الأحد  20 أيلول 2020
LOGO

مجلة: صفقات السلام الإسرائيلية كابوس استراتيجي لإيران

2020-09-16 10:18:45 AM
مجلة: صفقات السلام الإسرائيلية كابوس استراتيجي لإيران
علم إيران

الحدث- جهاد الدين البدوي

نشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالاً للمعلق في الشؤون الإيرانية وطالب الدكتوراة في جامعة لوند في السويد، ميسم بهرافيش، والدكتور حميد رضا عزيزي الزميل في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين. وأشار الأكاديميان إلى أن اتفاق أبراهام يهدد عقوداً من التخطيط للسياسة الخارجية في طهران.

وكتب الباحثان في افتتاحية مقالتهما بأنه عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اتفاق أبراهام، الذي أدى إلى تطبيع العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة و "إسرائيل"، في 13 آب/أغسطس، وصفه أمام العالم بأنه لحظة تاريخية. وفي المقابل اعتبرت طهران الاتفاق على أنه تهديد خطير. فيما ندد عدد من المسؤولين بالاتفاق، وحذروا من عواقبه. في إشارة إلى تغيير قادم لا مفر منه لاستراتيجية إيران.

أضاف الباحثان أنه في اليوم التالي للاتفاق، أدانت وزارة الخارجية الايرانية الاتفاق واعتبرته "حماقة استراتيجية" و"طعنة من الإمارات في ظهر الشعب الفلسطيني". وبعد يوم واحد، أصدر «الحرس الثوري الإسلامي» بياناً نارياً، وصف فيه التطبيع بأنه "حماقة تاريخية" من شأنه أن يحقق "مستقبلاً خطيراً" للقيادة الإماراتية.

وفي نفس اليوم، عبّر الرئيس الإيراني حسن روحاني عن استياءه أيضًا، واصفًا الاتفاق بأنه "خيانة" وحذر من أنه إذا سمح الإماراتيون "لإسرائيل بموطئ قدم في المنطقة، فسيتم معاملتهم بشكل مختلف". (ورداً على ذلك، استدعت الإمارات العربية المتحدة القائم بالأعمال الإيراني في أبو ظبي للاحتجاج على تصريحات روحاني "التهديدية" و "المحرضة على التوتر").

وفي 16 أغسطس حذر رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، الجنرال محمد باقري بأن سياسة إيران تجاه الإمارات العربية المتحدة "ستتغير جذرياً" وأن "القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية ستنظر إلى هذا البلد بحسابات مختلفة". وأكد القائد العسكري الأعلى في إيران أنه "إذا حدث شيء ما في الخليج الفارسي وتعرض الأمن القومي الإيراني لخرق، وإن كان طفيفاً، فإننا سنحمل الإمارات المسؤولية ولن نتسامح معها". وقد تصدرت الانتقادات التي أثارها المرشد الأعلى علي خامنئي في الأول من أيلول/سبتمبر عدد كبير من الإدانات البارزة، والتي صورت الاتفاق على أنه محاولة إماراتية "ليس فقط لإخضاع القضية الفلسطينية للنسيان، ولكن أيضاً للسماح لإسرائيل بموطئ قدم في المنطقة".

قال خامنئي في خطابه، بعد يوم واحد من أول رحلة جوية من "إسرائيل" عبر السعودية إلى العاصمة الإماراتية أبو ظبي، والتي كان على متنها كبار المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين بما في ذلك مستشار البيت الأبيض جاريد كوشنر - الذي أشار إليه خامنئي في خطابه بـ "ذلك اليهودي في عائلة ترامب". وقد وعد المرشد الأعلى لإيران: "[لكن] بالطبع هذه الخيانة لن تستمر طويلاً".

يشير الباحثان إلى أن مفتاح فهم المخاوف الإيرانية العميقة بشأن التقارب الإماراتي "الإسرائيلي" يكمن في احتمال ترسيخ "موطئ قدم" إسرائيلي في الجوار المباشر لإيران. في الحقيقة، منذ ثورة 1979 التي ولدت الجمهورية الإسلامية، زود الصراع العربي "الإسرائيلي" على فلسطين المؤسسة الثورية الإيرانية بالذخيرة السياسية في حملتها الأيديولوجية ضد "الورم السرطاني" لإسرائيل، فضلاً عن "الغطرسة العالمية" لـ "الشيطان الأكبر" المتحالف معها.

يتابع الباحثان: ولكن الأهم من ذلك بالنسبة للأمن القومي الإيراني، أن العداء أو الاغتراب بين العرب و "إسرائيل" كان بمثابة حصن جيوسياسي طبيعي يحمي المصالح الإيرانية الأساسية من الحملات "الإسرائيلية" الأمريكية العدائية في منطقة تحتضن منافسة كبيرة. وبشكل أكثر تحديداً، اعتمدت طهران منذ فترة طويلة على العداء العربي "الإسرائيلي" كحاجز أمني عضوي ليس فقط لمنع "إسرائيل" من وضع موطئ قدم لنفسها في محيط إيران، من الناحية الجغرافية، ولكن أيضاً لتعزيز سياستها الخاصة "العمق الاستراتيجي" في جميع أنحاء الشرق الأوسط براحة وفعالية نادرة.

يطلق على "العمق الاستراتيجي" أو الدعم اسم "اغابة" في الأدبيات الأمنية العسكرية الإيرانية. وهو يشير إلى القدرة على جعل المعركة أقرب إلى أراضي العدو في حالة نشوب صراع. والآن يهدد التطبيع بين الإمارات و "إسرائيل"، الذي ينص من بين أمور أخرى على التعاون الأمني المنهجي وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين الشريكين ضد خصمهما المشترك، بخرق الحاجز الطبيعي لإيران مع "إسرائيل".

