الأحد  04 كانون الأول 2022
LOGO

الكثافة السكانية الفلسطينية في البلدة القديمة الدرع الواقي ضد مخططات الأسرلة

2021-07-01 11:50:13 AM
الكثافة السكانية الفلسطينية في البلدة القديمة الدرع الواقي ضد مخططات الأسرلة
أرشيفية

الحدث - سوار عبد ربه

في الرابع من نيسان لهذا العام، كشف النقاب عن خطة للشركة الاستيطانية (عطيرت كوهانيم) لتطوير وترميم "الحي اليهودي" في البلدة القديمة لبناء فندق وموقف للسيارات ومصعد يربط حائط البراق "والحي اليهودي".

وحول هذا نشرت صحيفة "معاريف الإسرائيلية" أن الشركة ستعمل على تطوير الحي سياحيا، نتيجة نقص في مواقف السيارات والغرف الفندقية. ولقيت هذه الخطة تأييدا من وزير الإسكان الإسرائيلي، يعقوب جلانت، ووزير القدس زئيب اليكين، اللذان أبديا استعدادهما لرصد الميزانيات المطلوبة لتنفيذها.

وبدوره بيّن الأمين العام للهيئة المسيحية الإسلامية لنصرة القدس والمقدسات حنا عيسى، أن هذا المخطط يهدف إلى تسويق الرواية الصهيونية، وتكريس البعد اليهودي التلمودي، وترويج الحق المزعوم في المسجد الأقصى وباحاته، وطمس العمق التاريخي للحضارة العربية.

وفي هذا الجانب قال الباحث في جمعية الدراسات العربية مازن الجعبري لصحيفة الحدث: "إن الإسرائيليين في القدس، يعملون على تهويدها كي تكون عاصمتهم، فهم يريدونها مدينة توراتية حسب التوراة، ومن أجل ذلك يسعون  للسيطرة على المسجد الأقصى لاعتبارهم أنه مكان الهيكل".

وأضاف الجعبري أن سيطرتهم على المسجد الأقصى ستسهل عليهم السيطرة على بقية الأحياء في البلدة القديمة، لا سيما وأنهم يعتبرون المسجد الأقصى وحارة اليهود وحائط البراق، امتدادا إلى سلوان التي يسمونها مدينة داوود، مرورا بوادي الجوز والشيخ جراح، منطقة الحوض المقدس بالنسبة لهم.

وتتخذ "إسرائيل" منذ عام 1967 من الاستيطان في البلدة القديمة الركيزة الأساسية للتضييق على المقدسيين، حيث بدأت مصادرة الأراضي والممتلكات وإقامة البؤر الاستيطانية منذ قدومها.

ومنذ عام 1948 تعرض سكان البلدة القديمة لأشكال مختلفة من الضغط ومحاولات التهجير، لا سيما وأنهم ممنوعون من البناء.

ويفرض الاحتلال على السكان الفلسطينيين في البلدة القديمة ضرائب باهظة ويمنعهم من البناء، كما تعاني البلدة من الركود التجاري وارتفاع البطالة والازدحام في السكن.

وغير الاحتلال كثيرا من معالم البلدة القديمة بما في ذلك أسماء شوارعها، وشمل التغيير بنيتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بالتوازي مع الحفريات وشبكات الأنفاق أسفلها.

هذا ما أكده الجعبري في لقائه مع صحيفة الحدث، حيث قال إن الإسرائيليين يحاولون فرض سيادتهم على كل المكان من خلال أسرلته، وعمل مؤسسات إسرائيلية، وتغيير المنهاج الفلسطيني إلى منهاج إسرائيلي، وربط شقي القدس ببعضهما، وتغيير الشوراع وعمل الأنفاق وبناء أكبر عدد من البؤر الاستيطانية في الأحياء الفلسطينية.

لكن العائق الأبرز بالنسبة لحكم السيطرة الإسرائيلية على البلدة القديمة يتمثل في عدد السكان، فكي يتمكن الاحتلال من ذلك يجب أن يكون تعدادهم من الناحية الديموغرافية أكثر؛ ولأجل هذا يصادرون ويبنون مستوطنات، لكنهم لم يصلوا إلى هذه النتيجة، بحسب الجعبري.

ويشكل عدد المستوطنين في البلدة القديمة حوالي 5000 آلاف مستوطن، 4000 منهم يسكنون في "الحي اليهودي"، والأعداد المتبقية موزعة على بؤر استيطانية أخرى، مقابل 32 ألف فلسطيني متواجدون داخل البلدة القديمة.

ويرى الجعبري أن الصراع في القدس على الهوية السياسية والثقافية والتاريخية للمدينة، فهم يريدونها مدينة ذات أغلبية يهودية وأقلية عربية.

ووفقا للجعبري، لم يتمكن الإسرائيليون من التقدم في إجراء هذا الطابع، ببسب الغالبية الفلسطينية الموجودة في البلدة القديمة، لكنهم يسعون لطرد السكان الفلسطينيين تدريجيا منها، مشيرا إلى أن هذا الإجراء يتطلب وقتا طويلا، من خلال منعهم من السكن، وإجبار بعض السكان على الخروج من السور لمنطقة شمال القدس نتيجة تضييقات الاحتلال عليهم.

