإساءات وعدم"انضباط" أحياناً، إلا أنها تبقى نجمة مضيئة في سماء عتمة القمع العربية، فهي توفر منبراً حراً لحشد الرأي العام وحرية التعبير وتبادل الآراء والمواقف والمعلومات في ظل غياب الإعلام الحر والممارسات الديمقراطية الأصيلة. وفي ظل وجود قانون الجرائم الإلكترونية، فإن هذه الوسائل ليست فالتة من عقالها كما وصفها د. أبولبده، بل هناك قانون لها بالمرصاد، مع أنني أوافق د. أبولبده أن المساءلة تزداد كلما اقتربت من رأس النظام السياسي وأركانه، ولا أعتقد أن د. أبولبده يريد أن تطال المساءلة التي تتخذ بالعادة شكل قمع الحريات من تعرض للجنة التواصل وانتقدها واغتالها سياسياً.

إن أمتنا مهما بلغ بها حالة التيه والإحباط والظلم ليست أمة مهزومة تقتات على الشعارات وتنتظر الغيب، بل هذه صفات حكامها الذين يحاولون بكل قوة وبالترغيب وبالترهيب تكريس هذه الصفات لدى شعوبها، ومنع أي مواجهة جادة مع العدو الصهيوني سواء كانت مواجهة سلمية أو مسلحة. ولا أعتقد أن الحل الميكافيلي هو الحل والذي تم التعبير عنه بعبارة "ولا بأس في ذلك زيارة الشيطان والاجتماع مع إبليس". وربما هذا الفكر هو ما أدى فعلياً إلى تراجع قيمنا الوطنية وإلى تضييع ربع قرن في مفاوضات عبثية لم تسفر إلا عن مزيد من الضياع والتخبط والفساد والاستبداد. وهذا الفكر يذكرنا بفكر السادات الذي كان أول من فتح البوابة العربية على مصراعيها أمام الاختراق الصهيوني ليحصل في نهاية المطاف على حلّ منفرد وعلى سيناء بدون سيادة حقيقية.

إن ميزان القوى الحالي وحالة التردي العربي وتواطؤ النظام الرسمي العربي مع واشنطن وتل أبيب وتنامي قوى اليمين العالمي وعلى رأسها ترامب، وكذلك حالة اللامبالاة والتراجع الفلسطينية، لا تبرر أن نتخلى عن إرثنا النضالي ونتنكر لتضحيات شهدائنا وجرحانا وأسرانا ومشردينا ومعذبينا لصالح مسار أوحد ثبت فشله وعقمه. فالشهيد أبوعمار لم يذهب إلى الأمم المتحدة في منتصف سبعينيات القرن الماضي بغصن زيتون فقط، بل كانت البندقية إلى جانب غصن الزيتون، وبدل من أن تكون نتيجة المفاوضات العبثية سقوط غصن الزيتون أسقطنا البندقية إلى جانب غصن الزيتون، ولم يعد أحد يحترم هذا الكيان الفلسطيني الضعيف المستجدي. قد لا تكون الظروف الفلسطينية والعربية والدولية مواتية حالياً لخوض الكفاح المسلح أو التقدم باتجاه التحرير، ولكن يمكن أن نكرس هذا الوقت لترميم البيت الداخلي وتحقيق وحدتنا وتعزيز صمودنا على أرضنا والتصدي لصفقة نتنياهو-ترامب على أرض الواقع وتعزيز علاقاتنا الدولية، لا أن نهرول باتجاه تل أبيب تحت ذريعة حشد القوى معنا لتسقط مع هذه الهرولة كل المحرمات.

إن الاغتراب الوطني الذي ذكره د. أبولبده في مقاله ينشأ نتيجة التطبيع وخلق "شريك سلام" وهمي، وليس من خلال مناهضة التطبيع والمطبعين. وليس بالضرورة أن تكون كل ممارسة تمت في الماضي تصلح اليوم ومنها فتح القنوات مع المجتمع الصهيوني، فهناك حاجة ماسة لإعادة النظر بمسار حوالي نصف قرن من الفوضى السياسية وما واكبها من فساد وتفرد فرد/فصيل، والتي أنتجت علاقة مشوهة مع عدونا الذي يحتل أرضنا. هناك حاجة لتعزيز ثقافة مقاطعة العدو وليس الاكتفاء بمقاطعة مستوطناته أو تعزيز ثقافة التطبيع مع عدو لا زال يمعن في ارتكاب الجرائم بحقنا.

أما بشأن الاتفاق على مفهوم التطبيع، فإنني أعتقد أن منظمة التحرير الفلسطينية المغيبة معظم الوقت غير مؤهلة لتحديد مفهوم التطبيع لا سيما أن رئيسها يتحكم بكل سياساتها وقرارتها ومعروف فلسفته سلفاً بشأن العلاقة مع العدو الصهيوني. فهل تتوقع ممن يعتبر التنسيق الأمني مقدس على سبيل المثال أن يقدم لنا مفهوماً معقولاً للتطبيع يحظى بإجماع وطني. ولذلك فإن BDS ستكون مؤهلة أكثر للعب هذا الدور، وهي تحاول أن تعالج الخصوصية الفلسطينية وتتفهمها ولكن ليس عبر تمييع مفهوم التطبيع وجر كل يوم شرائح جديدة من مجتمعنا إلى التطبيع، وأنما ربطه بحقوقنا وعلى رأسه حق العودة، فمن يعترف مثلاً بحق العودة للمشرد الفلسطيني من المجتمع الصهيوني يمكن أن يكون التواصل معه يخرج من دائرة التطبيع. ويجب أن يؤخذ في الخصوصية الفلسطينية العلاقة القسرية مع الاحتلال مثل تصاريح السفر والتنقل والعمل ودخول الخط الأخضر وغيرها. لقد أثبتت التجربة حرص BDS وأمانتها وكفاءتها ووعيها العميق بشأن التطبيع أكثر بكثير ممن نأتمنهم على قضيتنا الوطنية.

ختاماً، لا نريد باسم الخصوصية الفلسطينية بسبب وجودنا تحت الاحتلال، وباسم الواقعية، وباسم النظام الأبوي الذي تقوده منظمة التحرير، أن نميع مفهوم التطبيع وأن نبرر لمن يرتكبونه وأن ندافع عن المطبعين ومن يقف وراءهم من المستفيدين من التطبيع وعلى رأسهم الطبقة الكمبرادورية في المجتمع الفلسطيني التي لها علاقات تجارية متشابكة مع العدو الصهيوني، لأننا نكون بذلك نمهد لإنشاء روابط قرى جديدة.