الأحد  17 تشرين الثاني 2019
LOGO

العدد 40 | السرطان نهاية حياة...أم بداية جديدة

الخلايا المتمردة محاولة يائسة للبقاء على قيد الحياة

2015-06-02 01:43:23 AM
العدد 40 | السرطان نهاية حياة...أم بداية جديدة
صورة ارشيفية
تقرير - آيه أبو عيسى
 
شبح العصر الذي أمسى حديث الناس في السنوات الأخيرة, بات يهدد حياة المئات من أفراد الشعب الفلسطيني, فهو وباء يمكن أن يصيب أي شخص دون النظر إلى عمره أو جنسه, ولا يستأذن بالدخول إلى جسم المصاب ليرسم لحياتة أياماً وساعات معدودة يمزق من خلالها ما تبقى له من صحة, بل وينهك جسده ويذبل أعضاءه ليعدو بعدها جسداً بلا روح.
إنهم مرضى السرطان الذين يحاصرهم المرض ويشاطرهم حصاراً على أعمارهم, فتطبق الدنيا على أنفسهم, ويستوقفهم انتظار طويل تقل ساعاته مع اقترابهم من مصيرهم المؤلم الذي يحفه الموت.
"ثقيله هي الساعات التي تمر على ترقب موعد الجرعة العلاجية" هذا هو حال محمد 44 عاماً حين يتحدث عن نفسة وعن مرضه الذي ظهر في حياته قبل أربع سنوات، فرغم الالم الذي يعاني منه، لم يستسلم للسرطان الذي أخضعه لأكثر من ست عمليات جراحية استأصلت خمسة أجزاء من جسمه، لكن لم تستاصل عزيمة الحياة لديه.
"الحياة حلوة ولازم نعيشها" كلمات تعبر عن الإصرار والصبر على الشدائد، باح بها محمد وتابع: "أعاني من سرطان في الكبد، فبعدما كنت أحلق بين البلاد أخاطب العالم بخمس لغات, غدون اليوم مقعداً على السرير لا أملك سوى كتاب الله عز وجل أقرأ به ما تيسر من آيات, ودفتر مذكراتي أدون به قصة كفاحي مع المرض".
وقال الدكتور رياض عامر رئيس قسم الأورام والدم في مستشفى جامعة النجاح الوطنية الجامعية: "يعتبر السرطان خلية متمردة تخفي تفاصيلها لدى جهاز المناعة الموجود في جسم الإنسان, بحيث تسمح لنفسها بالتكاثر دون السيطرة أو الرقابة من قبل باقي أعضاء وأجهزة الجسم, وينشأ السرطان من خلية واحدة ثم يتكاثر ليصل إلى مليون خلية شاذة, يمكنها النمو خارج حدودها المعروفة, واقتحام أجزاء الجسم المتلاصقة والتفشي في أعضاء وأجهزة أخرى, فهي خلايا لا تستجيب لأوامر جهاز المناعة بالتوقف مما يؤدي إلى نقص في الخلايا العادية وتكوين خلايا سرطانية".
وأضاف: "يتكون لدى الإنسان كل يوم خلايا سرطانية مرتين إلى ثلاثة, لكن جهاز المناعة يكشفها ويقضي عليها".
وأشار الدكتور عامر إلى أن أسباب مرض السرطان تختلف باختلاف نوع السرطان، فهناك عامل داخلي يحدث داخل جسم الإنسان وهو العامل الوراثي والبنيوي لدى الإنسان, والمقصود بهذا العامل وجود قابلية لدى الإنسان للإصابة بمرض السرطان مثل سرطان الثدي لدى المرأة, وفيما يتعلق بالعوامل الخارجية فأهمها التدخين، حيث يشكل 30% حالات وفيات و87% سرطان الرئة, إضافة إلى التعرض للإشعاعات وتناول بعض الأدوية (الكيماويات) وبعض الفيروسات كالإيدز، فهذا المرض يضعف جهاز المناعة لدى الجسم ويهيء للخلايا الشاذة الفرصة للتكاثر والانتشار السريع وتشكيل الخلايا السرطانية.
وبين أنه في السنوات الأخيره (2014-2015) وصل عدد المصابين إلى مستشفى جامعة النجاح الوطنية ما يقارب 350 حالة جديدة يعانون من أمراض سرطانية مختلفة، ويعد سرطان الغدد اللمفاوية الأكثر انتشاراً بين الحالات الجديدة من أمراض السرطان.
من المتوقع أن يزداد عدد الوفيات الناجمة عن مرض السرطان على الصعيد العالمي وان يناهز 13,1 مليون حالة وفاة في عام 2030
وأوضح أن هناك أنواعاً من السرطان تكون نسبة شفائها عالية جداً كاسرطان القولون والثدي والبنكرياس، أما سرطان الدم عند الأطفال تكون نسبة الشفاء منه عالية خاصة في عمر يتراوح بين 2-15 عام, وغالباً ما تكون نسبة الشفاء معدومة لدى الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنتين. في حين أن المصاب الذي يعاني من سرطان في الكبد أو الرئة أو المعدة تكون نسبة شفائها قليلة في حال عدم اكتشاف المرض في مراحله الأولى. وأضاف: "أن جنس المريض يعد من العوامل التي تسرع في القضاء على المرض وتجعل نسبة الاستجابة للعلاج عالية جداً, فنسبة شفاء الأنثى تكون أكبر من الرجل خاصة في حالة الإصابة بسرطان الغدد اللمفاوية".
