الأربعاء  21 تشرين الأول 2020
LOGO

"اتفاق إبراهيم".. ما هي أهداف الإمارات وترامب وإسرائيل؟

2020-10-02 01:22:52 PM
توقيع اتفاق التطبيع بيتن إسرائيل والامارات والبحرين

 

ترجمة الحدث - محمد بدر

أجرى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في تل أبيب مناقشة في اليوم التالي لتوقيع اتفاق السلام بين إسرائيل والإمارات، وتركز النقاش حول الجوانب المتعددة للاتفاق وتأثيراته. وشارك في النقاش أودي ديكل، مدير معهد دراسات الأمن القومي، والجنرال (احتياط) بنينا شارفيت باروخ، الذي ناقش الجوانب القانونية للاتفاق وهيكله مقارنة بالاتفاقيات السابقة بين إسرائيل ودول أخرى في المنطقة. وحول أهداف إدارة ترامب تحدث الدكتور موران زاغا، وعن تأثير الاتفاق على الأردن تحدث السفير عوديد عيران، وسارة فوير حول إمكانية انضمام دول أخرى إلى تيار التطبيع مع إسرائيل، وأخيرا، كوبي مايكل عن انعكاسات الاتفاق على الساحة الفلسطينية.

وكان النقاش على النحو التالي:

يشير عنوان الاتفاق بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة - معاهدة السلام وإقامة العلاقات الدبلوماسية والتطبيع الكامل - إلى تطلع الأطراف المشاركة فيها إلى اعتبارها خطوة تاريخية، تتجاوز السياق الحالي. تم تقديم الاتفاق على أنه اتفاق سلام، رغم أنه لم تكن هناك حروب أو دماء بين إسرائيل والإمارات والبحرين. رسالة الاتفاق ورؤيته هي التطبيع الكامل للعلاقات، على عكس العلاقات بين إسرائيل ورواد اتفاقيات السلام في المنطقة، الأردن ومصر.

في الواقع، يتضمن الاتفاق فقرات تتعلق بالتعاون في المجالات المدنية المتنوعة، بما في ذلك الصحة والزراعة والسياحة والطاقة والبيئة والتكنولوجيا. تهدف هذه المجموعة من المجالات إلى إقامة علاقات من شأنها تمكين العلاقات الحميمة بين الشعوب، وفي الوقت نفسه التغلب على الأزمات السياسية التي قد تنشأ، خاصة فيما يتعلق بإدارة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

لم يتضمن الاتفاق القضايا الخلافية، والتي تتمثل في: حل الدولتين كأساس لحل القضية الفلسطينية، وتعليق تطبيق الضم في الضفة الغربية (حسب التسريبات، التعليق فقط لمدة أربع سنوات)، والاتفاقات المبرمة بين الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة لتزويد الأخيرة بأسلحة هجومية.

يمكن معالجة هذه القضايا في رسائل جانبية سرية، كما هو معتاد في الاتفاقات السياسية، من أجل الالتفاف على الحساسيات السياسية. إضافة إلى ذلك، فإن الاتفاق لا يتناول تحديداً التحدي الذي تشكله إيران في المنطقة، على الرغم من مصلحة الطرفين المشتركة في وقف تحركاتها لتوسيع نفوذها الإقليمي ومنعها من السعي لامتلاك قنبلة نووية.

لكن هذه المسألة بالتحديد هي التي تناولها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أهم رجل في الاتفاق، ووعد بأنه سيجري أيضًا "صفقة" جيدة مع إيران بشأن القضية النووية إذا تم انتخابه لفترة أخرى في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في نوفمبر القادم. يمكن الافتراض أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يشك في القدرة على التوصل إلى اتفاقات مع إيران تحد من قدراتها وتطلعاتها.

