الإثنين  08 آب 2022
LOGO

عبثية اللحظة.. بين التيه السياسي و فوضى السلاح| بقلم: جمال زقوت

2022-07-27 09:18:27 AM
عبثية اللحظة.. بين التيه السياسي و فوضى السلاح| بقلم: جمال زقوت
جمال زقوت

لا يكفي أن يكون موقفك واقعياً وعقلانياً حتى يكون قابلاً للحياة. ففشل التسوية التي استثمرت بها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية كل رصيد شعبنا لا يعني أنها لم تكن صوابية من حيث المبدأ، ولكن التفريط بعناصر القوة التي كانت بيدها في حينه، واللهاث خلف استجداء سراب تلك التسوية، بل والإصرار على المضي في مغامرة البحث عن "سلام مفقود"، لدرجة المغامرة في تفتيت وتبديد أي إمكانية لاستعادة بناء وتعزيز عناصر القوة الفلسطينية، هو التيه الذي يعصف ليس فقط برصيد الثورة وإنجازات شعبنا ويعرض تضحياته للتبديد، بل وربما يعرض القضية الوطنية ذاتها للخطر. فالسلام ليس مجرد "قيمة مثالية أخلاقية"، ومن لا يستطيع امتلاك القدرة على الصمود ومقاومة الضغوط والتقلبات لن يستطيع صنع وفرض السلام المتوازن والعادل والقابل للحياة.

مغادرة التيه السياسي.. حاجة وطنية

صحيح أن النظام السياسي في إسرائيل لم يكن جاهزاً يوماً للحد الأدنى من متطلبات هذا السلام، لأنه يدرك بطبيعته الهاربة من التاريخ، أن صنع السلام الذي يكرس الحقيقة الفلسطينية، قد يحمل بذور فناء الفكر الصهيوني الذي يحمل في ثناياه فكرة إفناء الشعب الأصلاني وتبديد وجوده، ولكن إسرائيل المتحوِّلة تحت ضغط المقاومة الواعية والانتفاضات المتصلة، كانت تدرك أن سؤالها الوجودي، يكمن في فكرة الاعتراف بحقيقة حاضر فلسطين، كي تضمن مستقبلها، وهذا بحد ذاته بداية الصهيونية المتحولة حد مقاربة هزيمة مشروعها التاريخي، الأمر الذي يمهد لحل يضمن في إطار توازن القوة بقوة الرواية وإرادة أصحابها. هكذا؛ وهكذا فقط قد يخرج يوماً من بين ظهرانيهم من يقول"هناك رواية أخرى لشعب لم ولن نستطيع طمس وجوده ولا مصادرة روايته". حينها وفي تلك اللحظة، سيُفتح الباب لتلك التسوية التاريخية في هذه البلاد سواء بدولتين متعايشتين على أساس مصالح الجغرافيا، أو في إطار دولة واحدة خالية ونقية من أيديولوجيا الفكر العنصري الذي ينفي الآخر. ومهمتنا التاريخية حتى ولوج تلك اللحظة هي بناء مجتمعنا ومؤسساتنا القوية والقادرة على بناء و تعزيز مكانة الفلسطيني المنافس والمستعد لكلا الخيارين، وما بينهما من متطلبات القدرة على الصمود والمقاومة، مهما كانت أثمانها، لمخططات الطمس والتهجير، ولعل ذلك هو جوهر رؤية رئيس الوزراء الأسبق سلام فياض، والتي عُرفت "بخطة العامين لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة"، فبناء المؤسسات لم يكن وهماً، كما أطلق عليها بعض قصيري النظر، بل هو جوهر ومضمون متطلبات عملية الصمود الذي يطلقه الجميع كشعار دون مضمون عملي وملموس، بينما يرتبكون عندما يُسلح بآليات عملية جوهرها تعزيز ثقة الناس بأنفسها وبمستقبلها وبالقدرة على إنجازها، ولعل هذه هي الوظيفة الجوهرية للقيادة، أية قيادة، وفي أي مرحلة، سواء كانت لإنجاز التحرر الوطني أو البناء الديمقراطي للمؤسسات الجامعة، أو كليهما معاً، كما هو حالنا الفلسطيني. وهنا فإنني أدعو من لم تسعفهم القدرة أو المعرفة على فهم مضمون تلك الخطة لإعادة التمعن بها. فهي في الواقع محاولة استكمال لمرحلة الانتفاضة الكبرى، والرد على لحظة التيه التي يُمكن لها أن تعيد توحيد البلاد تحت خيمة جامعة في إطار منظمة التحرير، وإعادة تعريف مشروعها السياسي للتحرر الوطني والبناء الديمقراطي، ومن لديه غير هذا الجواب فليقدمه لحوار منطقي وجاد.