وشدد الدكتور عامر على ضرورة إجراء الفحص المبكر, والذي بدوره يساعد في اكتشاف المرض, وإيجاد حلول سريعة لإيقاف انتشاره, قائلاً: "للأسف يأتي العديد من المرضى لدينا ويكون المرض متأصل ومتفرع بدرجة مرتفعة فيصعب علينا معالجته ونلجأ حينها إلى الجرعات الكيماوية او إجراء عملية جراحية لاستئصال الورم". وأكد أنه من الضروري على الرجال والنساء البالغة أعمارهم 45-60 عاماً إجراء فحوصات طبية كالفحص السريري وفحوصات الأشعة والصور الطبقية، إضافه إلى فحوصات الدم، وهذا ليس خطيراً بل يساعد في اكتشاف المرض وعلاجه بسرعة.
"بدايتي مع المرض كانت في منتصف العام الماضي, حيث كنت أعاني من ضعف في الدم ونزيف حاد في الرحم". من بشاعة المرض وقسوته بدأت منال محمد 35 عام حديثها عن مشوارها الطويل مع مرضها، فبعد اكتشافها بوجود ورم في الرحم بدأت رحلة الألم والمعاناة لديها, حيث خضعت لعملية استئصال للرحم بسبب وجود ورم سرطاني فيه.
وقالت: "لم يقتصر الأمر على ذلك وحسب, فبعد مرور شهر على إجرائي العملية, غدوت أشعر بألم وتعب أكثر مما كان في السابق, أجريت العديد من الفحوصات الطبية, وتبين خلالها أن الورم أبَى أن يتركني وشاني, ليكمل طريقة ويقضي على ما تبقى لي من أيام وساعات قليلة أقضيها مع أبنائي وزوجي, بل وجدته يصارع جسدي ويقتحم الكبد لينشر خلاياه الشاذة فيه".
وتؤكد منال أنها تصارع المرض في انتظار الموت, حيث قضت الجرعات الكيماوية التي تتلقاها كل شهر على ما تبقى لها من جسدها النحيل.
يشار إلى أن 60% من الحالات الجديدة للسرطان تسجل في الفئة العمرية من 15 سنة وحتى 64 سنة وهي سنوات الشباب والإنتاج لدى الإنسان الفلسطيني.
وذكر مركز المعلومات الصحية في وزارة الصحة أن مرض السرطان يحتل المرتبة الأعلى من ضمن الأمراض المتواجدة في فلسطين, ويعد من أخطر الـمراض التي يواجهها ويعاني منها المجتمع الفلسطيني, فمن المتوقع أن يتضاعف معدل الإصابة به خلال العقدين القادمين, حيث وصل العدد التقديري للحالات الجديدة المصابة بالسرطان من 456 ألف في عام 2012 إلى ما يقرب من 861 ألف في عام 2030.
وأشار الدكتور جواد البيطار مدير مركز المعلومات الصحية في تصريح له لوكالة معاً أن نسبة وفيات الفلسطينيين الناتجة عن السرطان بلغت 13,3% من مجموع الوفيات.
وبين د.البيطار أن بيانات السجل الوطني للسرطان في فلسطين أكدت أن السرطانات الخمسة: الثدي, الرئة, القولون, الكبد, الدماغ, تشكل حوالي 60%من حالات السرطان التي تؤدي إلى الوفاة بين الفلسطينيين.
وقال: "يأتي سرطان الثدي في المرتبة الأولى طبقاً لعدد الحالات الجديدة المبلغ عنها سنوياً بواقع 18,8% من مجموع حالات السرطان المبلغ عنها في فلسطين, في حين يحتل سرطان القولون المرتبة الثانية بواقع 10,8%, أما سرطان الرئة فيحتل المرتبة الثالثة بين حالات السرطان المبلغ عنها بواقع 15,1%.
الموت على قيد الحياة, هو حال أم سامي47 عاماً، أم لخمسة أولاد, تصر بعزيمتها وإرادتها القوية هزيمة المرض, فهي كغيرها من الأمهات تخشى على فلذات كبدها الصغار من التشرد والضياع في حال نال منها المرض وقضى على حياتها.
تعاني أم سامي من  سرطان الدم "اللوكيميا" وتقول إنها أصيبت في المرض منذ ستة شهور, وهي تعاني من فقدان في الشهية وانخفاض في الوزن وضيق في التنفس خاصة عند قيامها بنشاط بدني أو عند صعود الدرج, ومؤخراً ظهرت تحاليل لدي تشير إلى وجود تضخم كبير في الكبد والطحال, لقد تعبت كثيراً ولم يعد بمقدوري الاستمرار والمضي نحو غد مشرق, لكن أملي بالله كبير".
وعن احتياجها الطبي قالت: "إني بحاجة إلى الدعم والمساندة من قبل الآخرين, فلا أعلم متى أشفى من هذا المرض, وبحاجة أيضاً إلى وحدات دم خاصة وأني سقطت على الأرض مرتين كوني أعاني فقراً في الدم وكدت أن أصاب بجلطة دماغية إثر ارتطام رأسي بالأرض لولا ستر الله".
تبكي أم سامي وهي تتحدث عن وضعها الصحي، فهي لم تكن تتوقع أن تقفد قواها وتصاب بالمرض الذي جعلها تخسر ما يقارب 30 كيلو من وزنها.
الموت والحياة وجهان لعملة واحدة يقررها مرض السرطان, ليقرر سحق المريض المستهدف أم إبقائه عاجزاً أمام ما يعانيه من هجوم لخلايا السرطان التي تضعف من قواه الجسدية وتحد من عزيمة الحياة لديه.