ما هي أهداف إدارة ترامب؟

إدارة ترامب، بالإضافة إلى اهتمامها بإنجاز سياسي ملحوظ قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، لديها مصلحة في تنفيذ تصور استراتيجي لإعادة تنظيم ميزان القوى في الشرق الأوسط، وتسعى إلى إقامة تحالف إقليمي من الدول العربية السنية البراغماتية، القريبة من الولايات المتحدة، بهدف كبح جماح طموحات إيران، وكذلك لتقوية نفوذها في مقابل الصين وروسيا. كما وتهدف إلى تقديم مخطط جديد لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني مع تحرير الدول العربية من الالتزامات التقليدية للقضية الفلسطينية، والتي ثبت حتى الآن أنها غير مجدية، وحرمان الفلسطينيين من حق النقض لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية.

في حفل التوقيع، وعد الرئيس ترامب بأن خمس دول أخرى قريبة جدًا من إقامة علاقات مع إسرائيل. يمكن لذلك أن يتحقق في حال كان لهذه الدول مصالح مشتركة مع إسرائيل، خاصة في ما يتعلق بكبح المحور الإيراني، وأن تضمن الاتفاقيات التقدم في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وإن لم يكن أولوية إقليمية؛ وأن تحقق مكاسب اقتصادية وعسكرية من الاتفاق مع إسرائيل، وأن لا تكون هذه الدول لديها التزامات قيادية ودينية.

في ظل هذه الظروف، من الصعب الإشارة إلى التالي في خط التطبيع. عمان بالفعل على علاقة وثيقة، مع إسرائيل، وإن كانت غير رسمية، ويبدو أنها تفضل في هذه المرحلة تأجيل القرار والحفاظ على مكانتها كوسيط بين الولايات المتحدة ودول الخليج وإيران. ومن المنتظر أيضا أن يؤجل المغرب قراره حتى لا ينال من موقعه كرئيس للجنة القدس التابعة لمنظمة الدول الإسلامية.

سيؤثر نجاح الاتفاقيات على قرار الدول الأخرى الانضمام إلى دائرة التطبيع، وسوف تدرس الميزات التي ستحصل عليها الإمارات والبحرين من الولايات المتحدة. ومع ذلك، هناك احتمال كبير بأن يتخذوا إجراءات تطبيعية حتى بدون إقامة علاقة رسمية، مثل فتح المجال الجوي السعودي أمام الرحلات الجوية الإسرائيلية إلى الإمارات العربية المتحدة.

لا يعتقد جو بايدن، المرشح الديمقراطي للرئاسة ومنافس ترامب، أن خطة ترامب ستعمل على تعزيز حل الدولتين على الساحة الإسرائيلية الفلسطينية، لكنه سيستخدم على الأرجح اتفاقيات التطبيع لكبح خطوات إسرائيل في الساحة الفلسطينية من خلال الضغط العربي المباشر، ولكن يجب على الفلسطينيين تخفيف شروطهم للعودة إلى المفاوضات، إلى جانب ضغوط موازية من الإدارة الأمريكية على إسرائيل.

لماذا وقعت دولة الإمارات العربية المتحدة الاتفاق الآن؟

بالنظر إلى اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية، قد يكون لكل من الإمارات والبحرين مصلحة في تحقيق إنجازات استراتيجية مع إدارة ترامب، لا سيما عقود توريد الأسلحة المتقدمة والاتفاقيات الاقتصادية، والتي لن تكون قابلة للتحقيق بالضرورة إذا كانت الإدارة المقبلة في الولايات المتحدة ديمقراطية.

