الإثنين  23 أيلول 2019
LOGO

رفيق الحسيني: توطين العلاج الطبي شعار يراوح بين عقدة الخواجا وانفصام الشخصية وألاعيب الاحتلال!

2016-02-19 07:50:41 AM
رفيق الحسيني: توطين العلاج الطبي شعار يراوح بين عقدة الخواجا وانفصام الشخصية وألاعيب الاحتلال!
عملية نقل دم (تعبيرية)

 

الحدث- بقلم د.رفيق الحسيني

 

ونحن في سياق العمل من أجل تنفيذ شعار توطين العلاج الطبي في المستشفيات الفلسطينية، يشعر المرء بالأسى حين يجد بعضاً من أبناء الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال مصاباً "بانفصام الشخصية"، فيصرّ هؤلاء على الحصول على تحويلات العلاج الطبي إلى المستشفيات الاسرائيلية بالرغم من وجود خدمات مماثلة في المستشفيات الفلسطينية، وعلى الرغم من كل ما جرى ويجري يوميا على يد المحتل من ظلم وقتل وقمع وتشريد!.

 

بل يبدو أن بعضنا قد ورث "عقدة الخواجا" كما حدث لبعض الشعوب التي رزحت تحت الاحتلال الأجنبي لمئات السنين، فأصبحنا لا نثق بكفاءاتنا الطبية، بل أصبح بعضنا مدافعا صلباً عن التطبيع الطبي الكامل والشامل مع الاحتلال رغم ما يمثله ذلك من اعتماد الضحية على الجلاد!

 

ففي الوقت الذي ينادي به الفلسطينيون الرازحون تحت الاحتلال بمختلف فئاتهم بإيقاف التطبيع بأشكاله المختلفة، الأكاديمي والثقافي والسياسي والاقتصادي، فيُوصف المطبّع بالخائن أو المستفيد أو المضلَل على أقل تقدير، غير أن ذلك يستثنى منه التطبيع الطبي، فلا تجد له من معارضين، وللأسف، فحتى بعض المنادين بإنهاء التطبيع مع الاحتلال في المجالات المختلفة لا يتورعون عن شن هجوم على وزارة الصحة الفلسطينية من أجل تحويل أحد المرضى إلى مستشفى إسرائيلي، بغض النظر عن كون هذا المستشفى يدار من قبل غلاة اليمين الصهيوني أو قطيع من قطعان المستوطنين أو من كارهي العرب!

 

صحيح أن حَمَلَة التأمين الصحي الاسرائيلي من المقدسيين (وينطبق ذلك على أهلنا داخل الخط الأخضر) يسددون قسرا رسوم التأمين الصحي، وبالتالي يتمتعون بحق العلاج في المستشفيات الاسرائيلية، ولكنهم أيضا يتمتعون بحق العلاج في المشافي العربية المقدسية من خلال التأمين الصحي الاسرائيلي، وفي معظم الأحيان فان العلاج الذي يتلقاه المواطن المقدسي في المستشفيات العربية يوازي العلاج الذي يتلقاه في المستشفيات الاسرائيلية، من حيث الخدمة والكفاءة. وبالفعل فان عدد حملة الهوية الزرقاء الذين يترددون على المشافي العربية في القدس يرتفع باستمرار ولكن بوتيرة بطيئة بعض الشيء.

 

للأسف، فإن ما يتم الترويج له من قبل بعض المنتفعين في أوساطنا لصالح العلاج في المشافي الإسرائيلية، دعا بعض أبناء شعبنا من الضفة وغزة إلى تأييد التطبيع الطبي، فأضحى مستحبا ومرغوبا، وبات بعض المصابين بـ "عقدة الخواجا" يناشدون الرئيس ورئيس الوزراء ووزير الصحة للحصول على تحويلة لمستشفى اسرائيلي رغم أن ما يحتاجون اليه من علاج موجود في أحد مستشفيات الوطن وبالنوعية نفسها. وفي قصة طفل فلسطيني أصيب برصاصة متفجرة في قدمه عبرة؛ حين تم اعتقاله ووضعه مكبلا في مستشفى اسرائيلي للعلاج، وبعد مرور شهر من المكوث هناك استشرت الغرغرينا في قدمه بسبب سوء العلاج الذي تلقاه في ذلك المستشفى، وحين تم الإفراج عنه قررت وزارة الصحة الفلسطينية تحويله لمستشفى المقاصد لاستكمال العلاج، الأمر الذي لاقى معارضة من قبل البعض الذين طالبوا باعادته للعلاج في المستشفى الاسرائيلي.

