الأربعاء  16 تشرين الأول 2019
LOGO

أقل من 1000 وظيفة تنافس عليها 55 ألف مواطن في ستة أشهر فقط

2014-11-11 12:22:13 AM
أقل من 1000 وظيفة تنافس عليها 55 ألف مواطن في ستة أشهر فقط
صورة ارشيفية

هل إعلانات الوظيفة العمومية شكل من أشكال التمييز الذي يعيق حصول الآلاف على وظيفة حكومية؟
 
تحقيق خاص- الحدث- عبير إسماعيل
يعد تقلد الوظائف العمومية أو الحكومية، حق فردي يكفله القانون الأساسي الفلسطيني تماماً كما القانون الدولي، وبالتحديد في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
لكن، يشوب عملية التنافس على هذه الوظائف في الأراضي الفلسطينية عدد من المشاكل، أهمها حدوث تمييز في تقلد الوظيفة العمومية لاعتبارات عدة وأسباب تخالف القانون، وتخالف ما ينص عليه القانون الفلسطيني الأساسي، وقانون الخدمة المدنية المختص بالوظيفة العمومية.
وأحد أشكال التمييز، هو أن تكون الجهة الحكومية المعنية في التوظيف قد أعلنت عن الوظيفة، ولديها في الوقت نفسه نية مسبقة بتوظيف أحدهم لاعتبارات عدة، سواء علاقات شخصية أو عائلية، مما يحرم المئات من المتقدمين لأية وظيفة من حق الحصول على المنافسة العادلة، الأمر الذي يفتح الباب أمام سؤال مهم، وهو إلى أي مدى تتسم الإعلانات التي يتم طرحها من قبل ديوان الموظفين العام بالمصداقية؟ وهل هي فعلاً صورية كما يقول العشرات ممن تقدموا للوظائف ولم يحصلوا على فرصة؟
في هذا التحقيق، سنحاول الإجابة على هذا السؤال، كما سنحاول التطرق لعدد من الحالات التي حرمت من حق الحصول على فرصة حقيقية للتنافس للحصول على وظيفة في القطاع الحكومي، وحالات أخرى سلبت منها وظيفتها، بحسب ادعاء أصحابها، على الرغم من حصولهم على المرتبة الأولى في الامتحان والمقابلة، مدعين أن الوظيفة ذهبت لأشخاص آخرين، مع الاحتفاظ بأسمائهم الحقيقة بناء على رغبتهم الشخصية بذلك.
 
تمييز يبدأ منذ الإعلان وحتى بعد تقلد الوظيفة
يعد التمييز في الوظيفة العامة.. شكل من أشكال انتهاك حقوق الإنسان التي نصت عليها المواثيق والمعاهدات الدولي، وهو يعني عدم توفر المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، سواء عند التقدم للوظائف العامة أو الالتحاق بها، أو في أثناء مباشرتها والقيام بتبعاتها.
هذا وتبدأ مراحل التمييز في تقلد الوظيفة العمومية منذ البدء بالتقديم للوظيفة وحتى ما بعد تقلدها، حيث ينسحب عليها تمييز ضد الموظف في الحصول على الترقيات التي يستحقها أو العلاوات...إلخ
لكننا في هذا التقرير سنسلط الضوء على التمييز الحاصل في مرحلة ما قبل الحصول على الوظيفة، وفحص ما إن كانت الإعلانات المنشورة من ديوان الموظفين فعلاً حقيقية أم لا، وما إذا يحصل المواطن على فرصة حقيقية فيها قدر عالٍ من الشفافية والنزاهة للتنافس على الوظائف المعلن عنها.
 