أزمة إسرائيل وفخ الانقسام

إسرائيل التي تعيش أزمتها التاريخية، إزاء هويتها ومستقبل الفلسطيني، حد حافة الاعتراف به بفعل عناده المتشبث بأرض وطنه، تمتلك من القوة العسكرية ورخاوة الواقع العربي اللتين يحفزانها على رفض التسليم الكامل بحقيقة هذا الفلسطيني، ولكن وفي نفس الوقت، فإن وقوع الأطراف المهيمنة على المشهد الفلسطيني في الفخ الإسرائيلي لدرجة المغامرة بتبديد عناصر القوة الفلسطينية في الصراع البيني في ظل وهم محاولة نفي كل منهما للآخر، هو الذي يساعد على استمرار تمترس إسرائيل واندفاعها نحو المزيد من التمسك بطابعها اليميني الصهيوني العنصري، ورفضها فكرة التحوُّل الذي ولَّده صمود الفلسطيني وإرادة المقاومة لمشروعها التصفوِّي للتطهير العرقي.

هذه الاستطالة لوصف حال مركبات الصراع الداخلي في الحالة الفلسطينية، وزراعة الوهم سواء في استجداء إمكانية صنع السلام عبر استرضاء العدو، مجردين من عناصر القوة، وجوهرها وحدة الشعب وإرادته في البقاء، وما يتطلبه من توفير عناصر القدرة على الصمود، أو وهم ممكنات المقاومة "الصاروخية أو الاستشهادية" القادرة على إزالة إسرائيل من الوجود! فكلاهما يعيد اسرائيل ومجتمعها مرة أخرى فريسة لطابعها العنصري الصهيوني الأيديولوجي الذي لا يريد اطلاقاً رؤية الفلسطيني والاعتراف بحقيقته، أو التسليم بحقه في البقاء وتقرير المصير على أرض وطنه. وهذا هو جوهر استراتيجية عتاة الفكر الصهيوني، بأن على الفلسطيني أن يظل هزيلاً وضعيفاً، أو "متطرفاً ارهابياً" لا يستحق و/أو لا يمكن الحديث معه والاعتراف به وبحقه في تقرير مصيره.

هذا يوضح لنا بأن الخروج من حالة الانقسام والتيه هي ليس مجرد محصلة الجمع الميكانيكي بين قوتين وإعادة تفعيل مكامنها، بل إن العودة لمبدأ الوحدة في مواجهة الاحتلال تعيدنا إلى طريق الأمل ومراكمة القوة المتنامية لتعميق مأزق إسرائيل في سؤال مستقبل الفلسطيني غير القابل للتطويع، والرافض، بل والمقاوم بشراسة لوهم الاقصاء من معادلة الجغرافيا والإرث الانساني في هذه البلاد.

