الخميس  07 تموز 2022
LOGO

روسيا ما قبل بوتين (12)| بقلم: د. سامر العاصي

نهاية عصر الذل والهوان

2022-05-18 08:49:39 AM
روسيا ما قبل بوتين (12)| بقلم: د. سامر العاصي
د. سامر العاصي

 

ظلت أصداء هزيمة الجيش الروسي، وشبه الاستقلال العملي لجمهورية الشيشان، منذ العام 1996، تلقي بظلالها على وحدة الأقاليم الروسية البالغة 85 إقليما، إضافة إلى 22 جمهورية فيدرالية، و 5 أقاليم ذات حكم ذاتي. حتى أن حكام الأقاليم رفضوا إرسال الضرائب إلى موسكو! كما رفض الآخرون إرسال أبنائهم إلى الخدمة العسكرية! وصار البعض يفرض الجمارك على حدود إقليمه، كما أن حكومة إقليم "كميروف" قررت، أن الذهب الموجود في خزائنها، لن يتم تسليمه إلى "موسكو"!. حتى أن الأمر وصل بأحد حكام الأقاليم في الشرق السيبيري بأن يقول، "بأنه من الأفضل اقتصاديا، أن يتم تأجير الأقليم كله لليابان! 

وهكذا، أصبح 40% من السكان في روسيا، يعيشون تحت خط الفقر، أي ما يقارب من 70 مليون إنسان!. وحل الدمار في الزراعة، والصناعة، والتجارة، وتكبدت الدولة الديون الهائلة بعد إفلاس عشرات البنوك وآلاف المؤسسات.

وبدأت الصيحات تنتشر كالوباء في البلاد، تطالب باستقلال الجمهوريات والأقاليم وانسلاخها عن روسيا "الأم".

وفي آب 1991، غزت جمهورية الشيشان الروسية الاتحادية، أراضي جارتها، جمهورية داغستان الروسية "الاتحادية أيضا"! وسط غضب الشعب الروسي، وقيادة جيشه الذي لم يعد بمقدوره احتمال الإهانة مرة أخرى! وبدا أن روسيا ستتمزق إلى دويلات، كما تمزق قبلها الاتحاد السوفيتي، ويوغوسلافيا، وتشيكوسلوفاكيا والدولة العثمانية قبلهم.

وأصبحت معركة "استقلال الشيشان" هي المحك الحقيقي لاستمرار روسيا الموحدة.

وهكذا، صارت روسيا، عند نهاية حكم "يلتسين"، على شفا حرب أهلية، وسقوط نحو الهاوية، وصار الموسكوفيون يستيقظون على أصوات الانفجارات، ونسف العمارات السكنية، بمن فيها من السكان، إضافة إلى تفجيرات المترو، وفلتان أمني لم تشهده شيكاغو الأميركية في العشرينيات، أو بوغوتا الكولومبية في السبعينيات. 

وأصبح الشعب الروسي تائها بين الواقع والخيال. وأمست موسكو جحيما في الليل والنهار، بعد أن كانت واحة من الأمن والأمان.

وبدا أن روسيا بدأت تضيع ... وتتمزق! لا بل وتحترق!

وبدا وكأن روسيا لم تعد دولة بمعنى الكلمة! بل كانت دولة بالاسم فقط.! 

وتأكد للكثيرين من الوطنيين الروس، أن تفتيت الاتحاد السوفيتي كان المرحلة الأولى من خطة تفتيت روسيا، وتدمير قوتها العسكرية، كي يظل العالم ذا قطب "واحد" لا غير.

ومن الجدير ذكره، أنه، وفي العام 2011، صرح "زبيجنف بريجينسكي"  المستشار السابق لمجلس الأمن القومي الأميركي، بأن الخطة الأميركية كانت تقضي بظهور 10 دول مستقلة مع بداية القرن الحادي والعشرين، بدلا من روسيا واحدة.

ومع الدقائق الخمس الأخيرة من مساء يوم 31/12/1999، وفي غمرة من الأحداث المتسارعة، أطلً الرئيس "بوريس يلتسين" من على شاشات التلفزيون لتهنئة مواطنيه بحلول العام الجديد. وظهر الرجل وهو يلهث بصعوبة ليهنئ شعبه، ولآخر مرة بالعام القادم، وبالألفية الجديدة، معلنا استقالته من جميع مناصبه، ونقل جميع الصلاحيات القانونية لرئيس وزرائه "فلاديمير بوتين"، طالبا من شعبه، بنبرة فيها الكثير من الحزن والصدق والرجاء، مسامحته عما اقترف من ذنوب، وأخطاء طيلة سنوات حكمه للبلاد! وخرجت النكتة في اليوم التالي تقول: إن "يلتسين"، وعندما استفاق من سكرته صباح اليوم التالي 1-1-2000، ضرب على جبينه وقال:

  • "يا إلهي! ماذا قلت ليلة البارحة؟.

وجاء تعيين "فلاديمير بوتين"، الشخصية غير المتوقعة!، لتشكل المفاجاْة الكبرى في موسكو، وفي جميع عواصم العالم!  ولتنهال بعدها مئات المكالمات، من كل صوب من أنحاء المعمورة، تسأل وتُسائل الكرملين، من هو هذا الرجل؟، وكيف وصل؟ ولحساب من يعمل؟ 

ولم تكن القوى السياسية والعسكرية، في الغرب، تراقب وحدها ما يحدث في روسيا، طيلة "العهد اليلتسيني"، بل كان هناك طرفان آخران يراقبان ويدرسان بعناية ودقة كل ما يحدث في روسيا لحظة بلحظة:

  • الطرف الأول كان في بكين الشيوعية، الذي كان زعيمها "دينج شياو بينج" يقوم بإصلاحاته وتحديث اقتصاد بلاده ونقله من الاشتراكية الماوية، إلى الخصخصة اللارأسمالية، دون إضعاف دور الحزب الشيوعي الصيني، مراقبا ودارسا من بعيد أخطاء التحولات السياسية والاقتصادية في روسيا من الاشتراكية إلى الرأسمالية.

  • أما الطرف الآخر، فكان في موسكو نفسها، بعيدا عن الكرملين بخطوات، حيث يقع مبنى المخابرات الروسية المؤلف من 6 أو 7 طوابق، والذي يُطلقُ الروس، عليه بدعابة، بأنه (أعلى مبنى في روسيا)! إذ أن من يجلس خلف أي مكتب في داخله، يستطيع أن يرى ويسمع، بدقة تامة، ماذا يفعل أي شخص في روسيا... وبالتفصيل!

ومن هناك، وعلى مدى سنوات طوال، رأى، وشاهد، وسمع رجل المخابرات السابق "فلاديمير بوتين"، ما عصف ويعصف  وسيعصف ببلاده بعد أن انهار الاتحاد السوفيتي مساء يوم 25 ديسمبر 1991.