حصلت على المرتبة الأولى لكن الوظيفة سحبت مني!
في الفترة السابقة وأثناء تجوالنا بين عدد من الدوائر الحكومية لجمع البيانات الرسمية المتعلقة بالموضوع، صدفنا سيدة معتصمة وحدها أمام مقر مجلس الوزراء في رام الله برفقة ولديها الإثنين، وللصدفة كان موضوعها يصب في التحقيق الذي نعده.
السيدة تُدعى رهام شمروخ من بيت لحم، تقول إنها ضاقت بها السبل لإيصال شكواها المتعلقة بحرمانها من تقلد وظيفة تقدمت لها وحصلت عليها، إلا أنها سحبت منها لصالح أخرى.
وخلال المقابلة القصيرة التي أجريتها معها، تقول السيدة شمروخ: "أنا أحمل شهادة جامعية في تخصص الخدمة الاجتماعية وعلم النفس من جامعة بيت لحم، ولدي طفلان أحدهما مصاب بمرض التحسس من بعض أنواع الأغذية".
وتضيف السيدة شمروخ، والتي أحاط بها رجال الأمن بهدف توقيفها وسحبها إلى مقر الشرطة، بأنها قامت بالتنافس على الوظائف العمومية مدة ثلاث سنوات، وحصلت أخيراً على وظيفة في قسم الدعم النفسي في الأمن الوطني الفلسطيني ببيت لحم، وتقول: "بعد أن قبلت فيها عقب حصولي على المرتبة الأولى في الامتحان والمقابلة، سرقت مني وظيفتي وذهبت لإحدى بنات عقيد متقاعد، وهو أمر لن أقبل به أبداً".
وتشير رهام شمروخ إلى أنها قدمت شكاوى لمكتب الرئيس ثلاث مرات، لكن دون جدوى قائلةً: "هذه آخر مرحلة يمكن أن أصل إليها، وهي الاعتصام أمام مجلس الوزراء، للمطالبة بالتحقيق في موضوعي وإعادتي إلى وظيفتي، وأنا أريد أن أعمل حتى أساعد في علاج ابني".
 
احتجازنا من قبل الشرطة
وكان من المفترض أن نبقى مع السيدة شمروخ لمتابعة حالتها، إلا أنه تم احتجازها هي وأطفالها، فيما تم استجوابي أنا من قبل حرس وأمن مجلس الوزراء على إجرائي مقابلة أمام مقرهم لمدة نصف ساعة، مما اضطرني للاكتفاء بما حصلت عليه من معلومات من جهتها.
رهام حصلت على المرتبة الثانية ونحن مستعدون للمساءلة
من جانبه، نفي المُقدم عيسى جرادات، مديرة وحدة الدعم النفسي في قوات الأمن الوطني الفلسطيني لمنطقة بيت لحم، الادعاءات التي قدمتها السيدة رهام شمروخ نفياً قاطعاً.
وأضاف جرادات في مقابلة معنا، أنه هو من ترأس لجنة المقابلة التي أجريت لاختيار موظفة في وحدة الدعم النفسي، مضيفاً: "كانت المعايير التي وضعت للاختيار في غاية الشفافية، وأنا مستعد لأية مساءلة من أي طرف رسمي أو حقوقي، ومستعد أيضاً أن أطلعه على الملفات المعنية وكيفية اختيار المقبولين في الوظيفة".
ويشير جرادات إلى أن رهام شمروخ حصلت على المرتبة الثانية من أصل 7 تقدموا لنفس الوظيفة في منطقة بيت لحم، إلا أن الوظيفة ذهبت لمن حصلت على المرتبة الأولى، قائلاً: "لقد تلقينا شكاواها من عدد من المؤسسات الحقوقية والرسمية من بينها مكتب الرئيس مباشرة، وحينها طلب المسؤول العام للأمن الوطني مني توضيحاً مفصلاً لما حصل وقدمت له بالأوراق جميع ما يثبت أننا لم نتجاوزها وأن الاختيار تم بشكل سليم وشفاف وقانوني".
وكشف المقدم جرادات أن زوج رهام هو زميل له، ويعمل في الأمن الوطني، وأنها حاولت أن تدخله كواسطة في الموضوع، إلا أن المقدم رفض ذلك، موضحاً السبب بالقول: "زوجها صديقي وزارني في البيت، إلا أنني لم أستطع أن أقدم له المساعدة، فالموضوع خارج عن إرادتي تماماً، ويتعارض مع قَسم المهنة الذي أديته، وأعيد وأقول إن لدى السيدة رهام كفاءة ممتازة ولا يعيبها شيء مهنياً، لكنها حصلت على المرتبة الثانية".
وفيما يتعلق بشكل اللجنة التي اختارت أفضل المتنافسين على الوظيفة، يقول مدير وحدة الدعم النفسي في الأمن الوطني الفلسطيني فرع بيت لحم: "هي لجنة اختصاص داخلية من الأمن الوطني، جميعهم من حملة شهادات عليا، وتم تقييم المتنافسات بناءً على لجنة أمنية وطبية، وهي معايير عامة، كذلك كانت هناك معايير خاصة تتعلق بالمؤهلات لكل متقدمة وقدرتها على الإرشاد.. إلخ".
ويذكر جرادات أن الوظيفة التي تقدمت لها شمروخ، هي من ضمن ثماني وظائف أخرى طرحها جهاز الأمن الوطني الفلسطيني، تتمثل بتعيين سيدات في وحدات الدعم النفسي في المحافظات المختلفة، بهدف تحقيق التنوع بين الجنسين في هذه الوحدات.
 