من الناحية الاستراتيجية، تنزعج الدولتان الخليجيتان بشدة من زيادة قوة محورين متنافسين في الشرق الأوسط: الأول، المحور الإيراني الشيعي، الذي لا يخشى التحديات الاقتصادية والأمنية في الخليج العربي، وهو تحدٍ متزايد بسبب حظر الأسلحة على إيران والتقارب الأخير بين إيران والصين. المحور الثاني، المحور التركي القطري، الذي يعمل على بسط نفوذه من الخليج العربي إلى شمال العراق، مروراً بشمال سوريا، والحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ​​إلى ليبيا (حيث القوات الإماراتية وتركيا على شفا مواجهة عسكرية). في مواجهة هذين المحورين الراديكاليين، وفي ظل الاتجاه نحو تقليص الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، تهدف الإمارات العربية المتحدة إلى إنشاء محور للدول السنية البراغماتية، التي تسعى جاهدة لتحقيق الاستقرار الإقليمي، بما يشمل إسرائيل أيضًا.

يعمل تعزيز العلاقات مع إسرائيل على توسيع نطاق الفرص والنفوذ لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي تعتقد قيادتها أنه يجب عليها ترسيخ مكانتها الإقليمية، بما في ذلك العمل العسكري بعيدًا عن الوطن والعمل كوسيط في النزاعات الإقليمية. إن إقامة العلاقات مع إسرائيل يتيح لها موطئ قدم في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وفرصة لإبعاد قطر عن قطاع غزة، وكذلك تركيا من الحرم القدسي، مع تجاوز المملكة العربية السعودية، التي ضعفت مكانتها الإقليمية والدولية في العامين الماضيين.

لماذا يتردد الأردن في دعم الاتفاق؟

يطرح "اتفاق إبراهيم" معضلة للمملكة الهاشمية، فمن ناحية، يُفترض أن يدعم الأردن مسألة انضمام دول عربية أخرى إلى دائرة السلام مع إسرائيل، لأن الأردن اتخذ خيارا كهذا قبل 26 عامًا. من ناحية أخرى، كان هناك تخوف في الأردن من أن التطبيع بين إسرائيل ودولة عربية أخرى، دون وجود شرط بضرورة حل القضية الفلسطينية، سيعيق التقدم في تحقيق رؤية الدولتين ويعزز رؤية إسرائيل للأردن كدولة فلسطينية مفترضة. علاوة على ذلك، يخشى النظام الملكي الهاشمي تفشي انتشار المرض بين المواطنين الفلسطينيين في الأردن، الذين يشكلون أغلبية في المملكة، مما يقوض استقرارها الداخلي.

كما يخشى الأردن من امتداد عدم الاستقرار الأمني ​​في الضفة الغربية إلى أراضيه. تاريخيًا، يعتبر الأردن نفسه وسيطًا رائدًا بين إسرائيل والفلسطينيين، لكنه تم تهميشه عندما مُنحت الإمارات والبحرين الفضل في رفض نية الضم، فيما اختفت مبادئ المبادرة العربية - الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود 1967 - من الاتفاقات الجديدة.

بالإضافة إلى ذلك ، شدد الرئيس ترامب على أن التطبيع بين إسرائيل ودول الخليج يفتح الباب للصلاة على المؤمنين من جميع أنحاء العالم الإسلامي في المسجد الأقصى، مما يضر ظاهريًا بمكانة الأردن كوصي على الأماكن المقدسة في القدس. ومع ذلك، يعتمد الأردن على مساعدات دول الخليج، وبالتالي فهو ممنوع من التعبير عن معارضته الشديدة للاتفاق.

لماذا بقي الفلسطينيون على الهامش؟

الجانب الفلسطيني هو الأكثر تضررا من التطبيع بين إسرائيل ودول الخليج. فشلت قيادتهم في توجيه رسالة إدانة لـ "اتفاق إبراهيم" في الجامعة العربية، ولم يستنفر الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ضد الاتفاقيات ولم يحتج شعبيا. يسلط التطور الإيجابي بين إسرائيل ودول الخليج الضوء على الأزمة الاستراتيجية التي تجد السلطة الفلسطينية نفسها فيها ضعيفة، ويمكن تفسيرها أيضًا كدليل على فشل المسار السياسي للسلطة.