في المقابل يوضح الجعبري أنه بسبب قوانين الاحتلال القاضية بخسارة المقدسيين لإقامتهم، يضطر أهالي البلدة القديمة للعيش في ظروف صعبة وفي مساحات ضيقة، ومبان قديمة، بالإضافة إلى الاكتظاظ السكاني الهائل وتكاليف البناء الباهظة نتيجة غياب المخططات العمرانية، التي تعتبر العامل الأبرز في المشاكل التي يواجهها سكان البلدة.

في السياق ذاته، أوضح خبير الأراضي والاستيطان خليل التفكجي ومدير دائرة الخرائط في جمعية الدراسات العربية لصحيفة الحدث، أن الضغط على الوحدات السكنية داخل البلدة القديمة زاد بشكل كبير بعد إقامة الجدار العازل.

وأضاف تفكجي أن الفلسطينيين يعانون من اكتظاظ سكاني كبير جدا في المتر المربع الواحد، مما أدى إلى إحداث مشكلات اجتماعية داخل البلدة القديمة.

لكن مازن الجعبري يرى أن الكثافة السكانية الفلسطينية في البلدة القديمة، أدت إلى نتائج معاكسة لمخططات الاحتلال، بسبب الزيادة في أعداد المقدسيين، مشيرا إلى أنه في السنوات القادمة من الصعب أن نشهد زيادة في أعداد الفلسطينيين بسبب الكثافة العالية والمساحة الضيقة، كما أن عدد الوحدات السكنية ثابت ولا مجال لتوسعته، والعدد سيبقى ثابتا في هذه الحدود.

تاريخ الوجود اليهودي في البلدة القديمة

يرجع تاريخ الوجود اليهودي في البلدة القديمة إلى ما قبل عام 1948، وفي هذا الجانب يقول التفكجي لصحيفة الحدث إنه كان يوجد حي يهودي في البلدة القديمة حتى عام 1948، ضمن النسيج الاجتماعي الموجود داخل مدينة القدس، وفي تلك الفترة عاش اليهود في الحي اليهودي، وبعد نكبة عام 1948 هرب اليهود باتجاه غربي القدس وبقي الحي فارغا حتى عام 1967، ليهدم الحي بعدها ويقام حي يهودي جديد.

وكان الحي اليهودي القديم يقع بالقرب من حارة المغاربة التي كانت تملكها عائلة عربية تدعى "شرف"، وفي فترة الانتداب البريطاني استأجر اليهود مساحات واسعة من الحارة وتملكوا نحو 4% منها، ولسوء الحظ هدمت هذه الحارة خلال النكبة وأخرج أهلها منها.

أما الحي المستحدث فيوضح التفكجي أنه جاء ضمن نظام معماري مختلف عما كان عليه في السابق، بالاضافة إلى ذلك بدأ الاحتلال الإسرائيلي بتوطين اليهود في هذه المنطقة، ساعيا بذلك إلى قلب الميزان الديموغرافي في البلدة القديمة.

وفي عام 1967 ادعت "إسرائيل" امتلاكها لهذه الحارة بعد أن طردت 3 آلاف من سكانها الفلسطينيين وحولوا اسمها إلى حارة اليهود وتوسعوا من الناحية الجنوبية على حساب حارتي الأرمن والنصارى.

وحتى عام 1980 بقيت 20 عائلة فلسطينية تعيش في هذا الحي، إلى جانب 70 محلا تجاريا لهم، حتى طردت العائلات، وتمكن الاحتلال من تشكيل بؤره الاستيطانية الأساسية داخل هذا الحي من خلال طرد سكانه الفلسطينيين الأصليين وسلب أراضيهم لدعم سيادته بشكل كامل.
وبدأت بلدية الاحتلال استبدال أسماء بعض الأزقة والطرقات في البلدة القديمة ووضع أسماء جديدة مكانها. وقسمتها إداريا إلى ثمانية أحياء رئيسية موزعة على 84 حيا فرعيا.

وتعد البلدة القديمة أحد الأحياء الرئيسية الثمانية، وتقسمها "إسرائيل" إلى أربعة أحياء بأسماء طائفية هي: الحي المسيحي، والحي الأرمني، والحي اليهودي، والحي الإسلامي.

ووفقا لأستاذ التاريخ والآثار نظمي الجعبة "في العصور الوسطى كانت تسمى الأحياء بناء على الحرف التي يمارسها سكان المناطق، إلى جانب التسمية الطبوغرافية، حسب موقعها في المدينة، بالإضافة إلى مسميات ذات أصول دينية وعرقية.

وأوضح الجعبة أن هذه التقسميات لم تكن موجودة على مر التاريخ، وهي دخيلة على ثقافة المجتمع، فالتقسيم الأوروبي في بداية القرن التاسع عشر، أخذ بعين الاعتبار المركز الديني لكل طائفة، وعلى أساسه تم تقسيم هذه الأحياء بهذا الشكل الموجود حاليا.