ذهبوا للمقابلة وعرفوا أن الوظيفة جاهزة لأحدهم
على صعيد آخر، تم الإعلان عن وظيفة موظف إعلام في شهر أيلول الماضي في وزارة الصحة الفلسطينية، وتم استدعاء المتنافسين عليها إلى امتحان ومن ثم إلى مقابلة، وهو إجراء طبيعي وقانوني يقوم به ديوان الموظفين العام الفلسطيني.
لكن وفي اليوم الذي عقدت فيه المقابلة بداية الشهر الجاري، تفاجأ بعض المتنافسين، حسب ادعائهم، بوجود أحاديث تدور في قاعة الانتظار تفيد أن الوظيفة الذين هم بصدد المقابلة بشأنها ذاهبة إلى شخص يدعى، محمد العواودة، وهو خريج إعلام، ويعمل بعقد مؤقت مع الوزارة منذ أشهر.
وعندما أثرنا الموضوع، بدأ بعضهم بالحديث عن مدى استيائهم الشديد من هذا الإجراء، خاصة وأن أكثرهم قادمون من محافظات الوطن البعيدة والمختلفة، وكان لديهم أمل بأن ينالوا هذه الوظيفة.
فمن هؤلاء الأشخاص، المواطنة م.ع، وهي خريجة إعلام من إحدى الجامعات، وتبحث منذ عامين عن وظيفة حكومية.
المواطنة رفضت نشر اسمها في التحقيق، خوفاً من أن يؤثر ذلك سلباً أثناء تقديمها لعدد آخر من الوظائف التي تعلنها الحكومة، على الرغم من أنها قدمت حتى الآن لعشرات الوظائف وقابلت خمس مرات لكن دون أن يحالفها الحظ.
وباستكمال موضوع الوظيفة في وزارة الصحة، تقول المواطنة في حديث خاص معنا: "عندما تقدمت للوظيفة وامتحنت لها، فوجئت من بعض الموجودين بأنهم يقولون أن الوظيفة ذاهبة لشخص يدعى محمد العواودة، وهو يعمل لدى الوزارة على نظام العقد المؤقت منذ حوالي العام، الأمر الذي سبب لي إحباطاً في البداية، لكنني قلت في نفسي أن علي أن أحصل على فرصتي حتى النهاية".
وتكمل حديثها بمحاولة إيجاد مبررات لما حدث بالقول: "بعد فترة من إجرائي للمقابلة علمت بأن العواودة حصل عليها كما توقعت، وتفسيري لذلك بأنه وكونه عمل بعقد مؤقت فهو أحق من غيره، أي من يريد مزاولة هذه الوظيفة لأول مرة، وربما يكون العواودة الشخص الأمثل، لكن أعترض على طرح إعلان بشكل تبدو فيها الشفافية عالية جداً ويعطي الباحثين عن عمل أملاً في الحصول على فرصة، فلماذا لم يتم تعيين العواودة بشكل مباشر دون القيام بهذا الإجراء الطويل؟ ألا يعلمون أننا نتكلف مالياً في كل مرة نأتي فيها إلى رام الله لعقد امتحان أو إجراء مقابلة؟"
 
العواودة: لم أسرق وظيفة أحد
من جهته، حاول محمد العواودة الدفاع عن نفسه وعن الهجمة التي تلقاها من بعض من تقدم للوظيفة، مؤكداً في الوقت نفسه أنه لم ينل الوظيفة بشكل نهائي حتى الآن كما يدعي من يتهمونه بأنه تعين بالواسطة.
ويقول العواودة في مقابلة معنا: "عملت كموظف إعلام في وزارة الصحة منذ عشرة أشهر، والجميع يشهد بمهنيتي العالية والتزامي الجيد في العمل، فأنا خريج إعلام من جامعة بيرزيت في العام 2013 بامتياز، وحاصل على الجائزة الأولى للصحفي صديق الحكم المحلي".
وحول ما أثير بشأن وظيفته وما إن كان الإعلان صورياً، يقول العواودة: "هناك الكثير من سوء الظن من قبل العديدين الذين تقدموا للوظيفة أو لديهم أقرباء تقدموا لها، لكنني أنفي ذلك بشكل مطلق وأنا واثق من أنني سأحصل على الوظيفة بمجهودي وليس بسبب عملي بعقد مؤقت في الوزارة، فأنا أثق تماماً في اللجنة التي انعقدت من أجل الوظيفة".
ويشير العواودة إلى أنه قدم لهذه الوظيفة حوالي 27 متنافساً، نجح في الامتحان سبعة وهم نفسهم الذين أجروا المقابلة التي كانت المواطنة م.ع إحداهم.
كما يؤكد في الوقت نفسه أنه، كموظف على عقد سابق، ليس له أولولية أو زيادة في العلامات لأنه عمل في الوزارة بشكل مسبق، بل خضع للامتحان والمقابلة تماماً مثل الـ27 الآخرين.
وتوعد في الوقت نفسه وفي حال استمرار الشكاوى عليه بعد تعيينه رسمياً، بأن يقدم شكوى رسمية ضد أي أحد يمس في سمعته، قائلاً: "لن أسمح بأن يقوم أحدهم بالحديث بشكل سيء عن خبرتي ومهنيتي وإلصاق تهمه الواسطة بي، فأنا لا أملك واسطة وتعينت بطريقة قانونية بحتة".
 
