السبت  23 تشرين الأول 2021
LOGO

عندما يُعتقل الشعراء

2021-08-23 09:39:50 AM
عندما يُعتقل الشعراء
رولا سرحان

 

عندما يبدأ أي نظام في اجترار أساليب قمعٍ تقليدية، فأعلم أن هذا النظام قد فقد قدرته على الدهشةِ والإدهاش، لأنه يكون قد فقد كل الحواس، ولأنه بالأساس لا يمتلك حاسة أولى تتفرع منها كل الحواس الأخرى: الخيال والمقدرة على التخيل، يفتقرُ إلى أبسط ما يمتلكه الشعراء من بديهيات أمرهم، خيالهم الذي يسبحون فيه خارج عالم التقليد، والسكونِ، والثبات، وخارجَ عالم القمع الجامد الذي لا يُنتجُ شيئاً ولا يغيرُ شيئا، بل يُثبِّتُ الشاعر في حيزه التخيلي، حيث بمقدوره أن يفر من الزنزانة على بساط القصيدة، وأن يقول رأيه عبر سؤالٍ مجازي، وأن  يثور فوق القمر وهو يحرك الأرض بقدميه.

وبينما يُضيِّقُ صاحبُ العصا المكان، يفتح الشاعرُ لنا الشارع داخل المقهى أو فوق الطاولة، ويمنحنا معرفةً متعددة المعاني والمشاهد عن صاحبِ العصا، دون أن يُشيرَ له، أو يسبَّه، لأن الشاعر لا يصرح بل يُحفَّزُ المعاني ويهندسُ لها أبعاداً، ويفتحُ بواباتٍ كالأعين ترى من خلالها صاحب العصا، لربما كتنين يلفثُ لهباً، ولربما كأحد جبابرة الأساطير في عراك مع بشري قوته كلمته، أو تراهُ حَملاً وهو حِملٌ على ظهرك الذي يظلُّ فوقه حتى يكسره، فتصلُ إلى نتيجةٍ أنك يجب أن ترميه عنه.

الشاعرُ ساحرٌ بشري، يموتُ ويظلُّ حيا، يُسجنُ ويظلُّ حرا، يعيشُ على نصلِ التناقضات حياته الطبيعية التي لا يملك صاحب العصا أن ينازعه ملكيتها، لأنه (صاحب العصا) لا يعرفُ معنى أن يتحرّك، فهو ممتلئ بالحديد الصَّدئ الذي يُبقيه قابضاً- لأنه يُريد أن يظل قابضا- على الحياة الراكدة فيخنقُ اللغة، والمؤسسة، والشهيد، والشعر، والثورة، والحجر، والذاكرة، حتى تسود حالة من اليباس، فلا ينجو منها أحدٌ إلا الشعراء. هم وحدهم القادرون على النجاة من حالةِ اليباب واليباس، لأنه من داخل تفاصيل الاختناق يتخلق الشاعرُ بأوجه إنسانية، فيكونُ الفران، وبائع القهوة، أو مهندساً، أو نادلاً، أو حلاقاً، أو لاعب كرة قدم، أو طفلا، أو معلما، أو متسولاً، أو سائقا، أو متفرجا، لكنه لا يمكن أن يكون شرطياً أبدا، لأنه سيكون صاحب عصا. والعصا التي يحملها تضربُ المكان، وتهينه، وتستقوي على جِلد الإنسان بميزتها التنافسية أنها ميتة والأول حي.

وكل حي شاعرٌ، وكل ميتٍ صاحبُ عصا.