وأضاف الجعبة في لقاء صحفي أنه لم تكن هناك تقسيمات بين أهالي السكان، فلم تكن هناك أماكن محددة لليهود أو المسيحيين أو المسلمين، ومظاهر الاختلاط والتعايش بين الديانات المختلفة كانت تصل إلى داخل البيوت الفلسطينية.

مصادرة الأراضي والاستيلاء على ممتلكات أهالي المدينة القديمة

يقول نظمي الجعبة في دراسة بعنوان "تاريخ الاستيطان اليهودي في البلدة القديمة في القدس" إن الاحتلال الإسرائيلي للبلدة القديمة حدث على مراحل، ففي المرحلة الأولى يرى الجعبة أن التخطيط للسيطرة على البلدة القديمة، سبق احتلالها بفترة طويلة، وهذه السيطرة كانت على مراحل، ابتداء من حارة المغاربة التي احتلت بهدف توسيع الساحة المحاذية لحائط البراق، فكان احتلالها بعد ثلاثة أيام من سقوط القدس.

ويضيف الجعبة في دراسته: لعبت الحفريات الإسرائيلية وعلم الآثار دورا هاما في تشكيل أسطورة الوجود اليهودي، إلى جانب السيطرة على المدرسة التنكزية التي تعتبر من روائع المعمارية المملوكية في القدس، بالإضافة إلى السيطرة على مجموعة من المواقع في البلدة القديمة بحجة الدوافع الأمنية.

أما المرحلة الثانية من الاحتلال الإسرائيلي للبلدة القديمة فتتمثل في الفترة ما بعد عام 1977 بصعود الليكود إلى السلطة، وفقا للجعبة، وحينها بلغ عدد العقارات التي سيطر عليها المستوطنون خارج ما يسمى حارة اليهود 78 عقارا.

وبحسب الجعبة فإن المرحلة الثالثة ظهرت بعد أوسلو وهنا يوضح أن وتيرة الاستيطان نشطت في تلك الفترة، التي شهدت حملة مكثفة على المناطق المحيطة بأسوار القدس، كالشيخ جراح وسلوان.

أما عن الأساليب المتعددة التي اتبعها الاحتلال للسيطرة على العقارات فتمثل في: "ملكية اليهود، استعمال يهودي سابق، أملاك غائبين، أملاك عامة وحكومية، مواقع أثرية وتاريخية، بهدف المنفعة العامة، لأغراض أمن وسلامة الجماهير، التورط بقروض بنكية، التورط بالمخدرات ثم الاستفزاز، عدم وجود ورثة، الإغراءات المالية، وعبر السماسرة".  

عقارات مسربة وأخرى أخذت عنوة

في العام 2019 شهدت البلدة القديمة فصلا تاريخيا، فعقارات جديدة أصبحت في قبضة المستوطنين. وحينها تم تسريب حوالي 60% من عقار عائلة الحلبي في البلدة القديمة، للمستوطنين، فيما تمكنت العائلة من الحفاظ على 40% من حصتها فيه.

وتعود ملكية عقار عائلة الحلبي لعدة عائلات مقدسية، وآنذاك خرجت العائلة لدقائق قليلة، فاستغل المستوطنون ذلك واقتحموه وباشروا بتركيب الكاميرات، وسط حماية كاملة من الشرطة.

ووصل عدد العقارات التي سيطر عليها الاحتلال في البلدة القديمة في ال 5 سنوات الأخيرة إلى 5.

وفي عام 2017 استولوا على مخزن يعود لعائلة صب لبن، ومحل يعود لعائلة أبو ميالة.

والعام الذي سبقه، سيطر المستوطنون على بناية مؤلفة من ثلاثة طوابق في عقبة درويش.

وحول هذا يقول خبير الأراضي والاستيطان خليل التفكجي إن العقارات لا يتم بيعها بشكل مباشر لشركات استيطانية، فدائما هناك محاولات من خلال سماسرة يحاولون إقناع أصحاب العقار بالتنازل عن ممتلكاتهم، أو أن يقوم سماسرة بشراء العقار بدعوى أنه لهم، ولكنهم يشترونه لصالح الشركات الاستيطانية، موضحا أن شركات بأسماء عربية تفتح شراء عقارات من خلالها.

وتعمل الشركات الإسرائيلية على إخفاء قسم من العقارات المهربة، ولكشف عنها بشكل تدريجي، بحسب تفكجي الذي أشار إلى أن حجم الظاهرة أكبر مما نتوقع.

ومن الجدير ذكره أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) أدرجت مدينة القدس العتيقة وأسوارها على قائمة التراث العالمي، بطلب من الأردن.

وعام 1982 أدرجت على قائمة التراث المهدد، وبهذا الصدد نددت المنظمة بمحاولات التهويد وطالبت "إسرائيل" بعدم المساس بمعالم هذه البلدة.