ويبدو أن إسرائيل الغارقة في "وهم انتصارها على الديمغرافيا" من خلال "نجاحها الاستراتيجي" بإخراج غزة عن الكيانية الواحدة نحو الانفصال المتنامي، واستثمار مآساة تهجير اللاجئين من لبنان وسوريا، لمنافي بعيدة، وجدت ما يغريها لتتمكن من حلقتها الجوهرية بتمزيق جغرافيا الضفة، ونقل الصراع إلى مراحل متقدمة نحو كانتونات "ضفاوية" بدأت باستراتيجية عزل وضم القدس لصالحها، وهى تراقب تحولات جنوب الضفة عن شمالها، في وقت تُحكم فيه أنياب استيطانها في أغوار الضفة وريفها.

فوضى السلاح واستهداف ناصر الشاعر

فالمأزق الوطني، وانجراف الصراع الداخلي إلى ما وصل إليه يشجع كل الأطراف المعادية و/أو الواهمة، وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي ، لإشعال نار الفتنة، وربما الانزلاق إلى تخوم حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس، سواء في الصراع الانقسامي المستمر لاسترضاء العدو، والحصول منه على جدارة وكالته الأمنية، أو حرب الصراع على "الخلافة"، وما تتطلبه من استحضار القبيلة في صراع القبيلتين المهيمنتين على المشهد. وما إطلاق النار على القيادي في حركة حماس ونائب رئيس الوزراء الأسبق ناصر الدين الشاعر، بغض النظر كانت محاولة لاغتياله، أم مجرد رسالة من الجهة التي تقف خلف هذه الجريمة، إلا دليلاً على هذه النوايا، والتي بالتأكيد لا تستبعد تورط إسرائيل صاحبة المصلحة العليا والأساسية في مزيد من التفتيت الذاتي وهذه المرة بصورة دموية. ولكن، وفي كل الأحوال، ستظل السلطة الفلسطينية بحكم مسؤوليتها السياسية والأمنية، وبغض النظرعن مدى تآكل هيبتها ومشروعيتها، مسؤولة عن ضرورة كشف منفذي هذه الجريمة الوطنية، ومن يقف وراءهم، وهي التي تتجاوز بخطرها مجرد إصابة أحد الرموز الوطنية المشهود لها بالحرص على استعادة الوحدة الوطنية، بل وتستهدف هذه الوحدة ذاتها في مقتل، وتُدخل الصراع الانقسامي لدائرته الجهنمية بهدف تصفية ما تبقى لشعبنا من أمل وقوة تُمكِّناه من الاستمرار في رفض المشروع العنصري التصفوي، والانصياع لمشروعها الانتقالي بالخضوع لمخططاتها في اختراع قيادة وفق القياسات والمعايير الاحتلالية، والتي تساعدها في مزيد من تفكيك الكيانية الوطنية وتعبيراتها السياسية لمجرد روابط مدن أو كانتونات، حتى يفعل اليأس فعله للتهجير الذاتي، سيما في ظل ما يتعمق ويتسع من أعراض فلتان يحاول هذه المرة الإطاحة بالتعددية الفكرية والتنوع الثقافي والديني، وتماسك النسيج الوطني الذي كان دوماً بمثابة ركيزة صلبة لعناصر قوة الفلسطيني في معركته الممتدة منذ نشأة الصهيونية على أرض فلسطين المغتصبة.

المعركة الراهنة، هي معركة هزيمة عبثية اللحظة، والخروج العاجل والآمن من حالة التيه السياسي وفوضى السلاح، واستعادة العدالة والشعور بالأمن، وليس من سبيل لذلك سوى التوقف عن هدر الزمن وعناصر القوة، والعودة للحظة الوعي التي يختزنها شعب الانتفاضات في بوصلة التاريخ، ومتطلبات وحدته ضد التناقض الجوهري والرئيسي مع الاحتلال. وفي هذا السياق أيضاً يمكن النظر لصرخة المحامين دفاعاً عن العدالة و كرامة الناس واسترداد استقلالية وهيبة القضاء . فمعركة استعادة الوعي ومغادرة لحظة التيه هي مفتاح الحرية والخلاص الأكيد من الاحتلال.