اتصل زوجي بالصدفة على صديقه ليكتشف أن الوظيفة له
في حالة أخرى، تقول مواطنة أخرى، ب.ج، إنها منذ حوالي العام تقدمت لعدد من الوظائف المعلنة على موقع ديوان الموظفين العام، وحصلت على فرصة لتقديم امتحان وإجراء مقابلة في إحدى وزارات السلطة، لكن حدث معها أمر ما، قبل توجهها للامتحان.
وتقول المواطنة في مقابلة خاصة معنا: "قبل أن أذهب للمقابلة، اتصل زوجي بصديق له يعمل في قسم الوزارة، ليسأله كيف تجري المقابلات عادة، ليفاجأ بقوله أن الوظيفة ذاهبة له بشكل شبه حتمي، الأمر الذي أصابني بإحباط شديد."
تكررت نفس الحالة معها، لكن هذه المرة مع وزارة أخرى، وتقول: "عندما ذهبت للمقابلة، أخبروني بأن الوظيفة ذاهبة لمن كان يعمل على نظام عقد مؤقت، لكنني قلت يجب أن أجرب هذه المرة أيضا،ً وإذا اتضح ذلك بعد إعلان النتائج لن أعيد الكرة مرة أخرى، وللأسف ذهبت للشخص المتوقع، وأنا على قناعة الآن بأن هذه الإعلانات صورية وأن الوظائف تذهب لمن هم على عقود مؤقتة، أو لأشخاص يأتون على مزاجات شخصية".
952 وظيفة حكومية لـ54 ألف متقدم!
من جانبها، تقول نائب مدير عام التعيينات في ديوان الموظفين العام الفلسطيني، السيدة فداء الكايد، إن الاتهامات المستمرة التي توجه لهم بأنهم يتبعون نظام الواسطات والمحسوبية أثناء عملية التوظيف هي أمر طبيعي، مؤكدة في الوقت نفسه أن مؤسستها تحاول جاهدة الالتزام بمبادئ الشفافية والنزاهة في هذه العملية.
كما تشير السيدة كايد، إلى أن عدد الوظائف المتاحة هذا العام وككل عام ليست كبيرة، بما يتناسب مع أعداد الخريجين الهائل من الجامعات والباحثين عن عمل.
وفي هذا السياق تقول: "حسب الموازنة العامة التي أقرت بداية العام الجاري، فإن عدد الوظائف المتاحة والتي أعلن عنها هو 1839 وظيفة، منها 877 لقطاع التعليم، وبالتالي فإن عشرات الآلاف من الباحثين عن عمل تنافسوا على أقل من 1000 وظيفة في المؤسسات الحكومية المنتشرة في الضفة الغربية، الأمر الذي لا أستغرب معه تزايد عدد الشكاوى والاتهامات لنا بأننا نفضل موظف على آخر أثناء عملية الاختيار، لشدة المنافسة الحاصلة".
يذكر أنه وحسب الأرقام الرسمية الحاصلين عليها من ديوان الموظفين، فإن عدد المتقدمين بلغ 54440 ألف متقدم لعدد الوظائف التي أشرنا إليها سابقاً، أعلن عنها من خلال 63 إعلان الكتروني.
مع العلم أن الإعلانات بدأت تطرح منذ آذار الماضي، وآخر إعلان تم طرحه في الثلاثين من شهر أيلول الماضي.
 
