الأربعاء  28 تشرين الأول 2020
LOGO

عفريت السلام| بقلم: د. سامر العاصي

2020-09-22 07:10:57 PM
عفريت السلام| بقلم: د. سامر العاصي
سامر العاصي

تقول الأسطورة من بلاد التشيك، إن حفلا موسيقيا، جمع شباب وشابات القرية القريبة من العاصمة "براغ" المطلة على نهر "فلتافا" الجميل. وفي خضم الحفل، انفجرت الصبايا ضحكا، بعد أن سمعن عجوزا، (ساحرة) وهي تقول:-

  • أريد أن أرقص، ولو حتى مع الشيطان!

وما هي إلا دقائق قليلة، حتى ظهر رجل سار نحو الحفل وهو يسأل "أين جميلة الجميلات"؟، "أين أميرتي"؟، وما إن رأى الرجل "أميرته العجوز" حتى طلب الإذن بالرقص معها. وبدأ الرجل و"الساحرة" بالرقص. ومرت الساعات وما زالا يرقصان وسط ذهول المتفرجين، لصعوبة الحركات التي كانت تقوم بها العجوز بكل خفة وراحة، ودون تعب أو ملل. ومع انتهاء الحفل أصرت العجوز أن ترافق "صاحبها"، إلا أن الرجل أصر عكس ذلك، وإلا فإنها ستندم!. واستمر إلحاح العجوز وسط نظرات من الرجل تنم عن نهاية "إنذاراته" لها. عندها، طلب الرجل من العجوز أن تقفز على كتفيه وتُمسك برقبته ما استطاعت من قوة. وما هي إلا ثوان قليلة، حتى سُمعَ صوت رعد قوي، وظهر بريق ساطع في السماء، وابتلعتهما الأرض. 

وسرعان ما رأت الساحرة، أنها في أغوار الجحيم، وأن صاحبها ما هو إلا شيطان من شياطين جهنم عندما بدأ ينادي ويقول:-

  • إخواني العفاريت والشياطين، انظروا إلى هذه الساحرة الغنيمة التي جئتكم بها من سطح الأرض!. ثم مد العفريت يده ليتناول غنيمته ويضعها أمام الشياطين وهو يتباهى ويضحك. وعبثا حاول العفريت إنزال الساحرة من على كتفيه، إلا أن جميع محاولاته باءت بالفشل وسط ضحكات وتهكمات الشياطين الذين خافوا مساعدته كي لا تلتصق تلك العجوز برقبة أي منهم. وبدأ العفريت يتمرغ، حتى أن نار جهنم لم تستطع أن تثني أيدي تلك الساحرة التي فهمت أن حياتها رهينة بذلك.

واستقر الرأي بأن يعود العفريت بعجوزه إلى مكان الحفل. وفي الطريق التقى العفريت براعي غنم شاب، الذي بادره السؤال عن سبب حمله لزوجته على كتفيه وهو بالكاد يستطيع السير والتنفس. وأُصيب الشيطان بنوبة من البكاء، حتى أنه اعترف للراعي بما حصل معه. وجن جنون العفريت عندما أخبره الراعي بأنه يستطيع أن يخلصه من العجوز. وعلى الفور، همس الراعي بكلمتين في أذن الساحرة، التي سرعان ما تركت رقبة الشيطان وانتقلت إلى كتفي ورقبة الراعي من بني آدم. ثم ذهب الراعي بحمله المسحور إلى نهر "فالتافا". وبعد دقائق عاد صاحبنا وقد اختفت الساحرة من على كتفيه، قائلا للعفريت الذي وقف وهو لا يصدق عيناه:-

  • لقد ألقيت بعباءتي وبالساحرة في النهر، وانتظرت حتى طفت عباءتي. وانتاب العفريت موجة من السعادة وقال:-

  • سأجعل منك أسعد إنسان في الأرض، وسأردَ لك الجميل "مرة واحدة" فقط!. سوف أسكن في جسم ابنة ملك براغ، الذائعة الشهرة والجمال، وعندما تأتي أنت إليها، وتهمس في أذنها، سأخرج من جسمها وستصبح الأميرة زوجتك وستكون أنت بعدها ملك البلاد!. واختفى الشيطان.

وبعد أيام، سمع الناس بمرض غريب أصاب الأميرة، وأعلن الملك أن من يشفي ابنته فله نصف البلاد. وتوجه الراعي إلى القصر، راضيا بحكم الإعدام إن لم يستطع معالجة الأميرة. وتوجه الشاب إلى الفتاة النائمة، وهمس في أذنها، مذكرا العفريت المختبئ بالاتفاق. وما هي إلا ثوان حتى سُمِعَ صوت رعد في السماء بعد أن طار العفريت من جسم الفتاة، لتعود الأميرة إلى رشدها وسط فرحة أبيها الذي أوفى بوعده للراعي الشاب! 

وبعد أشهر قليلة مات "ملك براغ"، وأصبح صاحبنا ملكا على البلاد. إلا أن العفريت أصيب بداء "حب الأميرات"! بعد أن دخل إلى جسم أميرة المملكة المجاورة. وبدأت الرسائل تصل من ملك ووالد الأميرة المسحورة، إلى الملك الراعي، تناشده بعلاج ابنته. ولما كان صاحبنا يعلم أن العفريت لن يساعده مرتين، فقد قرر الاعتذار. عندها بدأت الجيوش تحاصر براغ. وقرر "الملك الراعي" الذهاب لمعالجة الأميرة المريضة مهما كانت النتائج. 

وجاء صاحبنا إلى قصر الأميرة المسحورة، وهمس في أذنها:-

  • اسمع أيها العفريت! لقد علمت أن الساحرة لم تغرق في النهر، وهي تبحث عنك الآن، و...(وعلى الفور، سُمِعَ صوت رعد في السماء، وطار العفريت من جسد الأميرة، وعم السلام بين المملكتين الجارتين).

  • ترى، ما هي الجملة التي يجب أن نهمس بها في أذن "ترامب" قبل أن يخرج من جسم الرئاسة والسياسة؟ أم أن الهمس لن يجدينا نفعا بعد أن ركب "عفريت أوسلو" فوق أكتافنا، وأمسك برقابنا، وما زال يراقصنا منذ عشرات السنين "رقصة السلام"؟