مقالات الحدث
حينما قرأت في صحيفة هآرتس بتاريخ 26 نوفمبر 2025 خبرًا عن الإعلان عن عملية عسكرية في شمال الضفة الغربية، تردّد في ذهني سؤال مركزي: ما الذي يبقى اليوم فعلاً في الضفة، لا سيما في شمالها، إذا استمرت مثل هذه العمليات وتكرّرت؟ ولماذا تُعلن إسرائيل عن عملية جديدة في شمال الضفة بينما لم تنته فعلياً من عملية أُطلقت قبل نحو عام؟
هذا الإعلان لا يجب قراءته بوصفه حدثًا عسكريًا منعزلًا، بل في إطار استراتيجية أوسع تتداخل فيها دوافع سياسية داخلية، أحلام استيطانية، رغبات تشديد السيطرة الأمنية، وحسابات ردع. هناك على الأقل أربعة أبعاد ينبغي استحضارها عند تأمل الهدف من مثل هذه العمليات - أبعاد تظهر في تحليل خطاب اليمين وتركيبات القوة داخل المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية.
أولاً: البُعد التكتيكي الذي يحمل طابعًا استراتيجيًا. عمليًا، تُستخدم هذه العمليات لشلّ قدرات مجموعات مسلحة ولقطع خطوط إعادة التنظيم أو الترميم. ومع ذلك، فإن دورها يتجاوز هذا الهدف الفوري إلى تأثيرات هيكلية طويلة الأمد. يشتمل ذلك على إجراءات متزامنة من عمليات اقتحام متكررة وقيود حركة واعتقالات انتقائية إلى تدمير البنية التحتية والقيود الاقتصادية تترابط لتعيد رسم الخريطة الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة.
النتيجة هي خلق بيئةٍ طاردة، بيئة تقلّل من فرص العمل والدراسة والاستقرار، تزيد من الضغوط النفسية والاقتصادية، وتحوّل الذهاب إلى المدينة أو البقاء فيها إلى مخاطرة يومية. بهذا الشكل تصبح السياسات الأمنية وسيلةً منهجية لدفع السكان نحو التهجير أو على الأقل يقلّل من إمكانيات المقاومة في حيز اجتماعي هش.
ثانيًا: ضبط سلوك المستوطنين بالاعتماد على العمليات العسكرية. شهدت الفترة الأخيرة تصاعدًا في أعمال العنف التي يمارسها المستوطنون ضد الفلسطينيين، ما أثار نقاشًا متزايدًا داخل إسرائيل ولا سيما داخل المؤسسة العسكرية حول تبعات هذه الاعتداءات على صورة إسرائيل عالميًا. في ضوء ذلك تُستخدم الإجراءات العسكرية والعنف تجاه الفلسطينيين كوسيلة لتهدئة أو تنظيم إيقاع المستوطنين.
ثالثًا: الضغط على السلطة الفلسطينية. إذ تُوظّف إسرائيل العمليات العسكرية في الضفة الغربية، كأداة ضغط متعددة المستويات على السلطة الفلسطينية. فإلى جانب أهدافها العسكرية المعلنة تؤدي هذه العمليات دورًا سياسيًا غير مباشر يتمثل في دفع القيادة الفلسطينية إلى الامتثال لمطالب أو شروط محددة، سواء فيما يتعلق بالتنسيق الأمني أو المواقف السياسية في المحافل الدولية أو إدارة الأوضاع الميدانية.
وقد أصبح هذا النمط من السلوك جزءًا راسخًا من آليات التعامل الإسرائيلية، بل والأمريكية أيضًا، مع السلطة الفلسطينية؛ إذ تُستغل الحملات العسكرية لتذكيرها بحدود قدرتها، ولإبراز هشاشتها الميدانية والسياسية. ومن خلال هذا الأسلوب، تفرض إسرائيل وقائع جديدة على الأرض، وتختبر في الوقت ذاته مدى استعداد القيادة الفلسطينية للانصياع أو التكيّف مع السياسات الأمنية والسياسية التي تمليها تل أبيب وواشنطن.
رابعًا: إعادة إنتاج الردع ووأد أي محاولة نهوض المجموعات المسلحة، حيث تعمل إسرائيل من خلال العمليات العسكرية المتكررة لإرساء حالة من الردع الدائم تجاه الفلسطينيين، كما نهدف إلى تهدف إلى تفكيك قدرات الفعل المسلّح مثل استراتيجية "جز العشب"، ورفع كلفة أي محاولة للمواجهة مستقبلًا.
كلّ ذلك يحدث في ظلّ حالةٍ اقتصادية متردّية تترافق مع إنهاكٍ ممنهجٍ ومستمرٍّ للفلسطيني، في سياقٍ يخلو تمامًا من أي أفقٍ سياسيٍّ حقيقي. إنّ هذا الواقع المركّب ليس مجرد نتيجة عرضية للظروف، بل يشكّل أحد أوجه الإبادة البنيوية التي تمارسها المنظومة الاستعمارية.
لا يمكن فهم هذه العمليات بمعزل عن منطق السيطرة الكولونيالية الذي يحكم علاقة إسرائيل بالمكان والسكان. فالتوغلات العسكرية، والاعتقالات، وهدم المنازل ليست مجرد إجراءات عسكرية، بل أدوات لإعادة تشكيل المجال الفلسطيني وفق رؤية استعمارية تستند إلى إخضاع الجغرافيا والإنسان معًا. بذلك، تتحول الضفة الغربية إلى فضاءٍ مُقسَّمٍ ومراقَبٍ. هذه البنية تجعل من الوجود الفلسطيني وجودًا مشروطًا ومؤقتًا، وتُنتج واقعًا من إعادة السيادة حيث تبقى كل مظاهر الحياة اليومية رهينة لمنظومة المراقبة والسيطرة الإسرائيلية.
إلى جانب البعدين الأمني والسياسي، تحمل هذه العمليات وظيفة رمزية وإعلامية داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. فهي تُقدَّم في الخطاب الرسمي والإعلامي كجزءٍ من حرب مستمرة، ما يسهم في ترسيخ سردية الضحية والدفاع الذاتي. هذا الاستخدام المتكرر للخطاب الأمني لا يهدف فقط إلى نزع الشرعية عن الفعل الفلسطيني، بل أيضًا إلى إعادة تعزيز الإجماع القومي حول ضرورة السيطرة على الضفة الغربية ، بما يعزز من شرعية اليمين ويُضعف أي صوت نقدي داخل إسرائيل يدعو إلى حلٍّ سياسيّ. في ظل الحديث الدولي عن إمكانية وجود مشروع إقامة دولة فلسطينية.