التوظيف عملية مركبة
على الجانب الرسمي والإجرائي، تشير ممثلة الديوان الدائمة في لجان التوظيف التي تعقد في الوزارات والمؤسسات الحكومية في منطقة الوسط، آمنة الأخرس، إلى أن عملية التوظيف هي عملية مركبة، فهي مبنية على احتياج الوزارة أولاً، ومن ثم على مقدار الميزانية المقررة لها من قبل وزارة المالية، إضافة إلى الناحية القانونية التي يفرضها ديوان الموظفين العام.
وتضيف الأخرس في هذا الشأن بالقول: "عند شعور وزارة ما بحاجتها لموظف في شاغر ما، ترسل إلى الديوان بطلبها في ذلك، ونحن بدورنا ندرس هذا الطلب بناء على الجدوى من هذه الوظيفة وما إذا كان يتواءم والهيكلية التنظيمية لها، إضافة للاستحقاقات المالية المترتبة عليها، وذلك بمراجعة وزارة المالية، ومن ثم نقوم بالموافقة على الطلب ونطرح الإعلان على موقعنا الإلكتروني، والذي صمم ليسهل على المتقدمين من كافة المحافظات التقديم للوظائف بطريقة سهلة وسريعة، بعد أن يكونوا قد قاموا بالتسجيل في الموقع، وإنشاء حساب خاص لهم يتضمن كافة شهاداتهم وأوراقهم الرسمية، ويتم التقديم لأية وظيفة بكبسة زر فقط، كما أن إعلانات الوظائف تصلهم على شكل رسائل عبر البريد الالكتروني."
 
المرحلة الثانية: لجنة مختصة من الجهات المختلفة
وباستكمال الحديث عن العملية المركبة، تضيف الأخرس أنه وبعد إغلاق باب التقديم لأية وظيفة، يتم تشكيل لجنة لاختيار المتنافسين للوظائف، يتراوح عدد أعضائها ما بين 3-6 أعضاء، حسب حساسية الموقع وحساسية الوزارة، ولضمان النزاهة.
ويشترط في كل لجنة أن تحتوي على ممثلين عن الوزارة، ويفضل أن يكون رئيس اللجنة هو المدير المباشر للموظف الجديد، إضافة إلى الممثلين عن ديوان الموظفين، وعضو آخر من جهة اختصاص ما، ليكون رأيه محكما،ً موضحةً بالقول: "على سبيل المثال، وظيفة أعلن عنها في وزارة الإعلام لموظف علاقات عامة، يكون أعضاء اللجنة هم من الوزارة نفسها إضافة لنا كديوان، ونستدعي أحد الصحفيين العاملين في الوظيفة العمومية ليقيم معنا المتنافسين على الوظيفة من الناحية العملية".
 
1000 متقدم للوظيفة الواحدة
وحول القدرة الاستيعابية لاستقبال طلبات التوظيف لأية وظيفة عمومية يعلن عنها، تقول الأخرس: "المجال مفتوح للجميع ولا نحدد سقفاً، فبعض الوظائف نستقبل عليها أكثر من 1000 مرشح، وهؤلاء قبل الذهاب إلى مقابلة معهم لكثرة عددهم نعقد لهم امتحاناً، تكون علامة النجاح فيها 70 من 100، ومن ينجح في الامتحان نستدعيه للمقابلة".
لجان ذات شفافية عالية!
وتؤكد الأخرس أن أغلب اللجان التي عملت فيها تمتعت بشفافية عالية، وأنها تحاول قدر الإمكان عدم حدوث أي خروقات قانونية قائلةً: "أنا أقول لك أنني دخلت كثيراً من اللجان التي فيها مزاجات شخصية، وكان واضحاً أن رئيس اللجنة أو أحد أعضائها يريد شخصاً بعينه أو لا يريد شخصاً آخر، ويعكس ذلك بشكل واضح في علاماته وأسئلته، لكنني في إحدى المرات انسحبت من اللجنة بسبب ذلك، كونه يخالف القوانين ويحرم الكثيرين من حقهم في التنافس والحصول على وظيفة".
وتضيف الأخرس: "أنا مسؤولة تماماً كالآخرين من زملائي أمام مؤسستي، وهي ديوان الموظفين، والتي يصلها بشكل مباشر ورسمي جميع الشكاوى المتعلقة بالواسطة والمحسوبية في الوظيفة العمومية، لذلك أحاول دائماً أن أكون حريصة على ألا أدخل في هذه المتاهات".
 