 

وفيما كان رأي اختصاصيي قسم العظام الستة في المقاصد (وهو من أكثر الأقسام تطورا في المنطقة) بضرورة بتر القدم بشكل فوري من أسفل الكاحل حتى لا تتفشى الغرغرينا أكثر، ادعى الأطباء في المستشفى الاسرائيلي بإمكانيةً إنقاذ نصف القدم عن طريق إجراء عدة عمليات معقدة واقامة الطفل في المستشفى لمدة أشهر وبتكلفة مئات الآلاف من الشواكل تتحملها السلطة بالطبع!!

 

وقد نجح الضغط الشعبي –للأسف- بتحويل الطفل إلى المستشفى الاسرائيلي الذي كان قد فشل في علاجه أساسا، واليوم وبعد عدة أشهر وعدد من العمليات الجراحية ومئات الآلاف من الشواكل، تم بتر الساق حتى الركبة من قبل المستشفى الاسرائيلي وما زال الطفل يعاني!! ما حصل في هذه الواقعة هو تجسيد فعلي لمفهوم "عقدة الخواجا" المجبولة بـ "انعدام الثقة بالذات الفلسطينية" ووضع ثقة الضحية بالجلاد. والمسألة لا تقف عند هذا الحد ، لأن الاحتلال قد نجح بتعميق هذه العقدة لدى البعض، والحفاظ على الشعور بالنقص والانتقاص لذاتنا، انطلاقا من كون بعض مستشفيات الاحتلال تعتمد بشكل كبير على تحويلات المرضى الفلسطينيين للعلاج فيها.

 

ومع تزايد النجاحات والإنجازات التي قدمتها المشافي الفلسطينية في الآونة الأخيرة، ولا سيما مشافي القدس الشرقية، رفعت بعض المستشفيات والمراكز الطبية الإسرائيلية حالة التأهب، وبدأت بحشد التمويل من الجهات الأجنبية تحت ذريعة إنقاذ قلوب أطفال الشعب الفلسطيني، وإجراء عمليات القلب للأطفال، مدعية عدم توفّر مثل هذه العمليات في المستشفيات الفلسطينية، ونجحت بجمع التبرعات، تحت مسميات براقة مثل "احنا اخوان" و "انقذ قلب طفل فلسطيني" و"انقاذ الأطفال" و" عالج عدوك" إلى آخره من الأسماء المخادعة.

 

وبالرغم من أن عمليات جراحة قلب الاطفال تجرى منذ سنوات وبنجاح باهر في مستشفى المقاصد، إلا أن هذه الحملات قد نجحت بالوصول إلى الجهات الفلسطينية، وتعاقدت معها من أجل تحويل أطفال فلسطين الذين يحتاجون لعمليات قلب مفتوح الى المستشفيات الاسرائيلية. إن الهدف الخفي لهذه الحملات هو اجراء عمليات لأكبر عدد من الأطفال الفلسطينيين في المستشفيات الاسرائيلية كضمان لاستمرارية بعض الأقسام الطبية فيها، وللأسف سنقع في هذا الفخ اذا لم نكن حذرين ومدركين أن ذلك سيكون على حساب توطين الخدمات الطبية في فلسطين.

 

أضف إلى ذلك رفض دائرة الترخيص الاسرائيلية منح تراخيص لعدد من الأطباء الفلسطينيين ذوي الشهادات العالمية من بلدان كألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة وكندا... مثال على ذلك مناكفة الاحتلال لمستشفى المقاصد ووفض منح تراخيص لبعض الجراحين الفلسطينيين من ذوي الخبرة والكفاءة الذين كانوا يعملون في مشافي عالمية، بل تم إرسال جراح إسرائيلي وهو رئيس أحد الأقسام المنافسة لتقييم المقاصد تحت مسمى "مقيّم متطوع"!! ومع أن المستشفى قد استطاع تفنيد كل المزاعم إلا أن معركة الترخيص مع الجانب الاسرائيلي لم تنته بعد! في الماضي القريب واجه مستشفى المطلع في القدس حملة شعواء حين حاول افتتاح قسم العلاج الاشعاعي لمرضى السرطان، فرفض الاحتلال منح الترخيص المطلوب لأسباب واهية، بيد أن المستشفى بقيادة المرحوم د. توفيق ناصر استخدم علاقاته الأوروبية والامريكية ونجح في الحصول على الترخيص، ولضمان تقليص خسائر الجانب الإسرائيلي المادية فإن الاحتلال قد منع مستشفى المطلع من علاج المرضى الفلسطينيين من حملة الهوية الزرقاء. السؤال الآن كيف يمكن أن ننهي التطبيع الطبي والاعتماد على المستشفيات الاسرائيلية وفي ذات الوقت أن نزيد من قدرات مستشفياتنا الوطنية لتوطين العلاج فيها؟

 

أولا: وقبل كل شيء، علينا أن نعالج أنفسنا من "عقدة الخواجا" ونتوقف عن الاعتقاد بأن الأجنبي أو الإسرائيلي أفضل من المحلي والوطني في كافة الحقول والمجالات بما في ذلك الطب، فالكفاءات الفلسطينية باتت معروفة بمستواها العالمي في مجال الطب، بل إن دولا عديدة في الشرق والغرب تحاول استقطابهم دوما بالمال والتجهيزات والأبحاث، فالأولى بنا أن نحافظ عليهم وندعمهم ، بدلا من اجترار العقد النفسية التي أورثنا إياها الاستعمار.

