الحدث العربي والدولي
بدأ لبنان في السابع والعشرين من شهر أغسطس الجاري المرحلة الثانية من عملية تسليم السلاح من داخل المخيمات الفلسطينية، في خطوة تمثل ترجمة لمقررات القمة اللبنانية-الفلسطينية التي عُقدت خلال زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى بيروت في شهر مايو/أيار الماضي. هذه العملية، التي تأتي بعد تعثر بدء تنفيذها في منتصف يونيو/حزيران الماضي، تواجه انقسامات حادة داخل البيت الفلسطيني، حيث ترفض بعض الفصائل تسليم أسلحتها، معتبرة إياها جزءًا لا يتجزأ من الكفاح ضد الاحتلال الإسرائيلي.
المرحلة الأولى من عملية التسليم شهدت مشاهد رمزية، حيث تسلم الجيش اللبناني في 21 أغسطس أسلحة خفيفة ومتوسطة من حركة فتح في مخيم برج البراجنة في بيروت. هذه المشاهد أثارت انتقادات متباينة، فبينما سخر البعض من حجم الأسلحة التي تم تجميعها في شاحنة صغيرة، تساءل آخرون عن سبب وجود أسلحة ثقيلة داخل مخيم يقع في قلب العاصمة اللبنانية وكيفية وصولها إلى هناك.
"خطوة على الطريق": دلالات رمزية أكثر منها عملية
يؤكد رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، رامز دمشقية، أن عملية التسليم انطلقت فعلًا وفقًا للمقررات المشتركة بين الجانبين، بهدف وضع آلية تنفيذية وجدول زمني لمعالجة ملف السلاح الفلسطيني. ويشير في حديثه إلى أن العملية ستستمر، وأن المرحلة المقبلة ستشمل مخيمي مار الياس في بيروت والباص في صور، بالإضافة إلى استكمال عملية التسليم في برج البراجنة.
وعلى الرغم من صغر حجم الأسلحة التي تم تسليمها في المرحلة الأولى، يشدد دمشقية على أن "حجمها صغير، لكن دلالاتها ومعانيها كبيرة". ويضيف أن هذه الخطوة تُعد جزءًا من تنفيذ خطاب قسم الرئيس جوزاف عون والبيان الوزاري لحكومة نواف سلام واتفاق الطائف، الذي ينص على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية. وحول رفض بعض الفصائل الفلسطينية تسليم أسلحتها، يوضح دمشقية أن "التركيز الآن هو مع حركة فتح ومنظمة التحرير"، وأن المشاورات ستجري لاحقًا مع باقي المجموعات.
يصف كل من المسؤولين اللبنانيين والمحللين الفلسطينيين ملف سلاح المخيمات بالمعقد، بالنظر إلى تاريخه الطويل وتعدد الفصائل والمنظمات الموجودة في المخيمات. يعتبر دمشقية أن مخيم عين الحلوة قد يكون الأصعب، مشيرًا إلى أن "السلاح لا يخدم القضية الفلسطينية بشكل مناسب، لكنه قادر على زعزعة خطة أمنية لبنانية طموحة".
من جهته، يؤكد المستشار القانوني والسياسي في لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، علي مراد، أن العملية بدأت بالفعل، وستستمر على مراحل لتشمل جميع المخيمات الفلسطينية في لبنان، بما يتماشى مع "اتفاق الطائف" و"حصرية السلاح بيد الدولة". ويضيف مراد أن الموضوع يدار بدقة وبعيدًا عن التجاذبات الإعلامية، مع الأخذ في الاعتبار الجوانب الأمنية التي يتابعها الجيش اللبناني بالتعاون مع الجهات الفلسطينية.
مقايضة مرفوضة: الحقوق والسلاح
يعتبر الباحث والمستشار في دراسات اللجوء واللاجئين، جابر سليمان، أن ما يحدث اليوم "استثمار سياسي للحظة راهنة"، حيث يسعى الطرفان، اللبناني والفلسطيني، لإظهار أن العملية تسير على ما يرام. ويشير سليمان إلى أن القضية ليست جديدة، فقد كانت هناك محاولات سابقة منذ التسعينيات لربط الحقوق المدنية للاجئين بملف السلاح، لكنها لم تسفر عن نتائج.
ويؤكد سليمان أن مسألة تسليم السلاح داخل المخيمات معقدة للغاية بسبب تعدد الفصائل، معتبرًا أن مخيم عين الحلوة هو الأكثر تعقيدًا نظرًا لرمزيته وحجمه، ووجود فصائل إسلامية ومتطرفة فيه. كما يرى أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس ارتكب "خطأ كبيرًا" بعدم فتحه حوارًا داخليًا مع الفصائل الأخرى حول ملف السلاح، مما جعل العملية تبدو وكأنها "توظيف سياسي" من الجانبين. ويختتم سليمان حديثه بأن ما حدث الأسبوع الماضي "أخذ شكلاً مسرحيًا إلى حدّ ما، خاصة في ظل التصريحات المتناقضة".
هذه العملية الرمزية، وإن كانت خطوة إيجابية على طريق استعادة الدولة اللبنانية لسيادتها، تظل محاطة بالكثير من التساؤلات حول جدواها العملية في ظل غياب التوافق الفلسطيني الشامل.