رئيس اللجنة هو مديره السابق
لكن كيف بالإمكان تحقيق الشفافية والنزاهة وإلغاء المزاجية في الاختيار، طالما أن رئيس لجنة التوظيف هو نفسه مدير الموظف على عقد؟ فلا شك أن ذلك يؤثر بشكل مباشر في رأيه وحكمه، خاصة وأنه جرب هذا المتنافس كموظف لديه.
وهنا تحاول آمنة الآخرس، بالأمثلة، تفنيد هذا الحكم قائلةً إن هناك العشرات ممن عملوا بعقود خاصة وتقدموا لامتحانات وأجروا مقابلات ولم يثبتوا جدارتهم، وفشلوا في الحصول على الوظيفة.
وتضيف أيضاً: "أأكد لك أن هناك حالات عقود جاءت على مزاجات شخصية لكنها طورت نفسها، وعندما خضعت للمنافسة أخذت وظيفتها بجدارة، ومن لم يحصل على الوظيفة من لم يعمل على تطوير ذاته ومهارته".
مدير وحدة الإعلانات: الشكاوى فردية ولا تكاد تذكر!
ومع عدد الحالات التي رصدناها أثناء إجراء هذا التحقيق، والتي تقول إن هناك خللاً ما في آلية التوظيف، توقعنا أن يصحب ذلك عدد كبير من الشكاوى المقدمة بحق الديوان، تتهمه فيها بأنه لا يتمتع بالشفافية.
إلا أنه، ومن جهته، يقول مدير وحدة الإعلانات والامتحانات في ديوان الموظفين العام، سائد خلف، إن عدد الشكاوى التي يتلقاها الديوان بشأن عدم نزاهة وشفافية الإعلانات قليلة بشكل عام، وإن أغلب هذه الشكاوى تأتيهم من المؤسسات الحقوقية مثل الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وهيئة مكافحة الفساد ومؤسسة أمان.
ويضيف خلف في مقابلة أجريناها معه: "إذا حصل وجاءتنا شكوى، نقوم بالعودة أولاً إلى محاضر لجان التوظيف، ونراجع أعضاء اللجنة شخصاً شخصاً، وإذا شعرنا بأن هناك شكاً ولو بنسبة 1% نوقف عملية التوظيف لحين انتهاء التحقيق بشأنها".
ويشير خلف إلى أن أكثر الأعضاء تعرضاً للرقابة من مؤسستهم، هم الأعضاء المنتدبين من ديوان الموظفين العام، لذلك حصل في كثير من الأحيان أن شعر هذا العضو بأن شيئاً غير سليم يحصل أثناء انعقاد جلسة المقابلة لصالح التوظيف، وقام هذا العضو بالانسحاب وإبلاغ مديره المباشر بوجود شكوك لوجود أحد الأعضاء الآخرين الراغبين في تعيين اسم بعينه.
ويضيف: "في هذه الحالة تتوقف عملية إجراء المقابلات ككل، وتعاد في وقت لاحق مع تشكيل لجنة جديدة بأعضاء جدد".
وحول عدد المتقدمين للوظائف العمومية بشكل تقديري، يشير سائد خلف إلى أنه في المتوسط، يتقدم 300 شخص للوظيفة الواحدة، وهو بتقديره عدد كبير، خاصة وأن الإعلانات التي يطرحها الديوان كثيرة.
 
استثناءات لفئات قليلة
وهناك بعض الحالات قد تحصل على علامات إضافية إذا كانت من ضمن المتنافسين على الوظيفة، وحسب ديوان الموظفين، تقتصر تلك الحالات على الأسرى، والذين يحصلون على 10 علامات إضافية على النتيجة النهائية، إضافة لعلامة عن كل سنة قضاها في الأسر.
ومن الحالات التي تحصل على استثنائات أيضاً، هم من ذوي الاحتياجات الخاصة، والذي ينص قانون المعاق الفلسطيني حسب المادة (10) منه على: "إلزام المؤسسات الحكومية وغير الحكومية باستيعاب عدد من المعوقين لا يقل عن 5% من عدد العاملين بها، يتناسب مع طبيعة العمل في تلك المؤسسات".
 
 المؤسسات الحقوقية: دور محدود وخجول
ومما لا شك فيه، أن المؤسسات الحقوقية الرسمية وغير الرسمية، تلعب دوراً في مجال حماية المواطنين من أي تمييز ضدهم في الوظيفة العمومية، لكن قلة من يتابعون مثل الحالات التي يتناولها هذا التحقيق، وذلك لصعوبة إثبات أية أدلة تشير إلى حصول تمييز ضد المتقدمين للوظائف بعد إتمامهم المقابلة والامتحان.
من هذه المؤسسات التي تتابع حالات التمييز في الوظيفة العمومية، الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، والتي تفتح المجال لأي مواطن بتقديم الشكاوى والتظلمات لديها، حيث وجدنا لديهم عشرات الشكاوى التي تدعي أنه تم التمييز ضد أصحابها للحيلولة دون الحصول على الوظيفة.
 