 

ثانيا: علينا أن نجد علاجا "لانفصام الشخصية" الذي نعاني منه، وأن نعتبر التطبيع الطبي مبغوضا كالتطبيع الأكاديمي والثقافي والاقتصادي، وندعم مؤسساتنا الطبية الوطنية لتتمكن من تحسين قدراتها وأدائها باستمرار، علما بأن معظم مستشفيات القدس الشرقية حاصلة على شهادة الجودة الدولية (JCI) مثلا والتي لم تستطع العديد من المستشفيات الاسرائيلية الكبرى الحصول عليها، حتى الآن.

 

ثالثا: على حكومتنا أن تعي ما يدور حولها من مؤامرات تتخطى الجوانب السياسية أو الأكاديمية أو الاقتصادية لتشمل الجانب الطبي والعلاجي أيضا، فلا نقع في فخ شعارات جوفاء مثل "انقذ قلب طفل فلسطيني" و "احنا اخوان"، وأدعوهم إلى عدم توقيع أية اتفاقيات مع جمعيات تبدو وكأنها صديقة وتعالج مرضانا بتكلفة قليلة، في حين أن هدفها المخفي الحقيقي هو استغلال المريض الفلسطيني لصالح تمويل وتطوير مستشفيات الاحتلال!

 

رابعا: التزام وزارة الصحة بالاستمرار في سياستها الحالية برفد المستشفيات الفلسطينية وبخاصة المستشفيات التعليمية منها؛ مثل المقاصد والمطلع والعيون والنجاح بتحويل الحالات المرضية، مع ضمان جودة الخدمات المقدمة للمريض الفلسطيني في هذه المستشفيات، وذلك من أجل تمكينها من تطوير قدراتها باستقطاب أفضل الأطباء، واقتناء أكثر الأجهزة الطبية تقدما، وتقديم التدريب المهني للأطباء المقيمين، الأمر الذي سيدفع باتجاه تحقيق الهدف الاستراتيجي للرئاسة وللحكومة الفلسطينية بـ " توطين العلاج الطبي" في فلسطين ومستشفياتها الوطنية.

 

خامسا: ومن أجل إنجاح استراتيجية "توطين العلاج الطبي"، على الحكومة الفلسطينية أن تتخذ قرارا جريئا يقضي بإيقاف كافة التحويلات العلاجية إلى المستشفيات الإسرائيلية – نعم كافة التحويلات؛ الغني قبل الفقير والمسؤول قبل المواطن، وذلك بحد أقصاه بداية عام 2017.

 

إن مثل هذا القرار سيرفد المستشفيات الفلسطينية الأهلية والخاصة بما لا يقل عن 60 مليون دولار سنويا، والتي بدورها سوف يستحثها هذا القرار لتطوير خدماتها، واستقطاب أبرع الأطباء والكوادر التمريضية المؤهلة واقتناء أكثر الأجهزة الطبية تطورا... فتظل هذه المبالغ في الاقتصاد الفلسطيني بدلا من رفدها للاقتصاد الاسرائيلي.

 

إذا ما حققنا النقاط المقترحة أعلاه، نكون بذلك قد وضعنا اللبنات الأساسية في بناء نظام صحي متقدم، وزدنا من قدرات مستشفياتنا الوطنية، وأنهينا التطبيع الطبي البغيض المبني على "عقدة الخواجا"، وأوقفنا الاعتماد على المستشفيات الإسرائيلية بسبب "انعدام الثقة بالذات" و"انفصام الشخصية" لدى البعض، ونجحنا في تحقيق شعار "توطين الخدمة الطبية" في فلسطين، الذي تتشارك فيه مستشفيات القدس الشرقية مع وزارة الصحة الفلسطينية، انطلاقا من كون هذه المستشفيات جزءا أصيلا من منظومة القطاع الطبي الفلسطيني وشريكة له منذ انشاء وزارة الصحة الفلسطينية عام 1994، بل كانت - وما تزال - رافعة أساسية للنظام الصحي الوطني في الضفة وغزة منذ الاحتلال الاسرائيلي عام 1967 وقبل قيام السلطة.