ووفقاً للباحثين فقد أبدت طهران في السابق تصميمها على حماية هذا الحاجز. ففي أيلول/سبتمبر 2017، ألقى «الحرس الثوري» الإيراني بثقله خلف الحكومة العراقية برئاسة رئيس الوزراء آنذاك حيدر العبادي لإحباط محاولة حكومة إقليم كردستان للاستقلال، بعد استفتاء محلي لصالح دولة كردية مستقلة. وفي ذلك الوقت، هدد اللواء قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني مراراً وتكراراً بإرسال قوات شبه عسكرية مدعومة من إيران، إلى جانب القوات الحكومية العراقية، إلى مدينة كركوك النفطية إذا لم ينسحب منها المقاتلون الأكراد. وكان أحد الدوافع الرئيسة لمعارضة طهران الشرسة للاستفتاء على الاستقلال هو الخوف من أن تفوز "إسرائيل" - التي دعمت المبادرة - بموطئ قدم لها في شمال العراق نتيجة لذلك.

يرى الباحثان بأنه من المرجح أن يجعل التحالف العربي "الإسرائيلي" الجديد إيران أكثر عرضة لحملات الضغط والعمليات الأمنية والاستخباراتية من جانب خصومها. وكانت نقطة الضعف الحالية لإيران واضحة تمامًا في فبراير 2018، عندما نجح فريق من عملاء الموساد في انتزاع أكثر من نصف طن من الوثائق النووية بالغة السرية من منطقة غامضة في طهران ونقلها إلى تل أبيب، وفقًا لتكهنات جديرة بالملاحظة في المخابرات الإيرانية، بعد نقل الحمولة عبر بحر قزوين إلى أذربيجان، الحليف الرئيس "لإسرائيل" في الجوار الشمالي لإيران.

يتابع الباحثان: لقد أولت إيران تاريخياً أهمية استراتيجية أكبر بكثير لجناحيها الغربي والجنوبي مقارنة بجيرانها الشماليين – التي يُنظر إليها إلى حد كبير في طهران على أنها الفناء الخلفي لروسيا في المقام الأول. ومن ثم فإن التعاون العربي "الإسرائيلي"، الذي سهلته الولايات المتحدة في عهد ترامب، سيزيد من كشف نقاط الضعف هذه.

ولكن هذه الشقوق في المنطقة الأمنية العازلة لإيران لم تسمح فقط بهجمة العباءة والخنجر، كما أنها جعلت سياسة "الضغط الأقصى" التي انتهجها ترامب ضد طهران أكثر فعالية وألمًا من حملة العقوبات التي فرضها سلفه. وقد ساعد التعاون العربي المتزايد مع "إسرائيل" والولايات المتحدة على عرقلة القنوات المالية السرية وصمامات الهروب التي تستخدمها السلطات والمؤسسات الإيرانية تقليدياً للتهرب من العقوبات الأمريكية.

يوضح الباحثان بأن التحالف العربي "الإسرائيلي" الناشئ، الذي تجسد في التطبيع الإماراتي "الإسرائيلي"، يبشر بـ "ضعف" سعي إيران الناجح عادةً إلى تحقيق العمق الاستراتيجي في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ووفقاً لمصادر إعلامية في تركيا – وهي منافس كبير للإمارات ومعارض لتقاربها مع "إسرائيل"- فإن الإماراتيين يمنحون "إسرائيل" فرصة فريدة لإقامة "قواعد تجسس" في جزيرة سقطرى التي تسيطر عليها الإمارات جنوب اليمن.

ويتابع الباحثان: وقد يؤدي تسهيل الإمارات للانخراط الأمني "الإسرائيلي" في خليج عدن إلى تأجيج التوتر المستمر منذ فترة طويلة حتى بعد احتمال انتهاء حرب اليمن - مما قد يؤدي إلى تأليب الحوثيين المتحالفين مع إيران ضد القوات المدعومة من السعودية.

يقول الباحثان: لقد ظهر بالفعل نوع مماثل من العداء الخفي بين إيران و "إسرائيل" في أجزاء من إفريقيا، حيث يفضل الشركاء العرب تقليديًا "إسرائيل" على إيران، وإذا كان التاريخ الحديث دليلًا، فلا يوجد سبب للاعتقاد بأنه لن يكرر نفسه في القرن الأفريقي وبحر العرب، والتي لها أهمية استراتيجية أكبر لطهران.

لذلك ليس من المستغرب أن يحظى الانفتاح الشامل مع الدول العربية الإقليمية، وليس أقلها التكتل الذي تقوده السعودية، بدعم من الأقطاب الحزبية في طهران - على عكس المفاوضات مع واشنطن، التي يصعب على القادة الإيرانيين تبريرها وقبولها تحت الضغط المهين للعقوبات الاقتصادية وخاصة بعد اغتيال الولايات المتحدة لسليماني.

يختتم الأكاديميان مقالتهما بالقول: "ومن المرجح أن يؤدي الاختراق الدبلوماسي بين الإمارات و "إسرائيل" إلى تفاقم تصور طهران الحالي بـ "التطويق الاستراتيجي" وقد يدفعها للتصرف بشكل أكثر عدوانية وبقدر أقل بكثير من ضبط النفس مع جيرانها. وربما كان هذا ما يعنيه رئيس الأركان الإيراني، باقري، بـ "حسابات مختلفة" - ما لم يتم وضع استراتيجية لإنقاذ ماء الوجه من أجل كسر حلقة المواجهة المستمرة".