التقلد الوظيفي حق يكفله القانون
من جانبه، يقول محامي الهيئة المستقلة، غاندي أمين، والذي يتابع عدداً من الحالات المشابهة، إن لكل مواطن فلسطيني الحق في التقلد الوظيفي، والذي يعتبر حقاً غير قابل للمجادلة.
ويضيف أمين: "لكن في السابق، ومن ضمن الحالات التي تابعناها، كان يتم سحب استحقاق مواطن ما لوظيفة معينة تحت شعار السلامة الأمنية، لكنه شعار عام وفضفاض، وهو يخالف القانون الفلسطيني، وبالتحديد قانون الخدمة المدنية".
 المحكمة العليا هي جهة الاختصاص في البت في قضايا التمييز في التوظيف
ويضيف أمين في هذا السياق، أن الجهات والإدارات الحكومية تقوم بتجاوز هذا القانون، بل وترفض في كثير من الأحيان تسليمهم كتاباً يوضح أسباب إقصاء موظف عن عمله أو منعه من تقلد وظيفة ما.
ويقول: "الأخطر من ذلك كله هو أن مثل هذه القضايا التي نرفعها، يتوجب علينا التوجه إلى محكمة العدل العليا، كونه لا توجد محكمة مختصة لمتابعة مثل هذه القضايا، وفي حال لم أحصل على إثبات مكتوب من الجهة الحكومية الرسمية يحتوى على سبب الإقصاء ترد الدعوى بشكل نهائي".
وعند سؤالنا عما إذا كانت الجهات الحكومية تسلم المواطن المتظلم كتابأ رسمياً فيه أسباب رفضه في الوظيفة يشرح محامي الهيئة بالقول: "في بعض الحالات القليلة تم تسليم الأفراد مثل هذه الكتب، على ما أذكر في العام 2012 سلمت وزيرة التربية والتعليم آنذاك، أ. لميس العلمي، أحد المتظلمين كتاباً رسمياً فيه سبب رفضه للعمل في الوزارة بالنص الحرفي كالآتي: ""لقد تم تجاوز دورك في التعيين بسبب التوصية الواردة بشأنك من الجهات الأمنية، والتي تفيد بعدم الموافقة لتنسيبك للتعيين"".
وعلى الرغم من أن شرط السلامة الأمنية قد ألغي قبل نحو العامين، إلا أن آثاره ما تزال موجودة، ويتبع غاندي أمين ذلك بالقول: "الأشخاص الذين خسروا فرصهم في التعيين والحصول على وظيفة عمومية لم يستفيدوا من قرار الإلغاء بأثر رجعي، بل عليهم ربما الدخول في المنافسات للحصول على فرصة في الوظائف العمومية من جديد".
 
حالة تمييز آنية في وزارة العمل
حالة أخرى تعرضت للتمييز في حصولها على وظيفة، وتتابعها الهيئة، وتعود للمواطنة أ.أ، والتي تعمل في وزارة العمل منذ عامين، وخاضت تجربة الحصول على التثبيت عن طريقة المقابلة والامتحان العام، كون القانون يسمح لها بذلك، وحققت في امتحان التوظيف المرتبة الأولى إلا أنها ذهبت لآخر.
هذا وقامت المواطنة أ برفع شكوى لدى الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وما تزال القضية طور البحث والمتابعة حتى تاريخ إعداد هذا التحقيق.
ومن جهتها ترفض الحالة الحديث في الموضوع للإعلام خشية أن يأتي ذلك بنتائج عكسية على قضيتها.
 
تجاوب نسبي مع المؤسسات الحكومية
ولأن الهيئة من أكثر المؤسسات الحقوقية المتابعة لقضايا العاملين في المجالات المتنوعة، فهي على اتصال دائم بالجهات الحكومية ومؤسساتها وتقوم بمراسلتها لبحث قضايا المواطنين.
لكن يشكو محامي الهيئة، غاندي أمين، من التجاوب النسبي الذي يتلقاه من هذه الجهات بالقول: "هناك تجاوب نسبي مع الجهات الحكومية في حال رفعنا الشكوى لهم أو مراجعتهم، فقد حققنا في إحدى المرات القليلة على أن قامت إحدى هذه المؤسسات بالتراجع عن قرار معين، وهو قرار توظيف 5 من ذوي الاحتياجات الخاصة في بيت لحم، وتم إعادة تعيينهم."
 