 تدرك حماس أن هذه الأحداث فرصة لتعزيز موقعها السياسي والاندماج في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، مؤكدة على أهمية سياستها، حيث إن المقاومة العنيفة وسيلة لتعزيز التطلعات الوطنية الفلسطينية. الكثير من الهتافات في المخيمات، التي تعتبر معقلا لحركة فتح، تشكل تحديا لسيطرة فتح على منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية.

علاوة على ذلك، وعلى خلفية قرب المفصول من حركة فتح محمد دحلان من حكام دولة الإمارات العربية المتحدة، هناك أزمة ثقة حادة بين الإمارات العربية المتحدة وقيادة السلطة الفلسطينية. حاولت الإمارات تخفيف معارضة السلطة الفلسطينية لاتفاق التطبيع مع إسرائيل من خلال الوعود بتقديم مساعدات اقتصادية، لكن الرئيس عباس رفض قبولها. لذلك، من المتوقع أن تخاطب الإمارات الجمهور الفلسطيني مباشرة، متجاوزة السلطة، على سبيل المثال من خلال تقديم وظائف للأكاديميين والمهندسين الفلسطينيين الشباب.

في ضوء الضعف الفلسطيني الحالي، على إسرائيل من جهتها أن تحذر من الفرح. وذلك لأن الأزمة الفلسطينية والضعف قد يدفعان إلى توحيد الخطوط بين السلطة الفلسطينية وحماس، وعدم الاستقرار في ساحة الصراع، وتصعيد المقاومة المسلحة.

"اتفاق إبراهيم" هو بمثابة اختراق لحاجز العلاقات الرسمية بين إسرائيل والدول العربية البراغماتية وإنجاز سياسي مهم لإسرائيل. يجب على إسرائيل أن تأخذ بعين الاعتبار أن الإشارات من العالم العربي حول إلغاء التزامها بإيجاد حل للمشكلة الفلسطينية، وربما أيضًا تقديم المساعدة للسلطة الفلسطينية، تعني أن المشكلة الفلسطينية ستبقى على كاهل إسرائيل وحدها، للأفضل أو للأسوأ. على الرغم من تراجع قيمة القضية الفلسطينية على الساحة الإقليمية، يجب على إسرائيل الامتناع عن إضعاف السلطة الفلسطينية أكثر وإبراز فشلها، وستعمل إسرائيل بشكل أفضل إذا شجعت السلطة للانضمام إلى الاتفاقيات من خلال الترويج للمزايا الاقتصادية الناتجة عنه.

من المفترض أن يكون الاتفاق مصدر إلهام لاتفاقيات السلام والتطبيع بين إسرائيل والدول العربية الأخرى، فضلاً عن كونها منصة لإنشاء تحالف إقليمي متعدد الأطراف. تتداخل المصالح المشتركة لإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين في مجالات الأمن والاقتصاد والصحة والزراعة والسياحة والنقل وغير ذلك مع مصالح الدول الأخرى في المنطقة. في إطار إقليمي واسع، يقوم على الاحترام المتبادل بين الشعوب والقيادات، ستكون الدول الأعضاء قادرة على الاستفادة من إجمالي منافعها. سيساهم التعاون الإقليمي في الازدهار الاقتصادي ويعزز الأمن والاستقرار ويحد من التأثير السلبي لإيران وتركيا في المنطقة.

إسرائيل مطالبة أيضًا بفحص العواقب التي قد تنشأ بعد الاتفاق. هل ستتقلص مساحة عملها في الساحة الفلسطينية؟ هل سيؤدي الشروع بعملية عسكرية واسعة في قطاع غزة إلى تجميد التطبيع مع الدول العربية؟ وما هي مسارات العمل التي ستتخذها إسرائيل رداً على قرار إيراني بمهاجمة الدول الموقعة على اتفاقيات سلام معها عسكرياً، أو استخدام صواريخ، مما يلحق الضرر أيضاً بإسرائيل؟