ضعف أجهزة الرقابة يعني تمييز أكثر
ومن الأسباب التي تدعو إلى وجود تمييز في تقلد الوظائف العمومية، وذلك حسب الدراسة التي أعدها مركز الديمقراطية وحقوق العاملين، والتي أشرنا إليها في البداية، هي ضعف أجهزة الرقابة المسؤولة عن الإشراف على القطاع العام وموظفيه، مثل ديوان الموظفين المسؤول عن الإشراف الكامل على حسن تطبيق القوانين الناظمة للوظيفة العامة وديوان الرقابة المالية والإدارية.
كذلك ضعف القضاء الإداري الفلسطيني، ما سهل عملية التمييز الممارس من قبل الوزارات والمؤسسات العامة دون خشية العقاب، فمثل هذه القضايا ليس لديها محكمة مختصة، لذلك تذهب إلى محكمة العدل العليا، والتي تكون قراراتها قطعية ونهائية ولا استئناف فيها.
 
قانون بحاجة إلى تغيير ومواطن بحاجة إلى حماية من محكمة مختصة
هذا ويبدو أن كل طرف يعتقد أنه صاحب حق، فالجهات الرسمية أو الذين تم تعيينهم في وظائف لهم الحق في الدفاع عن أنفسهم كذلك في التأكيد على مدى الشفافية العالية التي يتمتعون بها.
كذلك الحال بالنسبة للمواطن، الذي يقول إن من حقه أن يحظى بفرصة حقيقية للتنافس على وظيفة والحصول عليها.
لكن، ولحماية المواطن الفلسطيني من تعرضه لأية تمييز يتعلق بتقلده وظيفة عمومية، يجب أن تتوفر لجنة إشراف ومراقبة على كيفية إجراء التعيينات، يكون أعضاؤها من المؤسسات الحقوقية والمجتمع المدني.
إضافة إلى ذلك، يجب يكون هناك محكمة مختصة لمتابعة مثل هذه القضايا وما يتصل بها، فالتمييز لا يحصل فقط أثناء إجراء المقابلات أو اختيار الموظف، بل ما بعد ذلك، فهناك تمييز في الحصول على ترقية أو علاوة أو درجة وظيفية، وجميع هذه القضايا تذهب مباشرة إلى محكمة العدل العليا، وهي محكمة القضايا التي لا محكمة لها، والتي يعيبها أن قراراتها نهائية ولا استئناف فيها.
من ناحية ثانية، يدعي ديوان الموظفين العام أنه حقق خلال السنوات القليلة الماضية طفرة كبيرة في الشفافية والنزاهة فيما يتعلق بإجراءات التوظيف في المؤسسات الحكومية، ويدعي أيضاً، حسب المقابلات التي أجريناها مع عدد من مسؤوليه، أنه أوقف عشرات الحالات التي كادت أن توظف أشخاصاً غير مؤهلين للوظيفة، وأنهم يأتون بناء على مزاجات شخصية لأحد أعضاء لجنة التوظيف.
لكن مثل هذه الإنجازات، إن صح التعبير، لا تبرز لنا كإعلاميين ولا كمواطنين نسعى لتقلد الوظائف، فلماذا لا يتم إصدار تقرير سنوي بالتزامن مع انتهاء فترة التعيينات بالحكومة، والتي تكون بالعادة في الربع الأخير من السنة، يشير إلى هذه الإنجازات المتعلقة بمنع حدوث تمييز في عملية اختيار الموظفين في الوظيفة العمومية؟
من جانب آخر، قلة هي المؤسسات الحقوقية التي تتابع هذه القضايا، على الرغم من أنها تعتبر أول مرحلة من مراحل التمييز في تقلد الوظيفة العمومية، وقد يعود السبب في ذلك إلى صعوبة إثبات حصول تمييز في هذه المرحلة، والتي بالعادة لا ترافقها وثائق تثبت حصول أي تمييز أو مخالفة للقانون، إلا في حال قبول شخص ما في وظيفة معينة، ومن ثم سحبت منه لأسباب أخرى.
وفي النهاية، يبقى المسؤول الأول والذي يتحمل شكوى المواطن والتحقيق فيها هو الحكومة نفسها، والمسؤولة أساساً عن توفير فرص عمل لعشرات آلاف الخريجين سنوياً من الجامعات والكليات الفلسطينية، فمن غير المنطق أن تطرح 1000 وظيفة سنوياً يتنافس عليها حوالي 55 ألف باحث عن عمل، فالأصل أن تقوم الحكومة بمحاولة استيعاب أكبر قدر ممكن منهم في مؤسساتها، ومراجعة موازنتها السنوية، والتي فيها توزيع غير عادل للحصص المالية للقطاعات المختلفة.